الشرق الأوسط بعد ثماني سنوات من "الربيع العربي": قضايا الحاضر وإرهاصات المستقبل

01 مارس 2019 - 17:13
صوت فتح الإخباري:

بعد مرور ثماني سنوات على اندلاع الهزة في الشرق الأوسط، من الصواب فحص عدة مسائل مركزية تتعلق بالمزايا الحالية للمنطقة: هل الهزة لا تزال مستمرة؟ ما هو النظام الإقليمي (مفهوم النظام في هذا المقال هو فهم المنظومة الشرق أوسطية، وليس مدى الاستقرار)؟ كيف غيرت الهزة وجهها؟ وما هي آثار الاستقرار أو انعدام استقرار المنطقة على إسرائيل؟ يعرض هذا المقال تحليلا لثلاثة احتمالات متنافسة لفهم الواقع الحالي في الشرق الأوسط: الأول، يعتقد أن الشرق الأوسط لا يزال يعيش هزة متواصلة، وسيواصل ذلك في السنوات القادمة أيضا، بعدم استقرار وعدم يقين. 
أما الاحتمالان الآخران فيعتقدان أن الشرق الأوسط يستقر بالذات – في نظام جديد أو قديم – وأن هذا الميل سيستمر أيضا في المدى الزمني القريب. 
ليس هذا بحثا فكريا – نظريا فقط، فإسرائيل تأثرت كثيرا، أمنيا وسياسيا، بالأحداث حولها في السنوات الثماني التي انقضت منذ 2011، ولمسألة استقرار المنطقة بالنسبة لها آثار عملية، ترتبط بتصميم السياسة، تخطيط العمليات الجارية، وبناء القوة العسكرية.

الاحتمال الأول – في الشرق الأوسط وُلد نظام جديد
وفقا لهذا الاحتمال، فان الهزة أدت منذ الآن إلى تثبيت نظام جديد، يتضمن ميزان قوى إقليميا مختلفا، وكذا أنماط حكم وعلاقات بين الدول مختلفة عما كانت في الماضي. 
الدول والحدود ستبقى في التقسيم الذي ينظم المنطقة، ولكن العديد من الدول اضطرت لتسلم بسيادة محدودة، تجد تعبيرها في نشوء مناطق خاصة على حدودها أو بالحاجة إلى اقتسام سيادتها مع لاعبين إضافيين. 
وفي الوقت ذاته نشأ في المنطقة تدخل من القوى العظمى، يختلف عن ذاك الذي تميز به الماضي. هذا الوضع، الذي يعكس النظام الجديد، من المتوقع أن يستمر.
فالدولة العراقية، مثلاً، وإن كانت نجت من الاحتلال الأميركي والقتال الداخلي، إلا أن الحكم المركزي فيها بقي ضعيفا بالنسبة للاعبين شبه الدول العاملين في أراضيها، وهي تعيش تأثيرا سائدا من جانب إيران. 
في مصر، وإن كانت الهزة أدت إلى تغيير النظام العسكري الذي يحكم الدولة منذ 1952، إلا أن هذا النظام منذ 2011 يجد صعوبة في أن يفرض إمرته على شبه جزيرة سيناء. 
إضافة إلى ذلك، أدت الهزة إلى تقليص النفوذ الإقليمي لمصر، سورية، والسعودية، بالنسبة للاعبين الذين استغلوا الهزة لتوسيع نفوذهم، وعلى رأسهم إسرائيل وإيران. 
تتمتع إيران اليوم بموطئ قدم عسكري وسياسي مهم أكثر مما في الماضي في سورية، اليمن، لبنان، والعراق. 
وبالمقابل، إسرائيل هي الأخرى وسعت نفوذها الإقليمي من خلال تعاون أمني واستخباري أعظم مما في الماضي مع الأردن، مصر وقسم من دول الخليج – التعاون الذي يتاح ضمن أمور أخرى في ضوء التراجع في مركزية المسألة الفلسطينية في جدول أعمال هذه الدول.
جعل التواجد الروسي في سورية في السنوات الأخيرة من روسيا لاعبا قويا آخر في الشرق الأوسط، إلى جانب الولايات المتحدة، التي من جهتها تتراجع عن المنطقة، تصريحيا على الأقل، وبقدر أقل أيضا إلى جانب الصين. 
بين الولايات المتحدة وروسيا تصمم نوع من التقاسم في مجالات المسؤولية الجغرافية، في إطاره تبقي الولايات المتحدة على هيمنتها التقليدية في الخليج، بينما تجدد روسيا نفوذها في مجال الهلال الخصيب وبقدر معين في شمال إفريقيا أيضا. 
وهكذا انتقل الشرق الأوسط من وضع منظومة إقليمية تتميز بهيمنة لاعب قوي واحد (الولايات المتحدة) إلى منظومة تتميز بالمنافسة والخصومة بين عدد من اللاعبين الأقوياء (الولايات المتحدة، روسيا، والصين).

الاحتمال الثاني - الشرق الأوسط يعيش هزة متواصلة
بهذا المفهوم، لم يستقر حتى الآن في الشرق الأوسط نظام جديد بعد انهيار النظام القديم في 2011 ولا تزال المنطقة توجد في «فترة انتقالية» من شأنها أن تستمر لفترة طويلة، وبالتالي، تواصل المنطقة التميز بانعدام الاستقرار ويوجد عدم يقين كبير بالنسبة للتطورات في المدى الزمني القصير ومزاياه المستقبلية. 
والتقدير بأن الهزة لا تزال مستمرة يستند إلى أن المشاكل الاقتصادية الأساس في المنطقة (بطالة الشباب، الفساد، اقتصادات الظل، عدم المساواة الاجتماعية الاقتصادية، والتعلق بالنفط وبالجهات الخارجية) وصراعات الهوية (الدينية، الطائفية، والقبلية) لم تحل منذ 2011 بل تفاقمت. 
إن وجود هذه المشاكل، دون أي حل، يؤدي إلى فوارق متعاظمة ومتسعة في التوقعات في أوساط الجماهير، من شأنها أن تجد تعبيرها في موجات احتجاج مستقبلية.
إضافة إلى ذلك، يتواصل الصراع على الصورة السياسية للمنطقة داخل الدول وبين المعسكرات المختلفة.
في سورية، في اليمن، وفي ليبيا لا تزال تخاض صراعات عنيفة، دون حسم، على السيادة على أرضها وعلى خيوط الحكم. 
في سورية، ورغم انتصار بشار الأسد الذي يلوح في الإفق فإنه يواصل تصديه لمراكز قتالية في أرجاء الدولة وكذا لتدخل لاعبين خارجيين، ولا سيما إيران، روسيا، وتركيا، الذين يتحدون سيادته ويتنافسون فيما بينهم على النفوذ. 
في اليمن، يغذي التدخل الخارجي من جانب إيران والسعودية القتال وعدم استعداد الأطراف للموافقة على الحلول الوسط الحيوية لوقف القتال. 
في ليبيا، يستمر الصراع الإقليمي والسلطوي العنيف بين سلسلة من اللاعبين (حكومتين، عشرات الميليشيات، وبقايا «داعش»)، دون أفق حقيقي لمسيرة تسوية.
هذه الصراعات العنيفة تمنع، أو على الأقل تعرقل، تبلور حكم مركزي قوي في هذه الدول، يمكنه أن يحاول إعادة بناء سيادتها، ومؤسسات الحكم فيها واقتصادها. 
في هذه الظروف، تواصل هذه الدول لتكون مصدراً لجموع اللاجئين وكذا للجريمة والإرهاب، بحيث ينزلق إلى الدول المجاورة وإلى أوروبا.
في الدول التي تجاوزتها موجات الاحتجاجات في 2011 ولم تتدهور إلى حرب داخلية (الأردن، مصر، لبنان، إيران)، فإن موجات الاحتجاج الجماهيرية تبقي علامات استفهام بالنسبة لحصانة هذه الدول وتراص صفوفها الداخلية. 
في ضوء غياب جواب عن هذه الأزمات وشدة الصراعات المتواصلة، يتوقع هذا الاحتمال أن تشهد المنطقة في السنوات القادمة أيضا موجات أخرى من الهزات يمكنها أن تؤدي إلى تغييرات مفاجئة مثل تلك التي حصلت في السنوات الأخيرة.

الاحتمال الثالث – الشرق الأوسط عاد إلى النظام القديم
وفقاً لهذا الاحتمال، على الرغم من الهزة، يشبه الشرق الأوسط، في مزاياه اليوم، تلك المزايا التي ميزت المنطقة قبل 2011 (النظام القديم). فمستوى اليقين، تواتر وشدة التغييرات، عادت إلى ما هو معروف، وهكذا أيضا القدرة على توقُّع التغييرات. 
هذه الدول تواصل احتواء المجال وباستثناء تونس لم يطرأ تغيير مهم على أنماط الحكم، التي كانت تعرف الأنظمة. وتكيفت الأنظمة وتلاءمت مع تحديات الفترة بشكل من المتوقع أن يسمح لها بالإبقاء على استمراريتها.
إن دعوات المتظاهرين في 2011 لحقوق الفرد وللعدالة الاجتماعية لم تترجم إلى ثقافة سياسية في أرجاء المنطقة. فدول الشرق الأوسط تواصل التميز بقيادات ذات صلاحيات متنفذة، علاقات المال – الحكم الوثيقة، أجهزة دولة بيروقراطية واسعة النطاق، دور عميق للجيوش وأجهزة الأمن في السياسة وفي الاقتصاد، وكذا دور مركزي للدين في حياة المجتمع والفرد. 
أما الجماهير التي أدت دورا مركزيا في احتجاجات 2011 فقد عادت للتركيز على مشاكلها اليومية، وهجرت الدعوات لنظام جديد (بما في ذلك في ضوء الدروس التي استخلصوها من الفوضى التي نشأت في بعض دول المنطقة بعد هزة 2011). 
أما المشاكل الأساسية فلا تزال قائمة بالفعل، ولكن زعماء المنطقة على وعي أكبر مما في الماضي بالتهديد المحتمل المحدق بحكمهم من استياء الجماهير، ويقدرون بأن سياستهم نجحت في التصدي للتحدي، وستفعل ذلك في المستقبل أيضا.

معان ونظرة إلى الأمام
إن الخلاف الأساس الذي ينعكس في هذا المقال هو بين التقدير بأنه في الشرق الأوسط استقر نظام ثابت نسبيا (قديم أو جديد) وبين ذاك الذي يعتقد بأن الوضع بقي غير مستقر، وأن موجات الهزة التي سجلت في السنوات الأخيرة ستبقى تميز المنطقة، بشكل مؤقت أو عضال (لمدى زمني طويل). 
صخرة الخلاف الأساس بين هذين النهجين تتعلق بالمشاكل الأساس الاقتصادية وصراعات الهوية في المنطقة، والتي بشأنها توجد توافقات جارفة على أنها لم تحل منذ 2011، بل ربما تفاقمت. 
وبينما نهج النظام المستقر يعتقد بأن الأنظمة الحالية ستنجح في التصدي لهذا الوضع، فان نهج استمرار الهزة يعتقد أن مجرد وجودها سيؤدي بالمنطقة إلى هزات أخرى، مثل تلك التي وقعت في السنوات الأخيرة.
فما هي، إذاً، الصورة الحالية للشرق الأوسط؟ ظاهراً، يدور الحديث عن ثلاثة احتمالات متنافسة تؤدي إلى استنتاجات مختلفة تماما. ومع ذلك، يبدو أن المنطقة تتميز في الوقت الحالي بتعقيدات تتضمن داخلها، الواحد إلى جانب الآخر، مجالات تعكس عموم الاحتمالات. 
فضلا عن ذلك توجد في المنطقة قوى تدعم كل واحد من الاحتمالات: حرس النظام القديم؛ مؤيدو النظام الجديد؛ المشككون في كل نظام.
يبدو، إذاً، أنه من أجل النظر إلى الشرق الأوسط على نحو صحيح، فمن الأصح تثبيت إطار فكري يدمج في داخله عموم الاحتمالات. 
على هذا الإطار أن يستند إلى فهم مزايا الفترة الانتقالية (وعلى رأسها عدم الاستقرار، عدم اليقين والتفجر)؛ إلى المعرفة العميقة للمزايا التقليدية للمنطقة وتاريخها؛ وإلى آخر ما توصل إليه الفهم للمزايا الحالية للمنطقة، مثلما تصممت في السنوات الأخيرة.
بالنسبة لأصحاب القرار في إسرائيل، فالمعنى هو أن التخطيط الاستراتيجي لا يمكنه أن يستند فقط إلى استمرار الميول الحالية في المنطقة. 
يبدو، إذاً، أن من ناحية إسرائيل، من الأصح مواصلة اتخاذ الاستراتيجية الحذرة (وإن كانت تستفيد من الفرص)، التي اتخذتها في سنوات الهزة. 
تحتاج هذه الاستراتيجية إلى حذر شديد في خلق الاتفاقات، التحالفات والتعاونات، وتوجب مرونة منظوماتية متواصلة للاستفادة من الفرص ولمواجهة المخاطر. 
في مثل هذه الظروف من الصحيح التركيز أساسا على استخدام القوة الموضعية ضد التهديدات والعمل على تسويات محلية، مرنة وقصيرة المدى، حتى مع الخصوم. 
ومع ذلك، رغم أنه توجد إمكانية أن يستمر الشرق الأوسط بالتميز بالانعطافات، فان الوقت الحالي يسمح (بخلاف سنوات الهزة الأولى) بالتخطيط تجاه المنطقة، بالحذر المناسب، لسياسة تستند إلى اعتبارات المدى المتوسط بل البعيد أيضاً.
 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق