فن الكلام (لتؤثر فيهم ولتساعدهم على تذكرك)

13 إبريل 2019 - 07:19
بكر أبو بكر
صوت فتح الإخباري:

في أحدى الدورات التي عقدتها في الهند لطلابنا الفلسطينيين هناك، وقد دامت أسبوعا في فندق متواضع جميل، في منطقة مرتفعة مطلة على مدينة مومباي من البعيد ناقشنا وتدارسنا فيه الكثير من الأفكار والطروحات السياسية والتنظيمية والفكرية والادارية والتاريخية.
لفت انتباهي نقطة "الفائدة والتأثير" فما يفيد يجب أن يؤثر، وهو ما كان من تعليق أحد الأخوة الحضور وهو تعليق مسّ شغاف قلبي وأصابني بغرور الشباب حينها!
حينما قال لي بحرقة وعميق امتنان كان باديا على وجهه وحركاته: أنا الآن عرفت هدفي بالحياة بعد محاضرتك؟ 
وكانت المحاضرة حول فن الاتصالات والمعوقات وحسن إدارة الأذن (أي حسن الاستماع).
جلست طويلا أتفكر منتشيا، كما انتشيت في دورة لنا بالسويد حين كان التصفيق الذي لم أطلبه مدويًا، وكنت ما زلت شابا في مقتبل العمر يلامسُ الغرورُ شغافَ قلبه الفتي.
وهنا يمكنني القول أن الرجل بالهند حمّلني من تاريخها مسؤولية أن يكون كلامي وقولي مؤثرا ومفيدا، ومن هنا لرغبتي الدائمة في دعم الآخرين والتأثير فيهم أو مساعدتهم على تذكّر عدد من الأفكار الرئيسة في حديثي اتبعت استراتيجية سداسية الأركان.
الأولى: أن لا أتحدث إلا بما هو مفيد، وموضحا لهم مكمن الفائدة وطريقة الاستثمار ومجالاته.
والمثير هنا أن لا تعارض بين الفائدة والمتعة (اللذّة) باعتقادي فما تستمتع به من علم يكون مثيرا لك، وبالتالي تعرضه بطريقة مميزة-او يجب أن تتعلم ذلك-فتثير الآخرين ليس فقط لذات الموضوع وإنما لقدرتك أنت على إثارتهم تجاه الموضوع.
وفي هذه المتعة أو اللذة العقلية يقول الشيخ ابن قيم الجوزية في كتابه الجميل روضة المحبين ونزهة المشتاقين :"اللذة العقلية الروحانية هي كلذة المعرفة والعلم والاتصاف بصفات الكمال من الكرم والجود والعفة والشجاعة والصبر والحلم والمروءة وغيرها فإن الالتذاذ بذلك من أعظم اللذات وهو لذة النفس الفاضلة العلوية الشريفة "
وثانيا: كنتُ وما زلت أركزّ في بنود الموضوع الرئيسة ولكن مع اطلالات أفتحها ذات شمولية تفتح الآفاق فيصبح الكادر أو الانسان منفتح العقل، فالفيزيائي أو الرياضي أو الحدّاد أوالنجار من المهم أن يتخصص، ولكن في سياق الثراء بالاطلاع على غير تخصصه فتكون بالشمولية ما لايضر التخصص بل ينفتح عليه، ولن نكتسب الثراء المعرفي من النظر في وجوه الآخرين فقط أو النظر للشاشة أو الاستماع لخبرات الآخرين او استرجاع خبراتنا فقط فلا بديل مطلقا عن حياة الى جانب الحياة أي بالقراءة.
كان عباس محمود العقاد المفكر العربي الكبير يحتفظ بمكتبته بأكثر من 100 كتاب في علم الحيوان؟ وهو ليس عالم أحياء فلم ذلك؟ وعندما يعرف السبب يبطل العجب! 
لقد كان يستفيد من دراسة سلوك الحيوانات في محاولات المقارنة أو المطابقة مع الحالات والمواقف التي يعرضها في كتبه الفكرية والأدبية والتاريخية، لقد كان شموليا وان كان تخصصه الفكري واضحا.
اما ثالثا: فلك أن تُجهِد النفس في معرفة الجمهور لكي تعلم ما تقوله لهم، لهذه الفئة المستهدفة، فلا تلجأ لرطانة لا يعرفونها وأنت تظن نفسك تتفاصح! 
ولكنك بالحقيقة تصبح مثار سخرية، فما شأني أنا كانسان عادي بعالم فيزياء يشرح لي تركيب الذرة أو قانون السرعة أو ما فعله نيوتن بالتفاحة التي سقطت على رأسه أو بقربه إن لم تكن ذات صلة بحياتي.
في مثل تلكم الأحوال لن أتذكر شيئا بل سأضرب صفحا عما تقوله. وعليه حدّد ما تقوله بما يفهمه الجمهور، ولا تملّ ضربا للأمثلة ذات الصلة، فيتذكرونك.
أما رابعا: فلا مناص من التكرار في أكثر من 3 مواضع على الاقل من الكلمة أوالخطاب لأن في ذلك اقتداء بالخليفة الذي كان يحفظ الشعر من المرة الثالثة، فإن افترضناه قاعدة كرر لثلاث مرات الأفكار الرئيسة وان شرحتها بتوسع ضمن الأبعاد الأربعة. 
والتكرار كما يقال أيضا يعلم الشطّار (والشُطّار هنا بمعنى العقلاء الأذكياء وليس المعنى الأصلي أي قطاع الطرق).
وفي النقطة الخامسة: دأبت في مقابلاتي الرائية (التلفزية) وخاصة عندما تحدثت في 20 حلقة عن التطرف العالمي ومنه الاسلاموي الى استدعاء القصص وإبراز الخرائط وصور الشخصيات المقصودة والاحصائيات والأرقام المصورة، فتصبح للصورتين أي صورتي وصور المتحَدَّث عنه مطبوعة في ذهن المتلقي، وهو ما كنت أعمله أيضا في المحاضرات المباشرة وإن أصبحت مؤخرا استند أيضا لمنطق وأسلوب المحاضرة بالقصة.
اما سادسا: فلا تستأثر بالحديث، وإن كنت مليئا كهاني الحسن، وكنت ثريا، وكنت غير ممل كما يقولون لك فالاستماع للآخرين بتطبيق فن الصمت والوقفات بالحديث أولى من أن تتحدث وكانك بندقية كلاشينكوف يتدفق منه الرصاص دراكا "على السريع" بل اجعله طلقة طلقة، واصمت واستمع لتعابير الجمهور أو لصوتهم او مداخلاتهم أو استفساراتهم بعمق.
أنت المعني بتحسين الإصغاء والاستماع، لأن الإدراك كما نعلم انتقائي، ما يحتاج معه لجهد شخصي في الاستماع، لكي نصغي ليس لما نريد ، أو ما نحب فقط، وانما لما يقول المتحدث، فلا نغلّب التحليل والافتراضات، والتجهز للرد على الإصغاء ما هو فن يمكن تعلمه واتقانه.
انهم أي الجمهور يزودونك بشحنات تواصل، فالأسئلة دلالة الاهتمام غالبا ودلالة المتابعة ودلالة أنك تقول ما يثير ويفتح الأبواب، وهو ما يجعلهم يتذكرون ما تقوله مربوطا بما يقولونه هم، وهو الأكثر تذكرا.
(10% ما تتذكره مما تقرأ.. 20% مما تسمع.. 30% مما ترى.. 50% مما ترى وتسمع.. 80% مما تقوله.. وتتذكر 90% مما تقول وتفعل).
ودعونا هنا نقدم طرفة مغايرة، فكما إن للصمت معنى إيجابي بمنطق الاستماع وحسن الاصغاء أو التهيؤ للرد، فإنه قد يكون أحيانا عن جهل.
كان رجلٌ يجلِسُ إلى جِوارِ القاضي أبي يوسُف فَيُطيلُ الصَّمتَ، فقال له أبو يوسُف : ألا تتكلم؟ قال : بلى، متى يُفطِرُ الصائمُ؟ قال أبو يوسف : إذا غابت الشمس. قال : فإنْ لَم تَغِبْ إلى نصفِ الليلِ؟ فضَحِكَ أبو يوسف، وقال : أَصَبتَ في صَمتِك، وأَخطأتُ في استدعائي لِنُطقِكَ.

الحواشي
هو محمد بن أبوبكر بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (و751هـ) ومؤلفه: روضة المحبين ونزهة المشتاقين.
2 يقول الامام الشافعي: وجدت سكوتي متجرا فلزمته ..... إذا لم أجد ربحا فلست بخاسر
وما الصمت إلا في الرجال متاجر ..... وتاجره يعلو على كل تاجر
3 من كتاب "أخبارُ الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق