«هآرتس»"حمـــاس" تفـــقـــد السيــطــرة علــى تظــاهـــرات الجـــدار

10 سبتمبر 2019 - 08:06
صوت فتح الإخباري:

بقلم: ينيف كوفوفيتش
العمليتان الانتحاريتان، اللتان وقعتا في قطاع غزة في نهاية آب، واللتان قُتل فيهما ثلاثة من رجال الأمن الفلسطينيين، جعلتا «حماس» تدرك بأنها فقدت السيطرة التي كانت لها على «مسيرات العودة»، والأكثر دقة، على النشطاء الرئيسيين في الاحتجاج الذي بدأ في آذار 2018، هذا ما تقدره شخصيات رفيعة في جهاز الأمن. في المقابل، تعتقد مصادر في القطاع، تحدثت مع الصحيفة، أن «الإخفاقات في الفترة الأخيرة لا تدل بالضرورة على فقدان سيطرة حماس». يتوقع أن تنشر «حماس»، الأسبوع القادم، تحقيقاً عن ليلة العمليات في 27 آب.
نُفّذ عدد بارز من الأحداث الأخيرة في غزة وأيضا عمليات في عمق القطاع، الشهر الماضي، من قبل شباب كانوا من قادة التظاهرات قرب الجدار الأمني. إزاء الإحباط الذي شعروا به من «حماس» وقلّة الإنجازات التي سجلتها بعد مئات القتلى وآلاف المصابين في جولات التصعيد مع إسرائيل، قرر هؤلاء الشباب، المحسوبون على منتدى الشباب الثوريين في غزة، ترك المنظمة والانتقال للعمل كجماعات صغيرة برعاية «الجهاد الإسلامي» الفلسطيني وتنظيمات مارقة أخرى في القطاع. في جهاز الأمن يعتقدون أيضا أن هؤلاء الشباب شعروا بالإحباط أيضا من الطريقة التي تتعامل فيها «حماس» تجاه إسرائيل، التنازل عن المواجهة، التي حسب رأيهم لا تفيد وضع سكان غزة الاقتصادي. وتوصلوا إلى استنتاج بأن «حماس» لم تعد قادرة على تمثيلهم.
يوم العمليات في غزة، بعد دقائق معدودة من سماع صوت الانفجارات في مدينة غزة، ترك رجال جهاز الأمن الفلسطيني مواقعهم على طول الحدود، كعمل روتيني قبيل رد محتمل من الطرف الإسرائيلي. وسرعان ما عاد رجال جهاز الأمن إلى مواقعهم بدون خوف. في إسرائيل لاحظوا أنه في خطوة استثنائية لم تفرض «حماس» حصارا على قطاع الشاطئ أو المعابر الحدودية مثلما فعلت في السابق بعد تصفيات أو عمليات للجيش في القطاع تم كشفها مثل العملية في خان يونس في تشرين الثاني، من اجل العثور على المنفذين أو مساعدين محتملين لهم. التقدير هو أن قرار «حماس» الغريب هذا تم من خلال ادراك واضح بأن العمليات الانتحارية في غزة خططت «من داخل البيت». بعد العمليات قرروا في «حماس» القيام بعمليات فحص داخلية من أجل فهم الوضع الجديد الذي يواجهونه وكيف يجب عليهم العمل.
يدركون في «حماس» منذ زمن الغليان المتزايد في أوساط الشباب الذين كانوا جزءا أساسيا في مسيرات العودة وفي الأحداث العنيفة التي رافقتها في السنة والنصف الأخيرة. في «حماس» حاولوا السيطرة على التظاهرات على طول الجدار أمام محاولات أعضاء منتدى الشباب الثوريين لفرض سياسة متشددة إزاء إسرائيل. أعضاء هذه المجموعة كانوا من المبادرين إلى التظاهرات ضد إسرائيل حتى قبل قيام «حماس» برعايتها.
الشباب المارقون في القطاع جاؤوا ليس فقط من صفوف المنتدى، بل من أوساط الوحدة الليلية لـ»حماس»، «الضباب»، التي يستغل أعضاؤها الظروف المناخية والظلام من اجل خلق استفزاز لقوات الجيش الإسرائيلي على الحدود؛ ونشطاء من وحدات الطائرات الورقية والبالونات الحارقة.
من اجل تقليص الأضرار بدؤوا في «حماس» بالقيام بفحص امني لمن يأتون الى التظاهرات قرب الحدود. رجال «حماس» صادروا عبوات وقنابل ووسائل قتالية اخرى من نشطاء أساسيين من اجل إحباط محاولاتهم لتنفيذ عمليات كبيرة على الجدار الأمني، استهدفت جر إسرائيل للرد، كوسيلة ضغط على «حماس».

الدم الفلسطيني رخيص
في 26 تموز الماضي قتل في إحدى مظاهرات الجدار محمد عبد الله القرع. في جهاز الامن لاحظوا أنه للمرة الأولى امتنعت «حماس» عن الإبلاغ عن موت القرع في الوقت الحقيقي، وأعلنت عن موته بعد يوم. في منتدى الشباب الثوريين لم يرق لهم القرار، وفي الشبكات الاجتماعية سجل في اليوم ذاته احتجاج وغليان ضد «حماس». في الفيلم القصير لجنازة القرع، الذي نشره نشطاء تركوا «حماس»، سمعوا وهم يهتفون بغضب لمن هدد بالرد إذا كان هناك قتلى، «هذا هو الوقت للرد على موت الشهيد» كانتقاد لقرار «حماس» ضبط النفس. في منشورات اخرى كتبت دعوات مثل «أين وعد الدم مقابل الدم» و»الدم الفلسطيني أصبح رخيصا». في «حماس» رأوا في اليوم نفسه علامة فارقة مهمة، بسبب الدعوة المكشوفة ضد «حماس» من داخلها، واتهموا السلطة الفلسطينية بتأجيج الاحتجاج في القطاع. وفي اليوم ذاته تقرر في «حماس» كبح انتشار الاحتجاج. رجال جهاز الأمن في «حماس» سيطروا على مستشفى الشفاء، الذي اعتبروه بؤرة نشاط للشباب في الشبكات الاجتماعية وصادروا هواتف محمولة وحواسيب في محاولة للعثور على من يقف من وراء الاحتجاج.
في بيان لمدير المستشفى جاء في حينه أن «وسائل الحماية في المنشأة الطبية الشفاء ستوفر بيئة عمل آمنة للطواقم الطبية، من اجل تمكينهم من القيام بمهماتهم بصورة مرضية للمواطنين. الأجهزة الأمنية والدفاع التابعة لوزارة الداخلية تسلمت هذا الصباح تأمين المستشفى بدل الشرطة».

«حماس» متفاجئة
تعتقد أوساط أمنية إسرائيلية أن شخصيات كبيرة في «حماس» فوجئت من العمليات الانتحارية في آب. حقيقة أن اشخاصا من القطاع، جزء منهم كانوا في السابق محسوبين على «حماس»، تلقوا مساعدة من «الجهاد الإسلامي» في عملية ضمت انتحاريين فلسطينيين، أحرجت «حماس». حسب هذه المصادر، وضعت العملية قادة «حماس» في اختبار القيادة الأكبر منذ سيطرت «حماس» على القطاع في 2007. في جهاز الامن يعتقدون أنهم في «حماس» أدركوا بعد العملية أن توجه انضمام الشباب لتنظيمات مارقة في القطاع من أجل تصليب المنظمة أمام إسرائيل، هو تهديد جدي لاستمرار سيطرتها. تهديد من داخل البيت. ولكن خلافا للسابق، في «حماس» لم يقوموا باعتقالات واسعة لقيادات «الجهاد الإسلامي»، وركزوا على نشطاء صغار في المنظمة. الكثير من المعتقلين نشطاء كانوا حتى ذلك الوقت يأتون للمواجهات على الحدود لمواجهة الجيش.
التقدير في جهاز الأمن هو أن «الجهاد الإسلامي» وفّر لهؤلاء الشباب، الذين تركوا «حماس»، الوسائل المطلوبة لتنفيذ هدفهم، الضغط على «حماس» التي تحكم في القطاع من أجل إظهار خط متشدد اكثر ضد إسرائيل. ولكن في «الجهاد الإسلامي» أيضا، لا سيما في قيادته، لم يدركوا أن نية هؤلاء الذين انسحبوا من «حماس» كانت تنفيذ عمليات انتحارية ضد رجال «حماس». لو أن رؤساء «الجهاد» يعرفون ذلك لكانوا عملوا على منع العملية. في «حماس» يعرفون هذا الادعاء لـ»الجهاد»، ورغم التوتر بين المنظمتين، على الأقل في هذه المرحلة يفضل الطرفان قبوله.
يتوقع أن تنشر «حماس»، الأسبوع القادم، تحقيقاً عن العمليات الانتحارية. التقدير في إسرائيل هو أنه رغم انه من الواضح لرؤساء «حماس» أن «الجهاد» كان متورطاً في العمليات، فإنهم سيختارون توجيه إصبع الاتهام لتنظيمات مارقة شُغّلت من قبل السلطة الفلسطينية، والى إسرائيل. ولن يخرجوا بتصريح معاد لـ»الجهاد» من اجل إحداث تهدئة بين الطرفين وإحباط الاحتجاج الداخلي الذي لم يهدأ بعد، ويهدد «حماس».
هذه الأمور تم التعبير عنها أيضا في رد «حماس» على العمليات. المتحدث بلسان «حماس»، فوزي برهوم، قال في حينه إن «ما حدث لا يخدم أحدا سوى الاحتلال. التفجيرات استهدفت المس باستقرار الوضع في القطاع وبأمن السكان وقاعدة الدعم للمقاومة الفلسطينية. ولن تسمح وزارة الدفاع في غزة لأحد بالمس بأمن المواطنين الفلسطينيين».

مجرد عملية تجميل
نشطاء مدنيون وأوساط في «حماس» قالوا للصحيفة إنهم في «حماس» وعدوا بإجراء تغيير شامل في الوضع الإنساني وتخفيف الحصار، لكن حتى الآن يبدو أن كل ما أُنجز هو نوع من «عملية تجميلية وعلاج تهدئة لمرض مزمن». نشيط في المستوى السياسي في «حماس» اعترف بأن الانتقاد ازداد في الأشهر الأخيرة وأنه يوجد هناك من يتجرؤون على توجيه الانتقاد بشكل علني.
وأضاف هذا الشخص، إن الأمر لا يقتضي إجراء تغيير في استراتيجية «حماس» في الفترة القريبة القادمة. وحسب أقواله، ستواصل «حماس» «مسيرات العودة» رغم الانتقاد، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة في هذه الأثناء لإبقاء غزة على جدول الأعمال والسيطرة على اللهب بدون فقدان السيطرة ومنع التدهور نحو مواجهة مع إسرائيل مثلما حدث في عملية «الجرف الصامد».
ومثلما جاء في «هآرتس»، الشهر الماضي، على خلفية محاولات الاقتحام لإسرائيل من قبل نشطاء، فإنهم في المستوى السياسي في «حماس» وفي «الجهاد» يدعون أنه في أوساط الشباب في الذراع العسكرية لـ»حماس» هناك عدم رضا من الوضع في القطاع، ومن التهدئة الواهنة التي منذ أشهر يحاولون في هذه التنظيمات تثبيتها مقابل وعود بتخفيف الحصار، هي فعليا لا تساهم في تغيير الوضع.
جهات في «حماس» اضافت إن معظم الشباب الذين يتجندون للذراع العسكرية «يرضعون» ايديولوجيا المنظمة التي تتحدث عن عدم الاعتراف بالعدو (اسرائيل) والنضال حتى تحرير كل ارض فلسطيني. وفي المقابل، في «حماس» يحاولون التوصل الى تهدئة مع «العدو». في الوضع الحالي «حماس» ستكون ملزمة بإعطاء تفسيرات لأعضائها وللجمهور الفلسطيني، لا سيما الجيل الشاب في القطاع، حول توجهاتها المستقبلية.
من يعارضون «حماس» في القطاع، الذين يرتبطون بـ»فتح» أو السلطة الفلسطينية، والذين يرتبطون بالمجموعات المحسوبة على التيار السلفي، لا يسارعون الى رثاء «حماس» كسيدة، والحديث عن فقدان السيطرة. مصدر كبير سابق في أجهزة الأمن التابعة للسلطة في غزة شرح في محادثة مع الصحيفة بأن أحداً لا يشكك بسيطرة «حماس» على القطاع. وحسب قوله يوجد لـ»حماس» أجهزة أمن قوية وقوة شرطية وحكومة لا يستطيع أحد من الفصائل تحديها بما في ذلك «الجهاد». وكل هؤلاء الذين يتحدثون عن فقدان السيطرة أو حكم واهن، ربما يأملون في وضع كهذا اكثر مما يستندون الى وقائع. «صحيح أنه يوجد هنا وهناك احداث تدل على عيوب أو عدم سيطرة»، أضاف، «لكن هذه تبقى مشاكل محددة ما زالت لا تدل على توجه يمكن أن يهدد سيطرة «حماس» على الأقل في المستقبل القريب».

بين المطرقة والسندان
في الأسابيع الأخيرة بدأت في غزة حملة في الشبكات الاجتماعية تقلق «حماس» اكثر من رد إسرائيل على اختراق الطائرات المسيرة المتفجرة، السبت الماضي، التي القت عبوة ناسفة على سيارة عسكرية قرب الجدار في جنوب القطاع. من المنشورات في الشبكات الاجتماعية يظهر أنه في نية الشباب في غزة أن يبدؤوا في 13 أيلول، يوم التوقيع على اتفاق أوسلو، احتجاجاً ضد «حماس» مطالبين بتشديد النغمة ضد إسرائيل. حسب ادعاء مصدر أمني تطرق للموضوع، مؤخراً، فإن الشباب في غزة موجودون في وضع اقتصادي صعب، والتقدير هو أن هؤلاء النشطاء المحبطين يعتقدون أنه فقط بعد تصعيد جدي مع إسرائيل سيمكن التوصل إلى تفاهمات تؤدي إلى تغيير كبير بالنسبة لمواطني غزة.
الاحتجاج المخطط له دفع رؤساء «حماس» لإعطاء أوامر بشأن سلسلة خطوات أدت إلى توتر شديد بين «حماس» والجمهور الذي يخدمها بإخلاص في المواجهات مع الجيش الإسرائيلي في الـ 18 شهرا الماضية. من هذه الخطوات اتخذ قرار إصدار أوامر لإبعاد عدد من النشطاء البارزين، الذين كانوا معروفين لجهاز الأمن في إسرائيل كمحرضين والذين يشاركون في مظاهرات الجدار. هؤلاء تم إبعادهم شهرا عن منطقة الجدار، وحظر عليهم القدوم إلى التظاهرات أو إلى نشاطات مرتبطة بها.
أحد النشطاء الذين أُبعدوا، أبو جمال، كان معروفا جيدا لكل المشاركين في التظاهرات، بالأساس في جنوب القطاع ووسطه. في منتدى الشباب الثوريين انتقدوا بشدة أوامر الإبعاد بذريعة أن «حماس» اختارت إبعاد الكثير من نشطاء «مسيرات العودة» الذين تعرضوا للإصابة والى فقدان أصدقائهم. في المنتدى نشروا صور أبو جمال وهو يحمل سكينا كبيرة قرب الجدار في إحدى المظاهرات في محاولة لعرض «حماس» كناكرة للجميل.
في عيد الأضحى الماضي، في منتصف آب، لاحظوا في جهاز الأمن أن رؤساء «حماس» التقوا ممثلين للجمهور في القطاع من أجل المحاورة وجها لوجه بهدف التوصل إلى تهدئة في الشوارع. كبار شخصيات «حماس» وصلوا في العيد الى رؤساء عائلات قوية في القطاع من أجل إظهار سيطرتهم، ومن اجل نقل رسالة واضحة تقول إنه يجدر بكل الأطراف الحفاظ على الهدوء والامتناع عن القيام بارتباطات ذات إشكالية.
توجد «حماس» الآن بين المطرقة والسندان، سواء من ناحية العلاقات الداخلية أو العلاقات الخارجية، حيث في كل جانب منها يمارس عليها ضغوط. في جهاز الأمن يواصلون التقدير بأن «حماس» غير معنية بالتصعيد. استنادا إلى ذلك، التقدير في يوم الجمعة الماضي كان أن التظاهرات الأسبوعية ستكون هادئة بصورة نسبية. ولكن الصراع بين «حماس» والمتظاهرين والمنظمات المارقة أدى إلى أن يقوم المعنيون بتصعيد العنف على الجدار، من اجل تحدي «حماس» وإسرائيل اللتين وجدتا نفسيهما الآن في مشكلة مشتركة.
في «حماس» يوجد شك بأن يتضعضع الحكم، في حين أنهم في إسرائيل يخافون من وضع الصوملة (نسبة للصومال) الذي فيه يبدأ كل تنظيم بالقيام بما يراه مناسبا ويهاجم إسرائيل، من اجل معاقبة «حماس» والتسبب بتصعيد، حسب رأيهم، سيفيد الجمهور في غزة على المدى البعيد حتى لو اصبح الوضع صعبا بشكل خاص. في «حماس» يدركون أن الحوار في الشبكات الاجتماعية يتميز بخيبة الأمل من الإنجازات القليلة للتظاهرات، وبانتقادات متزايدة ضد «حماس»، ودعوات لتغيير كبير في وضع سكان غزة الاقتصادي والإنساني.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق