«إسرائيل اليوم»صفقة القرن: معركة الوصاية على الأماكن المقدسة

16 يوليو 2019 - 09:20
صوت فتح الإخباري:

بقلم: نداف شرغاي
رفع القصر الملكي الأردني الى قناة الـ»يوتيوب» في الاسابيع الأخيرة تقريرين يبددان بقدر كبير الغموض حول أحد البنود الدراماتيكية في صفقة القرن للرئيس ترامب: فقد طلبت الولايات المتحدة منح السعودية دورا مركزيا في إطار الوصاية على الاماكن المقدسة للإسلام في القدس، أي الحرم.
الأوصياء الحاليون، الأردن وملكها عبد الله، والذين يستندون الى إرث تاريخي يمتد الى نحو مئة سنة في الحرم وليس أقل من ذلك الى سلسلة من الاتفاقات والتفاهمات مع اسرائيل، يشعرون بخيبة الامل والاساءة. الملك الأردني غاضب. فهو غير مستعد ليخلي المنصة للسعوديين ولملكهم السابع، سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولا أن يتقاسم معهم هذه الوصاية. والآن يفعل الأردن كل شيء تقريباً كي يوضح ذلك.
في 20 آذار من هذه السنة بعد سبعة أيام فقط من لقاء الملك عبد الله في واشنطن مع وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، ومع مستشاري ترامب الكبيرين، جارد كوشنير وجيسون غرينبلات، التقى الملك الأردني مع وجهاء محافظة الزرقاء، أحد مراكز القوة التابعة لـ»الإخوان المسلمين» في الأردن، حيث نصف سكان المحافظة من الفلسطينيين. وصرح عبد الله في تلك المناسبة: «لن أغير أبدا موقفي من القدس.. علينا واجب تاريخي تجاه القدس والأماكن المقدسة».
لأول مرة يعترف الملك بالضغوط التي تمارس عليه، وشدد قائلا: «هذا خط أحمر من ناحيتي، وأنا أعرف أن الشعب الى جانبي... كدولة هاشمية من واجبنا حماية الاماكن المقدسة للاسلام والمسيحية. صحيح أننا نتعرض للضغط، ولكن في نهاية الامر الجواب سيكون لا وكلا».
بعد بضعة أيام، في لقاء مع قادة جيشه – هذه المرة وهو يرتدي البزة العسكرية – كرر الملك عبدالله وأوضح ان «القدس ومستقبل فلسطين هما خط احمر بالنسبة للأردن. لا ادري كيف يمكنني ان اقول ذلك بشكل اوضح... كيف يمكنني كهاشمي أن أتخلى عن القدس؟! هذا مستحيل. هذا خط أحمر. أقول لا وكلا للتنازل عن القدس... لدينا كلمة ولدينا موقف».

عرض لتغطية الديون
غابت تصريحات الملك عن عين الاعلام. وقد اقتبست بتواضع بالذات في سياق الخلاف مع اسرائيل حول نطاق باب الرحمة، رغم أنها قيلت في سياق آخر. ونشر معهد «ممري» ذلك فانتشر الأمر. أشهر طويلة من النفي الرقيق من جهة واشنطن وصمت من جانب اسرائيل، التي توجد على اطلاع تفصيلي على صفقة القرن، تأتي الآن الى نهايتها.
تضغط الولايات المتحدة منذ أشهر طويلة على الأردن كي يوافق على أن ينقل إلى السعودية، او أن يتقاسم معها صولجان الوصاية على المكان الثالث في قدسيته للاسلام - المسجد الاقصى (وذلك الى جانب استمرار السيادة الإسرائيلية في الموقع). في نطاق ومسؤولية السعودية يوجد كما هو معروف المكانان الأولان في قدسيتهما للاسلام، في مكة وفي المدينة. ويدور الحديث عن ضغط اقتصادي غير رسمي، متداخل واغراءات اقتصادية في الغالب وكذا مطالبات اضافية.
هذه هي الارقام التي تشرح الضغوط التي يعيشها الأردن: تبلغ ديون المملكة الهاشمية اكثر من 40 مليار دولار. في شباط الماضي، في اجتماع الدول المانحة للأردن في لندن، نجح الملك عبدالله في جمع تبرعات لنحو 3 مليارات دولار من السعودية، الكويت، واتحاد الامارات، توزع على بضع سنوات. 350 مليون دولار حولتها السعودية الى الأردن في الشهر الماضي كجزء من هذا الالتزام، هي مجرد قطرة في بحر الاحتياجات الكبرى للأردن، أما الآن فللسعودية شرط مركزي واحد لمواصلة المساعدة: الشراكة في إدارة الحرم الشريف في القدس.
يتعلق الأردن جداً أيضا بالمساعدة الأميركية – مليار ونصف المليار دولار في السنة. الأميركيون، الذين تحدثوا في السنة الماضية مع الحكام العرب، تحدثوا معهم ليس فقط عن البديل السعودي في الحرم، بل أيضا عن إمكانية أن يستوعب الأردن ويوطن في أراضيه بشكل تدريجي مليون لاجئ فلسطيني، بعضهم من الشتات وبعضهم يعيشون منذ الآن في أراضيه. هذا كما هو معروف مجرد جزء واحد مما تعده ادارة ترامب لموضوع «اللجوء الفلسطيني»، وذلك بعد أن قلصت ميزانية الوكالة وتتطلع الآن إلى إلغائها.
تعتقد الادارة الأميركية، الآن، بأن الوكالة والأمم المتحدة تساعدان منذ سنين على تخليد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، بدلا من حلها. فيما تحرصان على نقل مكانة اللجوء الفلسطيني من الاب الى الابن ومن جيل الى جيل.  
مقابل هذه الرزمة تعرض الولايات المتحدة على الأردن مبلغا خياليا يصل 45 مليار دولار لتستخدمه المملكة الهاشمية لتسديد الديون، لترميم اقتصادها، ولكن أيضا لاستيعاب وتوطين لاجئين فلسطينيين في اراضيها. الاغراء هائل؛ يحتمل أن يكون الأردن يوافق عليه، رغم خوفه من مزيد من اللاجئين في أراضيه، لولا قصة الحرم.
من زاوية نظر الأسرة المالكة الأردنية هناك ثلاثة اسباب وجيهة لرفض الافكار الأميركية. الاول هو سبب عملي. أجهزة الأمن الأردنية (وكذا الاسرائيلية) تعتقد بأن كل تغيير في مكانة الوصاية التي يحتفظ بها الملك الأردني في الحرم، سيؤدي الى ضعضعة حكمه وربما سقوطه. الوصاية التي يملكها الأردن منذ العام 1924 هي من زاوية نظر أردنية بوليصة تأمين. فالحكم في الأردن يعتمد منذ سنوات عديدة على ولاء البدو وسكان القبائل الموالين للاسرة المالكة. وهؤلاء يشكلون اقل من نصف السكان في الأردن. بينما الاغلبية الفلسطينية و»الاخوان المسلمون» في الأردن يشكلون مصدرا لقلق مستمر. واستمرار الوصاية على الاقصى هو من ناحية الأردن ضمانة لاستمرار التحكم في المملكة.
السبب الثاني تاريخي: فالسلالة الهاشمية التي تحكم الأردن، اليوم، خسرت بعد الحرب العالمية الاولى للسعوديين دور حارس الأماكن المقدسة في مكة وفي المدينة. فقد حكم الهاشميون السعودية حتى العام 1924، وطردتهم من هناك سلالة آل سعود. الحسين بن علي، الذي كان شريف وأمير مكة بين 1908 و1917 كان سليل السلالة الهاشمية التي يرى اباؤها واجدادها انفسهم من انسال النبي محمد. اما الأردن، الذي تأسس رسميا في العام 1946، فقد احتل شرقي القدس والبلدة القديمة في العام 1948، ومنذئذ اكتفى بوصاية ثانوية على الاقصى، المكان الثالث في قدسيته للاسلام.
اما السبب الثالث لرفض الأردن تماما الفكرة الأميركية في موضوع الحرم فهو عائلي: الحسين بن علي، الشريف الذي خسر الوصاية على مكة والمدينة للسعوديين، دفن في العام 1931 في قبر في الحرم. ابنه الثاني، عبدالله، الملك الاول للأردن بعد تأسيسه، قتل في مدخل المسجد الاقصى، حيث اغتاله فلسطيني في العام 1951، على خلفية مفاوضات سرية للتطبيع والسلام اجراها مع اسرائيل. حفيده، الحسين، كان شاهدا على قتل جده، وبعد سنة من ذلك تسلم المملكة في الأردن. واحتفظ بها 47 سنة حتى وفاته في العام 1999.

الغمز نحو تركيا
واصل الأردن الاحتفاظ بالوصاية الاسلامية على الاقصى حتى بعد حرب «الايام الستة» التي خسر فيها أمام اسرائيل شرقي القدس والحرم، وحتى بعد فك الارتباط عن الضفة الغربية الذي أعلن عنه في العام 1988. عندما وقع اتفاق سلام بين اسرائيل والأردن في العام 1994 نص الاتفاق على مكانة الأردن كوصي على الاماكن المقدسة للاسلام في القدس.
احترمت اسرائيل هذه المكانة، ولا سيما على خلفية شبكة المصالح المشتركة – وليست العلنية دوما – في المجال الأمني، الاستخباري، والاقتصادي. بل واقتنعت اسرائيل بان هذه المكانة تساعد بالفعل الاسرة المالكة الأردنية في الحفاظ على حكمها شرقي الأردن. في العام 2013 عزز الأردن مكانة الوصاية التي له على الاقصى حين وقع على اتفاق مع السلطة الفلسطينية. وقضى الاتفاق بأن الأردن سيواصل تمثيل شؤون الفلسطينيين في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس الى أن يعقد اتفاق دائم في المنطقة.
الصدمة في الأردن على خلفية العرض – الطلب الأميركي للتخلي او اقتسام الوصاية على الأقصى مع السعوديين، هي بالتالي صدمة حقيقية. فالرفض العلني واضح في أن الأردن يتخذ، الآن، سلسلة من الخطوات السياسية التي غايتها الايضاح سواء لاسرائيل أم للولايات المتحدة بأن له ظاهرا بدائل لمحور القدس – واشنطن.
الخطوة الأولى في سلسلة الخطوات الأردنية كانت الارتباط العلني بأبو مازن والسلطة الفلسطينية في معارضتهم لصفقة القرن لترامب. بعد ذلك، وافق الأردن، لاول مرة على أن يدرج في مجلس الأوقاف ممثلين عن السلطة الفلسطينية، «فتح»، بل الشيخ عكرمة صبري المتماثل اليوم مع الاتراك و»الاخوان المسلمين»، بل مع رجال الجناح الشمالي للحركة الاسلامية في اسرائيل.
كل هؤلاء كانوا في الامس منافسين شديدين للأردن على الهيمنة الاسلامية في الحرم.
اما الخطوة الثانية فتمثلت باتصالات مباشرة بين المملكة وتركيا، المنافسة الجدية للأردن، سواء على الهيمنة في الحرم أم على النفوذ في منطقة غلاف الحرم. على خلفية صفقة القرن، قرر عبدالله بأن تركيا ايضا مؤهلة كشريك في الكفاح ضد ترامب وخطته. ووقوف الأردن في المحور الذي العنصر السائد فيه هم «الاخوان المسلمون»، حيث إن حكم الاسرة المالكة هدده هذا التنظيم غير مرة، يدل على أن الأردنيين يبدون الاستعداد للسير بعيدا من اجل الاحتفاظ الحصري بمكانة الصدارة الاسلامية في الاقصى.
الخطوة الثالثة هي زيارة الملك عبدالله لمحمد السادس، ملك المغرب الذي هو الآخر سليل الهاشميين. فقد حصل الملك الأردني من نظيره المغربي على التأييد للوصاية الهاشمية على الأماكن الاسلامية المقدسة في القدس. وفي ختام اللقاء بينهما، أعلن ملك المغرب بأن الأوقاف الأردنية هي الجسم القانوني الوحيد الذي يحق له إدارة المسجد الاقصى، حمايته، وتنظيم الدخول اليه. وفي البيان المشترك، شدد الملكان على وجوب الدفاع عن القدس وعن الاماكن المقدسة في وجه كل محاولة لتغيير مكانتها التاريخية، القانونية، والسياسية.
حاول عبدالله أن ينتزع بيانا مشابها ايضا من حكام مصر والعراق في ختام قمة ثلاثية عقدها معهم في تونس، في نهاية آذار الماضي، ولكن دون نجاح.
دعوات للانتفاضة
لثلاث مرات التقى الملك عبدالله بقيادة الادارة الأميركية في نصف السنة الأخير، في تشرين الثاني، في كانون الثاني وفي آذار. وحرص الأردنيون على عدم نشر اي شيء عن هذه اللقاءات. يحتمل أن يكونوا ارادوا الامتناع عن اعطاء الانطباع الذي يمكن أن يؤخذ في الأردن عن التعاون المزعوم مع صفقة القرن، وبخاصة في بند الحرم.
بالمقابل، يخيل ان المملكة حلت اللجام في كل ما يتعلق بموقف الملك من الصفقة. فمنذ نيسان نشر في الصحافة الأردنية عدة مقالات تدعو الى انتفاضة جديدة في الضفة الغربية لإحباط صفقة القرن. فقد نشر الصحافي محمد علي مرزوق الزيوت مقالا في صحيفة المؤسسة الرسمية «الرأي» دعا فيه الى توحيد القوى مع «فتح» و»حماس» ووقف التنسيق الامني مع «الاحتلال». ونشر حسين الرواشدة مقالا له في صحيفة «الدستور» دعا فيه الى انتفاضة جديدة توحد الفلسطينيين والعالم العربي. ويعتقد الزيوت بان «الانتفاضة الثالثة أهم من المصالحة الفلسطينية الداخلية، وهي الوصفة الفضلى للرد على صفقة القرن. هي اهم من المفاوضات العقيمة ومن كل التزام لفظي لحماية المسجد الأقصى».
الأردن، إذاً، يضع نفسه من جديد في محور «الإخوان المسلمين»، الذين كانوا منذ زمن قصير عدوا معلنا للاسرة المالكة والذين كانوا يعتبرون غير مرة تهديدا محتملا على استقرار الحكم هناك. بل اقترح الأردن على عكرمة صبري أن يترأس مجلس الاوقاف الجديد في الحرم. وسمح الملك الأردني في الأسابيع الأخيرة لـ»الاخوان المسلمين» بتنظيم مظاهرة تضم الآلاف في الجانب الشرقي من البحر الميت ضد صفقة القرن.
ومع ذلك، من المهم أن نتذكر بان الملك عبدالله هو رجل عملي وثمة ايضا مؤشرات إلى أنه يبحث عن حل وسط يتيح له أن يبدو كمن يعارض خطة ترامب، ولكن عمليا أن يسلم ببعض عناصرها. وهكذا فانه يأمل ربما في الحفاظ على مكانته المركزية في محور الدول المعتدلة في الشرق الاوسط، يواصل التمتع بالمساعدة الاقتصادية الأميركية، وان يواصل الاحتفاظ بالوصاية على الاقصى.
لقد منحت الانتخابات المتكررة في اسرائيل مساحة تنفس للأردن في كل ما يتعلق بخطة ترامب. وذلك لأن الادارة في واشنطن لا تعتزم نشر مبادئ الصفقة المتعلقة بالمواضيع الجورية قبل 17 ايلول. ومع ذلك تطلب الولايات المتحدة من الأردن أن يقرر إذا كان سيحضر وعلى اي مستوى المؤتمر الاقتصادي في البحرين كاعداد لصفقة القرن في 25 و26 حزيران. أوضح الأردن بانه سيبعث الى البحرين بتمثيل عنه، وإن كان ليس واضحا في اي مستوى. وعلى اي حال يتوقع عبدالله من الولايات المتحدة إيضاحا تضمن له الوصاية على الاقصى. اما من أكد حضوره الى البحرين إضافة الى الأردن فهم السعودية، مصر، الامارات، وكذا اسرائيل. الفلسطينيون كما هو معروف يقاطعون المؤتمر. وان كانت مشاركة خاصة لمستثمرين فلسطينيين ليست مستبعدة.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق