لماذا انتفض الناس بوجه حماس في غزة

15 مارس 2019 - 12:11
صوت فتح الإخباري:

وفا- توقف السائق، محمد الأقرع، (32 عاما)، بجانب بائع سجائر متجول على قارعة الطريق في مدينة دير البلح، جنوب غزة، وطلب منه سيجارة من ماركة "رويال" المُهرب من جمهورية مصر العربية. تناول البائع شاقل ونصف من السائق، التقط سيجارة بين الابهام والسبابة وجعل ظهر يده لأعلى كي يداريها من قطرات المطر الخفيفة.

يبلغ سعر علبة سجائر من ماركة "رويال" في مصر 19 جنيه مصري (حوالي 4 شواقل) لكن بعد الضرائب التي تفرضها حماس يتذبذب سعرها بين 26 و30 شيقلا.

محمد الأقرع الذي يقطن قرب شاطئ البحر في دير البلح، قال: إنه أنهى تعليمه الجامعي وحصل على بكالوريوس محاسبة قبل 6 سنوات.

"لم أعلم أن شهادتي الجامعية لن تساعدني في الحصول على وظيفة، خسارة على ما دفعت من أموال وفي النهاية أعمل سائقا بالأجرة على سيارة ليست لي"، قال الأقرع.

وكانت دير البلح، أمس الخميس، مسرحا لمظاهرات حملت شعار "بدنا نعيش" نظمها حراك شبابي مستقل في قطاع غزة احتجاجا على الغلاء والضرائب والبطالة.

العشرات من ميليشيا حماس وصلوا إلى مكان الاحتجاج بملابس مدنية و"شرطية" مدججون بالسلاح والهراوات الخشبية والكهربائية.

مسلحو حماس أطلقوا النار في الهواء وهاجموا المتظاهرين بالهراوات ما أدى إلى إصابة عدد منهم بجروح، فيما تُمنع المستشفيات التي تسيطر عليها حماس من نشر أي إحصائية عن عدد المصابين.

وعندما تدخلت بعض النسوة لحماية أبنائهن أيضا لم يتوان المسلحون بضربهن بالهراوات. كما طاردوا المحتجين في شوارع المدينة واعتقلوا عددا منهم، ووصل الأمر باختطاف بعضهم من مستشفى شهداء الأقصى عُرف منهم سيف البحيصي وابني عمومته يوسف ومحمود.

انتشر الشبان في الشوارع المتفرعة من شارع المعسكر يهربون من الهراوات وبعضهم اتخذ ساترا ليرشق عناصر حماس بالحجارة.

بين الأزقة التقينا رامز سليم (26 عاما) قال: إنه يشارك في المظاهرات لأن مستقبله ضاع ولأن حماس تسببت في تدهور الوضع الاقتصادي. "حلبونا... مهمتهم جمع الأموال من جيوبنا فقط ولا فرص عمل،" قال رامز وهو يلهث.

"حتى المرضى لم يسلموا، فلدي تأمين صحي وقبل دخولي لغرفة العمليات أجبروني على دفع 100 شاقل" (1 دولار يعادل 3.6 شواقل)، قال سليم متسائلا: لماذا يدفع وهو لديه تأمين صحي ساري المفعول.

وتسيطر حماس على قطاع غزة بكل مرافقه بما في ذلك المستشفيات، وتفرض غرامات على العمليات الجراحية تحت بند "عملية ذات مهارة"، وتختلف الغرامات وفقا لنوع العملية.

وأشار سليم، الذي توقف عن دراسة العلوم الإدارية بسبب الأزمة المالية، إلى أن حماس تشكل "حكومة جباية" فقط، فلا يرعون القطاع الصحي ولا التعليمي سوى المدارس التي تتبع لحركتهم فقط.

"يقسّمون مدرسة نصفين أو يعتمدون على اليوم الدراسي المسائي ويعلنون أنهم افتتحوا مدرسة،" قال بتهكّم.

وفي الوقت الذي تتحمل السلطة الوطنية الفلسطينية تكاليف إدارة المستشفيات من أدوية وتأمين صحي ورواتب موظفين [عدا من عينتهم حماس] تسيطر حماس على هذه المستشفيات وتستولي على المساعدات والأجهزة الطبية التي تصل غزة، وتكون الأولوية في توزيعها للمستشفيات والعيادات التي تملكها حماس أو تتبع لجمعيات تديرها هي.

وبعد مرور 12 عاما لم تبن حماس مستشفى واحد أو مركز صحي إلا ويكون تابع لها بشكل أو بآخر.

من بين أشجار النخيل التي تشتهر بها مدينة دير البلح هرع خليل زقوت باتجاه الجنوب نحو تجمع عائلته، وعبر عن خوفه قائلا: "فش عندهم رحمة بلاش يطخونا".

زقوت الذي يبلغ من العمر 34 عاما، أوضح إنه أغلق محل نجارة بسبب تراكم الديون ولا يوجد عمل يغطي أجرة المخزن ولا أموال لشراء وقود لمولدات الكهرباء "الذي تُسرق".

ويعاني قطاع غزة من أزمة كهرباء منذ سنوات بسبب شح الوقود. وسبق أن تبرعت قطر وتركيا والاتحاد الأوروبي بعشرات ملايين الدولارات لتزويد محطة التوليد في غزة بالكهرباء لكن المسألة لم تُحل وأسعارها ثابتة (نصف شاقل لكل كيلو) سواء كان الوقود تبرعات أو مدفوع الثمن.

"شاركت في المظاهرة لأنه لا يوجد حل، 6 سنوات بدون عمل وأنا أب لأربعة أطفال،" قال زقوت. وأضاف: فرص العمل حتى في "حكومة" حماس (غير المعلنة) في غزة لأبناء حماس فقط، "الشعب يموت".

وكان القيادي في حماس، خليل الحية، قال في حزيران 2017 إن "مال حماس لحماس"، في إشارة إلى عدم مسؤولية حركته عن الشعب.

لم تقتصر معاناة المواطن محمد الأقرع على شح فرص العمل والضرائب الباهظة، بل ترخيص السيارة، حتى الخبز. "كنا نشتري 3 كيلو ب 7 شواقل، بقرار من حماس أصبحت الكمية 2,8 كغم".

وقال الأقرع، وهو أب لطفلين، إن حماس فرضت ضريبة تُعرف ب "ضريبة التكافل" التي لا تخضع لقانون وليس لها ملامح واضحة على معظم السلع "اللهم جمع الأموال في كل مرفق".

وأشار إلى أن رسوم ترخيص سيارته (سكودا 2012) تبلع 1700 سنويا بما في ذلك الضريبة لأنه مسموح لها تحميل الركاب، لكن عندما ذهب لتجديد الترخيص تفاجأ أنه يتوجب عليه دفع 2700.

"الـ 1700 شاملة الضريبة، من أين جاؤوا بألف جديدة لا أعلم، والأدهى بأثر رجعي من يناير 2018،" قال الأقرع. "يجب أن تقوم ثورة ضد هذا الظلم والغذاء".

وقال مدير الاعلام والعلاقات العامة في الغرفة التجارية بغزة، ماهر الطباع، إن الوضع الاقتصادي يمر بأسوأ حالاته؛ عدد العاطلين عن العمل في قطاع غزة يقدّر ب 300 ألف من مجمل عدد السكان الذي بلغ حوالي 2 مليون مواطن.

وأشار إلى أن نسبة البطالة في غزة حوالي 53% أما في صفوف الخريجين والشباب فبلغت 69%، كذلك بلغت نسبة الانعدام الغذائي 69% وفقا لمركز الإحصاء الفلسطيني.

ولفت الطباع إلى أن هناك بعض قرارات حماس المالية تختلف عنها في المحافظات الشمالية (الضفة الغربية)؛ فترخيص المركبة الملاكي (ديزل) في المحافظات الشمالية يبدأ من 660 شيقل أما في غزة فتبلغ 2100 شيكل.

"من يفرض الضرائب والرسوم بإمكانه أن يقرر تخفيضها ويخفف عن المواطنين... المواطن هو الذي يدفع الثمن" قال الطباع.

وتفرض حماس غرامات أخرى على مختلف السلع التي يزداد عليها الطلب كان آخرها الملابس المستعملة "البالة"، حيث قررت تغريم كل تاجر 200 شيقل عن كل طن. فيما تختلف المبالغ المالية على السلع التي يستوردها التجار وتدخل القطاع عبر معبر كرم أبو سالم. ولا توجد سياسة واضحة أو معلنة فأحيانا غرامات وفقا لعدد الشاحنات أو الوزن أو العدد وفقا لكل سلعة.

وخرجت أيضا مظاهرات في مخيم جباليا مساء الخميس قمعتها ميليشيا حماس بالقوة. وهاجم مسلحون مقنعون وغير مقنعين الحراك الشبابي واعتدوا على المحتجين بالهراوات وتم اعتقال عدد منهم.

ومنع أفراد حماس الصحفيين من التصوير وهددوهم بالاعتقال ومصادرة معداتهم في حال لم يغادروا المكان.

وكادت المظاهرات تتحول إلى ما أشبه بمعركة بين جمهورين بعد أن زجت حماس بالمئات من أفراد "أُسر المساجد" (أعضاء حلقات التجنيد في كل مسجد) التي تديرها حماس ما أدى إلى اشتباك بالأيدي مع المحتجين.

ونددت مختلف الفصائل الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني بقمع حماس للمتظاهرين السلميين المطالبين بحقوقهم الأساسية ودعوا حماس للإفراج عن المختطَفين منهم والكف عن ملاحقتهم والاعتداء عليهم.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق