«هآرتس»نتنياهو يضحي بالأمن من أجل مكاسب انتخابية

14 سبتمبر 2019 - 09:25
صوت فتح الإخباري:

بقلم: عاموس هرئيل
كانت لحظة البداية مساء الثلاثاء الماضي. خرج نتنياهو في خطاب غير ناجح في كفار همكابيا، وتبدد، ببث مباشر، وعد الناطقين باسم «الليكود» بـ «تصريح دراماتيكي»، وبدلاً منه جاءت دورة جديدة من التعهدات المستقبلية بضم مناطق في الغور وفي أجزاء اخرى في الضفة. خلافا لجزء من التحليلات التي سمعت فإن تصريحه لم يتلاءم حتى النهاية مع الإدارة الأميركية، وأيضا لم يتم الرد عليه بشكل علني وإيجابي من واشنطن.
التتمة كانت أسوأ. بداية بُشّر رئيس الحكومة بأن حليفه الاقرب في العاصمة الأميركية، مستشار الأمن القومي، جون بولتون، أقيل من وظيفته من قبل الرئيس دونالد ترامب، وكما أوردت شبكة «بلومبرغ»، فإن القشة التي قصمت ظهر البعير في التوتر الذي تصاعد بين الرئيس ومستشاره للأمن القومي تعلقت بمعارضة الأخير الشديدة لخفض العقوبات على طهران في اطار المحاولة الأميركية لترتيب لقاء بين ترامب ونظيره الايراني، حسن روحاني. بالانتقال الى مرحلة السعي الى مفاوضات قبل الصفقة، تحول جون بولتون (الذي يطلب الحد الاعلى من الضغط) الى عبء زائد.
بعد ذلك سافر رئيس الحكومة الى الجنوب لحضور مؤتمر انتخابي في اسدود. الضغط الداخلي الذي تقع تحته حملة «الليكود» الانتخابية والطمس الشديد للخط الذي يفصل بين الاعتبارات الأمنية والسياسية أدى في هذه المرة الى خلل حماية شديد جداً. أعلنت صفحات الفيس بوك للحزب عن المكان والموعد الدقيق للاجتماع الذي سيخطب فيه رئيس الحكومة، خلافا للتعليمات الثابتة التي تمنع النشر المسبق لزيارات الشخصيات الرفيعة في منطقة الجنوب والشمال، في المناطق المكشوفة اكثر لاطلاق النار.
ايضا في «الجهاد الإسلامي» معنيون كما يبدو بما ينشره «الليكود». النتيجة كانت اطلاق صاروخ من القطاع على اسدود اثناء الخطاب، الامر الذي الزم نتنياهو بالنزول عن المنصة بمرافقة حراسه الشخصيين في طريقه الى مكان آمن. خلفه بقي مئات من مؤيديه المتحمسين بدون حماية مشابهة. من حسن الحظ أنه توجد «قبة حديدية» قامت باعتراض الصاروخ مع صاروخ آخر أطلق على عسقلان.
تحولت الصور بطبيعة الحال الى حديث اليوم السياسي، واستغلت احزاب المعارضة مشهد الاخلاء عن المنصة. «ازرق- ابيض» كالعادة نجح في أن يتعثر حتى امام بوابة فارغة: غابي اشكنازي التقطت له صورة وهو يرفض إخلاء مكانه أثناء اطلاق صافرات الإنذار من اجتماع انتخابي في عسقلان، وبني غانتس شرح ذلك في الغد في مقابلة مع موقع «واي نت» بأنه لم يكن ليترك الجمهور مثل نتنياهو (وبهذا انحرف رئيسا الاركان السابقان عن تعليمات قيادة الجبهة الداخلية التي صيغت في فترة ولايتهما).
ولكن النقاش في هذا الامر مع ازرق ابيض هو نقاش هامشي، ومثله الصدمة المصطنعة التي اظهرها نتنياهو ازاء سعادة خصومه من اهانة رئيس الحكومة. ما سيتم تذكره هو النقطة الرمزية التي التقت فيها نتائج السياسة مع الشخص الذي قام بصياغتها. قلل نتنياهو في السنة الأخيرة بشكل متعمد زياراته الى منطقة الجنوب، لا سيما بلدات غلاف غزة. ولكن في هذه المرة ضبطه «الجهاد الاسلامي» وهو غير مستعد.

سياسة التجميد
مرت خمس سنوات بالضبط على عملية «الجرف الصامد»، وخلالها امتنع رئيس الحكومة عن اتخاذ أي مبادرة في قطاع غزة. لقد كان لإسرائيل ما يكفي من الفرص لاختبار وقف طويل المدى لاطلاق النار مع «حماس»، يشمل خطوات اقتصادية بارزة وتسهيلات في الحصار وحل مشكلة الاسرى والمفقودين الاسرائيليين في القطاع. هذا لم يتحقق، وبدرجة غير قليلة بسبب الجمود الذي تملك الحكومة.
في نهاية آذار 2018، بعد ثلاث سنوات ونصف من الهدوء، ربما يكون هذا هو الإنجاز الأساسي للعملية المخيبة للآمال الأخيرة، فقد حدثت انعطافة في الوضع الأمني على حدود القطاع. رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، زاد الضغط الاقتصادي على غزة، و»حماس» استغلت المسيرات على الجدار، ومنذ ذلك الحين لم تسجل لحظة هدوء على الحدود. المواجهات التي قتل فيها أكثر من 300 فلسطيني، معظمهم غير مسلحين، تدهورت ايضا نحو بلدات الغلاف. بداية بحرق الحقول، الذي رد عليه نتنياهو بضبط نفس، بتوصية من الجيش. بعد ذلك تدهورت الامور الى مواجهات عنيفة اطلقت فيها مئات الصواريخ يوميا. واسابيع كثيرة كانت فيها صواريخ متقطعة.
جهود الامم المتحدة والمخابرات المصرية الى جانب ارساليات الاموال الشهرية من قطر تنجح في كل مرة في صب الماء على النار. ولكن الهدوء النسبي دائما يتم خرقه خلال أيام، أو على الأكثر خلال أسابيع. «حماس» غير راضية عن وتيرة تطبيق الوعود الاقتصادية التي حصلت عليها مقابل التهدئة. جيل الشباب في القطاع خائب الامل من الوضع الاقتصادي الخطير، ومن الشعور بالاختناق، ومن الاهمال الكبير لمعالجة مصابي المظاهرات. و»الجهاد الاسلامي»، بتشجيع من ايران، يهتم بأن يشعل في كل مرة النار من جديد، في الوقت الذي تسنح له الفرصة.
هل الصاروخ الموجه لأسدود كان حادثة هلينا راف الخاصة بنتنياهو؟ هذا غير معقول. قتل الشابة من بات يم بالطعن من قبل «ارهابي» فلسطيني عشية انتخابات 1992، اعتبر لحظة تأسيسية في الانتخابات لأنه جسد المس بالشعور بالأمن الشخصي للمواطنين وفشل إسرائيل في معالجة قطاع غزة (هناك امور لا تتغير أبدا). بعد شهر فاز اسحق رابين على رئيس الحكومة، اسحق شامير، في الانتخابات.
لا يكرر التاريخ نفسه بشكل دقيق. خصوم نتنياهو بعيدون سنوات ضوئية عن رابين، على الأقل في هذه الأثناء. الشعور بالتهديد الأمني يقتصر على سكان الجنوب الذين كثير منهم – مثل مؤيدي نتنياهو في اللقاء في اسدود – سيعودون وسيصوتون لـ «الليكود» هذه المرة ايضا. حتى الآن الحملة الانتخابية تبقي الجمهور في إسرائيل لامباليا. مناورات تأتي ومناورات تذهب وهي تثير فقط المراسلين والنشطاء السياسيين. الاستطلاعات، اذا كان يمكن التطرق اليها، تشير الى ركود مع الحد الأدنى للتحرك بين الكتل.
الاستعداد للاحتجاج
ما هو سبب قلق نتنياهو؟ لأن جميع الاستطلاعات، بما فيها استطلاعات «الليكود»، تشير في هذه الاثناء الى أنه يجد صعوبة في اجتياز نسبة الـ 61 عضو كنيست في كتلة اليمين، بدون حزب افيغدور ليبرمان. حيلة قانون الكاميرات، التي دفنت في الكنيست، كما هو متوقع، استهدفت حث مصوتي اليمين على الذهاب الى صناديق الاقتراع في الأسبوع القادم تحت التهديد الكاذب الذي يأتي كما يبدو من الناخبين العرب. هذا ايضا هو الخلفية للاقوال الفظيعة التي نشرتها، هذا الاسبوع، حملة الليكود «العرب يريدون إبادتنا جميعا»، التي حاول نتنياهو التنكر لها بصورة غير مقنعة، والتي كلفت الحزب عقوبة استثنائية من الفيس بوك – تجميد نظام ارسال البلاغات الاوتوماتيكية لمدة 24 ساعة.
تضخيم الخوف من التزوير يمكن أن يكون تحضيراً لخطوة اضافية، الاحتجاج على شرعية نتائج الانتخابات بعد نشرها، إذا لم يتم تحقيق النتيجة المطلوبة لبقاء رئيس الحكومة. من هنا ينبع ايضا القلق الأمني النظري في الوقت الحالي. اذا كان «الليكود» يستطيع أن يلعب بلهب الكراهية القومية المتطرفة فهل من شأن الشعور بالحصار والمعركة الأخيرة أن تتدهور أيضا الى الساحة الأمنية التي حتى الآن بقيت طاهرة نسبيا من اعتبارات كهذه؟
هذا سيناريو كان حتى وقت قريب مرفوضا بسبب عدم المعقولية من قبل أي مراقب منطقي، باستثناء عدد من كتاب المقالات في «هآرتس». ولكن هل يمكن أن يتم اغراء شخص ما على التفكير بأن تأجيل الانتخابات في اللحظة الأخيرة على خلفية توتر أمني استثنائي يمكنه أن يخدمه سياسيا؟ الافتراض المقبول يقول إن الحرب هي أمر سيئ لحكومة في السلطة (مثلما تعلم «الليكود» من حرب لبنان الاولى في 1982 و»كديما» في اعقاب حرب لبنان الثانية في 2006). هل هذا الافتراض سيكون صالحا ايضا في الاسبوع القادم؟ وماذا عن الاسابيع القادمة: هل مواجهة في غزة بعد الانتخابات لن تخدم نتنياهو في جهوده لتشكيل حكومة في أعقابها؟
لذلك، أقوال رئيس الحكومة عن غزة تؤدي الى إثارة أسئلة محددة. وغزة ليست الجبهة الوحيدة. عندما نضم ايضا الاعلانات الاسرائيلية الرسمية مع تقارير وسائل الاعلام الاجنبية، يتبين أن إسرائيل قد زادت بصورة كبيرة وتيرة الهجمات ضد اهداف مرتبطة بايران ومبعوثيها في الشمال، في الساحة التي تمتد الآن بين العراق ولبنان. الهجمات متواترة بصورة اكبر، وهي تنفذ بشكل جزئي ومتساوق زمنيا (ثلاث هجمات نسبت لسلاح الجو في يوم واحد في نهاية آب)، والكثير منها تمّ بصورة اعلامية شبه علنية. واحيانا كان هناك تحمل للمسؤولية عنها.
كل ذلك يحدث على خلفية انهيار منطق العمل الاسرائيلي بالنسبة للمشروع النووي الايراني. لا يدور الحديث  فقط عن بولتون الذي تمت اقالته. الكشوفات الجديدة التي نشرها نتنياهو عن المخطط النووي الايراني استقبلت بلامبالاة عالمية جارفة. إن سعي ترامب الى الالتقاء مع روحاني أصبح واضحا. النتيجة مرتبطة بالاساس باستجابة إيران لاقتراحاته. وسائل الاعلام غير مطلعة بالطبع على المعلومات الاستخبارية الكاملة، لكن يطرح سؤال هل تزايد الهجمات في الشمال (والشرق) يتعلق أيضا بجهود إحباط مطلوبة للنوايا الخبيثة للجنرال قاسم سليماني، قائد قوة القدس في الحرس الثوري الايراني؟ احتمالية اخرى هي أنه يوجد هنا خيار اسرائيلي محسوب لزيادة الضغط وثمة شهية متزايدة لأخذ مخاطر. حسب التقارير فان الاهداف التي هوجمت في العراق على الحدود مع سورية كانت مخازن سلاح لمليشيات شيعية وقوافل لرجالها. هذه لم تكن منصات اطلاق منصوبة تم قصفها قبل لحظة من اطلاق الصواريخ.
التفسيرات يمكن أن تكون كثيرة. السبب يمكن أن يكون الاستجابة لضغط عملياتي من أسفل من اجل العمل على التوصل الى نتائج، أو استغلال فرصة عدم مبالاة أميركا بالهجوم المنسوب لإسرائيل (على الاقل في العراق يمكن أن تغلق نافذة الفرص بسبب الخوف في البنتاغون من عداء محلي تجاه وجود الجنود الأميركيين في العراق). ايضا هنا، وحسب هذه التقارير، فان إسرائيل تسير على الحافة.
لقد تم اغداق الثناء على قيادة المنطقة الشمالية بسبب الادارة العقلانية للمعركة مع «حزب الله» في الاسابيع الاخيرة. مع ذلك، الحقيقة واضحة وهي أنه لو لم يخطئ موجهو الصواريخ من «حزب الله» في الاطلاق قرب كيبوتس يرئون في 1 ايلول، فان إسرائيل كانت ستنهي الحادثة بخمسة جنود قتلى في السيارة العسكرية المحترقة، التي سارت على الشارع خلافا لمعلومات واضحة. وكانت ستقف على شفا حرب. الافتراض الاساسي بأن إسرائيل وايران لا ترغبان في حرب، يمكنهما بصورة متناقضة من أخذ مخاطرات اكثر من خلال التقدير أنه في اسوأ الحالات العدو سيظهر المسؤولية. ولكن هكذا يمكنهما التدهور نحو حرب خلافا للمصالح الاستراتيجية الواضحة والمعلنة.
لذلك، تهاجم إسرائيل بقوة في الشمال وفي الشرق، ويهدد رئيس الحكومة بحرب في الجنوب. هل تعمل هنا فقط قيود عملياتية واضحة، شعور بالسعادة ناتج عن الثقة المفرطة بالمعلومات الدقيقة والقدرة العملياتية الدقيقة، أم ربما أحد في الخلف يوجد لديه اعتبارات سياسية؟ هذا لا يناسب نتنياهو الذي عرفناه والذي في الغالب قادر على الفصل المطلوب، لكننا نوجد في ذروة ايام دراماتيكية. من اللحظة التي بدأ فيها «الليكود» في اللعبة الخطيرة لضعضعة ثقة الجمهور بطهارة الانتخابات في الساحة السياسية، ايضا يقف «التابو» القديم المقدس تقريبا في الاختبار في الساحة الخارجية.
علامات السؤال تزداد حدة عندما نحاول فحص من يحمي الحراس. الكابنت الحالي، الذي يترأسه نتنياهو كرئيس حكومة انتقالية، هو كما يبدو الاضعف الذي كان لديه في العقد السابق. ايضا لجنة الخارجية والأمن مشلولة فعليا. الفترة الحالية غير مسبوقة بمعان كثيرة. تلقى فيها مسؤولية مضاعفة على المهنيين، ورؤساء الاجهزة الأمنية.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق