شعب: «نفرات».. فشعب !

14 يونيو 2019 - 09:54
حسن البطل
صوت فتح الإخباري:

أستعير عبارة توصيف وتعريف بغدادية على أبواب سيارات تاكسي ـ الطلب وهي «نفرات» أي أنفار، لتمييزها عن سيارات «السرفيس».
هل أستعير عبارة: كان اسمها فلسطين وعاد اسمها فلسطين، وأقلبها إلى: شعب أنفار.. فشعب؟ أي حال الفلسطينيين قبل النكبة وبعدها. إلى الثورة والمنظمة، وبعد الحقبة الأوسلوية؟
اعتاد «الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني» أن يجري تعداداً ميدانياً للسكان كل عشر سنوات، وخلال كل عقد ينشر إحصائية تقديرية إمّا مع كل سنة ميلادية، أو في ذكرى النكبة الأيارية، إلى إحصائية ثالثة أو رابعة نشرها الشهر الجاري، مواكبة مع «اليوم العالمي للسكان».
عديد سكان فلسطين السلطوية هذا العام هو نحو (5) ملايين نسمة، فإن أضيف إليهم عديد الفلسطينيين في إسرائيل، تحقق توازن ديمغرافي فلسطيني ـ إسرائيلي في البلاد؛ وإن أضيف إليهم عديد الفلسطينيين في العالم، حوالى 13 مليونا، تحقق توازن ديمغرافي فلسطيني ـ يهودي عالمي.
في العام 1934 حصل شمعون بيريس، من «دائرة المهاجرة» في حكومة فلسطين الانتدابية على هوية، ولا أعرف في أية سنة حصل بن ـ غوريون وغولدا مائير، على هوية جعلتها تقول: «أنا فلسطينية»، وعن الشعب الفلسطيني بعد النكبة: لم تعد هناك فلسطين، ولا الشعب الفلسطيني.
بعد النكبة بسنوات، تجوّل بن ـ غوريون في الجليل، ومن صدمته تساءل: هل أنا في إسرائيل، أو دخلت بلداً عربياً، وكانت سياسته طيلة حكمه الطويلة: مستقبل إسرائيل في تهويد الجليل والنقب. حق العودة اليهودي صار فورياً، وحق العودة الفلسطيني بقي قراراً للجمعية العامة، إلى أن وصلنا، بعد سبعين عاما من النكبة، وتحويل شعب إلى «نفرات» إلى توازن ديمغرافي في أرض فلسطين؛ وتوازن آخر يهودي ـ فلسطيني في العالم.
لا الفلسطينية في الشتات العربي، ولا الفلسطينية العالمية في الشتات العالمي تتحدث عن ذوبان الهوية الفلسطينية، بفعل الزيجات المختلطة في مرحلة ما بعد النكبة والشتات. لكن في اليوم العالمي للسكان، عقدت الحكومة الإسرائيلية جلسة لمناقشة تقرير: «معهد سياسات الشعب اليهودي في العام 2019»، تحدّث فيه وزير إسرائيلي عن «هولوكوست الانصهار» الذي أدّى إلى «محرقة» ديمغرافية خسر فيها اليهود أكثر مما خسروا في المحرقة النازية. كيف ولماذا؟ نسبة الزواج المختلط تصل في أوروبا إلى 80% وفي أميركا إلى 66% .. هذا «أمر فظيع» و»محرقة هادئة» حسب توصيف نائب وزير الأديان.
لا مشكلة لدينا إن تزوّجت الفلسطينية أو الفلسطيني عربياً أو عربية في الشتات العربي، فإن حصل تزاوج فلسطينية مسلمة بغير عربي يكفي أن ينطق الزوج بالشهادتين، وغالباً ما يصير الزوج الأجنبي مؤيداً للقضية الفلسطينية. أما التهود والتهويد في الزيجات المختلطة فأمر آخر معقّد جداً!
الطريف في الأمر، أن هناك في جلسة حكومة إسرائيل من حاول الربط بين «خطر الانصهار» اليهودي في العالم كشكل من أشكال «معاداة السامية»، وهذا بعد أن سايرت دول معينة الربط بين العداء للسياسة الإسرائيلية إزاء الاحتلال والشعب الفلسطيني بالعداء للصهيونية؛ ثم بين العداء للصهيونية و»اللا ـ سامية»، خاصة بعد نشاط منظمة (B.D.S).
بعد العام 1967 لم تعد الجيوش العربية تشكل خطراً أمنياً وجودياً على دولة إسرائيل؛ وبعد الانهيارات العربية منذ 2011 (أو بالأحرى بعد النكبة العراقية 2003) لم تعد الدول العربية تشكل خطراً استراتيجياً على إسرائيل، لكن «صفقة القرن» تقدّم أمن إسرائيل على حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، بتخلّيها عن «حل الدولتين».
عدا التوازن الديمغرافي الفلسطيني ـ الإسرائيلي في البلاد؛ والتوازن الديمغرافي الفلسطيني ـ اليهودي في العالم، لا يوجد أي نوع من أشكال التوازن الأخرى، لا الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ولا الإسرائيلي ـ العربي.
المشروع الاحتلالي ـ الاستيطاني الإسرائيلي غايته جعل الفلسطينيين جُزراً ديمغرافية ـ جغرافية في «إسرائيل الكبرى»، لكن إسرائيل تبقى جزيرة في محيط عربي ـ إسلامي.
يشير الهرم العمري لفلسطينيي السلطة الفلسطينية إلى أن 38% هم أعمارهم أقل من 14 سنة، وأن نسبة الأُمّية لديهم من أقلّ النسب العالمية (1% للذكور و 4% للإناث)، وثمة شيء آخر خارج إحصائية الجهاز المركزي، وهو أن نسبة عنوسة الإناث في فلسطين السلطوية، هي من أقلّ النسب في الدول العربية.. وربما في العالم.

شعرة معاوية!
يفكر نتنياهو في قبول مشروع أميركي مقترح لعقد معاهدة أمنية ـ عسكرية أميركية ـ إسرائيلية تمهيداً للشق السياسي في «الصفقة»، وكتتويج للعلاقة الاستراتيجية بين البلدين.
كان بن ـ غوريون يقول: إن أهم عاملين في وجود إسرائيل هما: قوة جيشها والعلاقة مع أميركا. الجيش الإسرائيلي قوي بما فيه الكفاية، ويفكر ترامب بهدية أمنية أخرى لإسرائيل، بشكل يجعل أمنها وأمن إسرائيل مشتركا.
مع ما يبدو من قطيعة تامة بين فلسطين وإدارة ترامب، يبدو أنهم في إسرائيل رأوا ما يشبه «شعرة معاوية»، لمجرد خبر عن أن وفداً أمنياً فلسطينياً زار أميركا.
رئيس السلطة أوضح لشعبه أن فلسطين من الدول الموقّعة على معاهدة «مكافحة الإرهاب» العالمي، لكن في السياسة فإن تراجع أميركا عن «الصفقة» هو شرط لإنهاء القطيعة.. واحتكار أميركا للوساطة والحل.
ماذا لو وجّه ترامب دعوة للرئيس أبو مازن لزيارة واشنطن لوضعه في صورة الشق السياسي المزمع إعلانه؟ على الأغلب سيقبل الدعوة.
في أوّل لقاء بين الرئيسين تعهّد ترامب المتقلب بمواصلة سياسة «الحل بدولتين» ثم نقضه بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
هناك، على ما يبدو، صلة ما بين مشروع المعاهدة الأمنية، والشق السياسي، وتوجيه دعوة محتملة لرئيس السلطة لزيارة واشنطن.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق