«هآرتس»مغالطات بني موريس

27 يناير 2019 - 07:54
صوت فتح الإخباري:

بقلم: شاؤول اريئيلي
في المقال الذي نشره هنا بني موريس، قبل أسبوع، وصف بصورة صحيحة الماضي في سياق «حرب الاستقلال» وموضوع اللاجئين الفلسطينيين. ومن الجدير أن الملخص الذي كتبه يتم تدريسه، ويوفر علينا مقالات يقطر منها الجهل («هآرتس»، 18/1). مع ذلك، موريس يفسر الحاضر بصورة احادية الجانب من خلال عرض خاطئ ومضلل للحقائق، ويعتبر النزاع الذي عمره مئة سنة تواصلا تاريخيا ليس فيه تغييرات – البحر هو البحر ومحمود عباس هو الحاج امين الحسيني. والأخطر من ذلك هو أنه بذلك يساعد في تحقيق نبوءته للمستقبل – انهيار دولة اسرائيل وتحولها الى دولة عربية مثلما كانت البلاد قبل مئة سنة.
يعتقد موريس أن رفض الفلسطينيين التنازل الجغرافي في 1937 و1947، يشبه رفضهم في 2000 و2008. ولكن الامر ليس هكذا. في حالة الرفض الاول أدار الفلسطينيون الحوار على قاعدة تفسيرهم للعدالة. حسب رأيهم، الحق في تقرير المصير في فلسطين، الذي كان لديهم في نهاية الحرب العالمية الاولى لكونهم يشكلون اكثر من 90 في المئة من سكان البلاد، واصحاب كل الاراضي الخاصة فيها، مع صلة جغرافية عمرها 1300 سنة مع البلاد – تم سحبها منهم بصورة غير عادلة، وبناء على ذلك رفض الفلسطينيون القرارات الدولية التي اعترفت وأيدت الحركة الصهيونية في اقامة وطن قومي للشعب اليهودي في «ارض اسرائيل»: وعد بلفور، مؤتمر سان ريمو، المصادقة على الانتداب من قبل عصبة الامم، وقرار التقسيم الصادر عن الامم المتحدة.
حالة الرفض الاخيرة مختلفة. في عملية طويلة ذروتها كانت في 1988، غيرت القيادة الفلسطينية (م.ت.ف) مقاربتها وانتقلت الى خطاب طلبات يرتكز الى القرارات الدولية وعلى رأسها القرار 181 والقرار 194 و242 و338 الصادرة عن الامم المتحدة. قال محمود عباس في مقابلة من العام 2008 مع «قناة العربية»: «لقد ضاعت فرصة التقسيم العام 1947، وقبلها ضاعت فرصة التقسيم للجنة بيل. ولكننا لا نريد أن نفقد فرصة اخرى. بناء ذلك، وافقنا على تقسيم 1948 و1967، التي لا تتضمن اكثر من 22 في المئة من ارض فلسطين التاريخية». نبع رفض ياسر عرفات في العام 2000 من ان اسرائيل برئاسة ايهود باراك ارادت فرض اتفاق دائم مختلف عن التفسيرات المقبولة للقرارات الدولية – دولة فلسطينية على اقل من 22 في المئة، بدون عاصمة في شرقي القدس.
اتهام عباس بالرفض هو عرض احادي الجانب للواقع. أولا، كمؤرخ، موريس لا يمكنه تجاهل تصريحات عباس حول دولتين لشعبين. مثلا، في ايلول 2005 في خطابه في غزة قال: «يجب ازالة آثار النكبة من خلال حل دائم يستند الى مبدأ دولتين لشعبين. اقامة دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل سيؤدي الى مصالحة تاريخية بين الشعبين». هذه التصريحات وغيرها من التصريحات تقلب ادعاءه بأن عباس «معصوب العينين» الى ادعاء مثير للسخرية. ثانيا، في انابوليس في 2008، وافق ايهود اولمرت وعباس على أن القرارات الدولية ستكون اساس المفاوضات. عباس، صحيح أنه لم يوافق على عرض اولمرت، لكن في المقابل، اولمرت ايضا رفض اقتراح عباس، الذي كان اكثر سخاء حسب رأي الفلسطينيين: ابقاء معظم المستوطنات تحت سيادة اسرائيل في اطار تبادل الاراضي، وفلسطين منزوعة السلاح... وعودة رمزية ليس لها أي تأثير ديمغرافي للاجئين. لماذا يتجاهل موريس هذا الرفض؟ ولماذا لا يعتبره تفويتا لفرصة تاريخية؟ لو أن اولمرت وافق على هذا العرض، ألم يكن سيوقع الاتفاق؟.
بالنسبة للحاضر، موريس متمسك بالادعاء أن «م.ت.ف» غير مستعدة لأي تنازل جغرافي وأنها لا تعترف بحق الشعب اليهودي في البلاد وتسعى الى القضاء على اسرائيل. أولا، موريس يدعي ذلك، لأنه يفترض أن اتفاق سلام بين اسرائيل و»م.ت.ف» يجب أن يكون نتيجة للمصالحة والاعتراف الصادق بحق الآخر، لكن هذا ليس ما يعلمنا إياه تاريخ النزاع.
موريس امتنع عن الاشارة الى أن استعداد اليشوف اليهودي لمصالحة جغرافية بدءا من العام 1937 لم ينبع من الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني، بل من الادراك بأنه في الواقع ثمة ميزان ديمغرافي واقليمي يميل بشكل واضح لصالح الطرف العربي الذي له طموحات قومية مناقضة، ولن تقوم دولة ديمقراطية يهودية في كل «ارض اسرائيل». «تقليص الارض، هذا هو الثمن الذي علينا دفعه بسبب التأخر القاتل للشعب العبري في بناء البلاد وبسبب النمو السريع للحركة العربية»، قال مردخاي نمير في مؤتمر «مباي» في حزيران 1936. هذا ايضا كان تنازلا مؤقتا، مرحلة في نظرية المراحل اليهودية، كما اضاف دافيد بن غوريون: «دولة يهودية جزئية ليست النهاية، بل هي البداية» (في رسالة لابنه عاموس في 1937).
هكذا ايضا الطلب اليهودي للتقسيم في 1947. في رسالة ارسلها بن غوريون لوزير الخارجية البريطاني في شباط من نفس السنة كتب «التسوية الوحيدة المحتملة والفورية، التي فيها اساس للنهاية، هي اقامة دولتين، دولة يهودية ودولة عربية». بكلمات اخرى، دولة ديمقراطية مع اكثرية يهودية يمكنها القيام فقط اذا قامت دولة عربية في نفس البلاد. ورغم أن بن غوريون قال في نهاية «حرب الاستقلال» إنه «كان بامكان الجيش الاسرائيلي احتلال كل المنطقة التي تقع بين البحر والنهر»، إلا أنه امتنع عن ذلك لأن «دولة يهودية، في الوضع (الديمغرافي) القائم... هي غير ممكنة، اذا كانت ستكون ديمقراطية». هذا الحسم هو الذي وجه ايضا اسحق رابين للبدء في عملية اوسلو. وباراك واولمرت للسعي الى اتفاق دائم في كامب ديفيد وانابوليس. ليس بسبب حقوق الفلسطينيين، بل من اجل الحفاظ على اسرائيل «يهودية وديمقراطية».
هذا ايضا بالنسبة للفلسطينيين. بسبب التغيرات الدولية والاقليمية التي سبقت اتفاقات اوسلو، انهيار الاتحاد السوفييتي، السلام مع مصر، الانتفاضة الاولى، ظهور قيادات منافسة لـ «م.ت.ف»، المنفى في تونس والازمة الاقتصادية – بسبب كل ذلك اضطروا الى الاعتراف في 1988 بقرار التقسيم الذي يعترف بدولة يهودية وبقرار 242 و338، التي تبقي للفلسطينيين فقط 22 في المئة من فلسطين الانتدابية. أي، المرحلة الاولى لانفصال سياسي متفق عليه يبقي كل طرف مع نصف طموحاته في يديه، يمكن تحقيقه بدون «غرام متأخر» ولكن يوجد في ذلك ما يمكنه أن يخلق الظروف لمصالحة والاعتراف برواية الآخر.
ثانيا، موريس يعترف بأن «القيادة الاسرائيلية الحالية ايضا ترفض فكرة دولتين لشعبين، وبذلك تقوم بزيادة الاستيطان في المناطق». ولكنه يتجاهل كل تصريحاتها بشأن الغاء اتفاقات اوسلو وحل السلطة الفلسطينية وتحويل الاردن الى فلسطين. يبدو أنه بذلك يوازن الصورة، لكن هذا مضلل. لأنه ما هو السبب وما هو المسبب بين الطرفين الرافضين؟ هل محمود عباس غير مواقفه منذ 2008؟ في الوثيقة بعنوان «الموقف» التي توزع في المقاطعة بثلاث لغات كتب «في الجزائر في 1988 اعلنت القيادة الفلسطينية عن موافقتها على مبدأ حل دولتين في حدود 4 حزيران 1967 كأساس لانهاء النزاع الاسرائيلي الفلسطيني – اجل «انهاء النزاع»! وكتب ايضا «اقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 مع تعديلات حدودية بسيطة ومتفق عليها بين الطرفين». هل موريس لا يعرف أن نتنياهو تراجع عن المبادئ التي تم الاتفاق عليها في «انابوليس»؟.
وكتب ايضا في «الموقف»، أن عاصمة فلسطين ستكون في شرقي القدس، كما تم الاتفاق عليه في انابوليس. وما هو موقف نتنياهو من ذلك؟ «سنحافظ على القدس الموحدة تحت سيادة اسرائيل الى الأبد»، قال نتنياهو في 2015. بذلك، موريس يمنع الاسرائيليين من الاعتراف بالوضع القائم في الحاضر، والعمل على تغييره وتطبيق حل الدولتين، لأنه في أي سيناريو آخر ستكون اسرائيل هي الخاسرة الكبرى على المدى البعيد.
يجب الاصغاء جيدا لتحذيرات موريس الذي يرفض حل الدولة الواحدة، والحذر من حلم «الذئب يعيش مع الحمل»، الذي يسعى اليه الاشخاص الذين يدعون لاقامة دولة واحدة ويتجاهلون تاريخ الصراع الحالي والنزاعات في اماكن اخرى في ارجاء العالم. كل تسوية لدولة واحدة لن تؤدي إلا الى حرب اهلية وفي نهاية المطاف الى دولة عربية.
يؤيد موريس حل الدولتين على اساس مصالحة جغرافية. لكنه يعتقد أن هذا الحل غير قابل للتطبيق. ولكن تبريره لعدم قابليته للتطبيق هو تبرير ضعيف، وأساسه الخشية من استيعاب اللاجئين الفلسطينيين. وكما أشار موريس، فان الامر يتعلق باستيعاب اللاجئين من سورية ولبنان، حيث إن نصف اجمالي اللاجئين يعيشون منذ العام 1948 في اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، واغلبية الباقي في الاردن. في اطار المفاوضات بين اسرائيل و»م.ت.ف» تقرر أنه سيعطى للاجئين الحق في اختيار مكان عيشهم. احد الاحتمالات سيكون البقاء في اماكنهم والحصول على التعويض. في الاستطلاعات التي اجريت، اختار معظم اللاجئين في الاردن هذا الخيار. عدد الفلسطينيين في لبنان حسب الاحصاء السكاني الاخير هناك هو 174 ألف شخص فقط. و45 في المئة منهم فقط يعيشون في المخيمات. في سورية، في اعقاب الحرب الاهلية، انخفض عدد اللاجئين الفلسطينيين الى النصف، وبلغ عددهم 250 ألف شخص. بناء على ذلك، ايضا مع الافتراض المبالغ فيه بأن جميع هؤلاء اللاجئين سيريدون العودة الى دولة فلسطين في الضفة والقطاع، ولن يستغلوا الخيار الذي تم الاتفاق عليه في المفاوضات باختيار دولة ثالثة – فان استيعابهم ضمن خطة متعددة السنين، لا يتوقع أن يشكل تحديا كبيرا لدولة فلسطين والنظام الدولي الذي سيقام لصالح ذلك.
إن احتمال حل دولتين لشعبين ما زال قائما ويرتكز الى الصفقة الاساسية لانابوليس. القيادة الاسرائيلية الحالية ترفض تبني ذلك، وتفعل كل ما في استطاعتها من اجل الانتقال من الضم الزاحف الى ضم الضفة الغربية أو اجزاء منها بوساطة تشريع في الكنيست. للاسف، ايضا معظم المرشحين الذين يريدون استبدال نتنياهو ما زالوا غير مستعدين لتبنيه. في الجانب الفلسطيني، الانقسام الآخذ في التعمق بين «فتح» و»حماس» واليأس الذي يتملك كل زاوية في غزة والضفة، يدفع الكثير من الفلسطينيين الى تبني حلم الدولة الواحدة. انسحاب الولايات المتحدة من مكانة الوسيط النزيه وضعف اوروبا، تضمن أن الخلاص لن يأتي من الخارج، وأن السيناريو الذي يصفه موريس – والذي وصفه كثيرون قبله – يمكن أن يتحقق.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق