«هآرتس»قرية الولجة المهجرة.. وموسم قطف الزيتون الأخير

27 أكتوبر 2019 - 07:02
صوت فتح الإخباري:

بقلم: جدعون ليفي

هذه هي المخالفة التي كتبها، الأربعاء الماضي، المشرف ديان سوميخ من قبل «سلطة الطبيعة والحدائق – قسم التحقيقات»، للمزارع نضال عبد ربه من سكان القرية المقدسية الولجة، الذي خرج لقطف أشجار الزيتون التي توجد في أرضه: بلاغ لدفع غرامة حسب المادة 228 في قانون الإجراءات الجنائية. «إلى نضال عبد ربه، وصف الأعمال التي تشكل المخالفة: قطف أشجار وتخريب شجرة زيتون». رد المشبوه كان: «الآن جئت لقطف الزيتون. أنا أقوم بالقطف والوضع في الدلو». الغرامة التي قررها القانون هي 730 شيكلاً. والوثيقة المرفقة: «تأكيد استلام بشأن احتجاز مضبوطات. سلطة الطبيعة والحدائق. أنا أصادق بذلك على أنني قمت بضبط - من يد نضال عبد ربه - المضبوطات التالية.. دلو أسود وكيس، اسم المراقب الذي قام بالضبط هو ديان سوميخ».
يبدو أن هذا مسرحية هزلية مضحكة عن الاحتلال. مراقب يقوم بتغريم شخص يقطف ثمار عمله في أرضه الخاصة، وبعد ذلك يكتب تقريراً عن ضبط دلو أسود لأن النظام يجب أن يتم الحفاظ عليه. ولكن هذا التقرير لم يضحك أي أحد، لا المراقب سوميخ الذي كتبه بكل الجدية كما يبدو، ولا المزارع عبد ربه الذي يجب عليه الآن دفع الغرامة.
قصة قرية الولجة، التي على أراضيها دارت هذه المسرحية الهزلية، يوجد فيها كل شيء عدا الضحك. هروب وإخلاء القرية في العام 1948، اللجوء وإقامة قرية جديدة قربها. تقسيم القرية بين القدس التي تم ضمها وبين المناطق المحتلة في العام 1967. ورفض منح معظم سكان القرية بطاقات هوية زرقاء رغم أن بيوتهم توجد في حدود بلدية القدس. يوجد في القرية هدم بيوت بنيت من دون ترخيص في قرية ليس لها مخطط هيكلي، مصادرة جزء كبير من أراضيها من أجل إقامة حي «غيلو» ومستوطنة «هار غيلا»، وإنشاء جدار فصل حول القرية إلى جيب محاصر من كل الجهات. وإذا لم يكن ذلك كافياً، يوجد قرار لتحويل الأراضي الأخرى المتبقية في أيدي سكان القرية إلى حديقة وطنية لسكان «غيلو» والمحيط. وأيضاً التقرير الهزلي والفضائحي للمراقب سوميخ.
في هذا الأسبوع، مرة أخرى تسلل عدد من سكان القرية إلى أراضيهم في محاولة لقطف الزيتون. وهو الأمر الذي يبدو الآن أنه موسم القطف الأخير لهم للزيتون. كان هناك عيد، لذلك هم أملوا أن يقوم جنود حرس الحدود ومراقبو سلطة الحدائق بالسماح لهم بقطف الزيتون ليوم واحد. في السنة القادمة لن يتمكنوا من الوصول إلى أشجار الزيتون. وأيضاً حتى من خلال تسلل الأفراد مثلما فعلوا هذا الأسبوع، بسبب نقل الحاجز الذي كان ملاصقاً لأراضيهم.
هذا كان في يوم الإثنين الماضي، عيد نزول التوراة، ثلاثة أشخاص بالغين وفتى وحصان جاؤوا إلى أشجارهم التي تقع على سفح الجبل الذي يقع تحت قريتهم الولجة. كان يجب عليهم اجتياز مسافة طويلة ومتعرجة. وهم قالوا: إن الحصان سار 25 كم من أجل الوصول إلى أشجار الزيتون التي توجد قربهم تحت القرية. جدار الأسلاك الشائكة كثيف، جدار الفصل، يفصلان بينهم وبين أراضيهم.
عندما ستقام هنا الحديقة الوطنية وعندما سينقلون موقع الحاجز إلى الجنوب من أجل السماح فقط لليهود بالوصول إلى نبع «حنية» المجاورة من دون عائق، مثلما نشرت الصحيفة، ستحل النهاية على حقول الزيتون في الولجة التي غرست على المسطحات الحجرية. الـ 1200 دونم التي بقيت من القرية التي فقدت معظم الأراضي خلال السنين ستفصل هي أيضاً عن أصحابها، ومشكوك فيه أن ينجحوا مرة أخرى في الوصول إليها. قرية فلسطينية قديمة، التي في 1596 سجلت فيها 100 عائلة في منطقة رائعة، ستواصل الاحتضار البطيء إلى أن تموت.

أشواك وتدفق لمياه المجاري
انحدارات حادة وواد سحيق وأخضر يقع بين القدس وبيت لحم، وفي أراضيهم أشجار بلوط وصنوبر وحقول زيتون مهملة في معظمها. الولجة الجديدة تطل من الجنوب، حي «غيلو» من الشمال ودير الكريميزان في الشرق، وفي الغرب تقع القرية الأصلية بين «موشاف عمينداف» و»موشاف أورا»، التي أقيمت بعد هرب السكان خوفاً من المذبحة التي حدثت في دير ياسين المجاورة وخوفاً من القصف.
أفيف تترسكي، ناشط سياسي قديم من أجل الولجة، وباحث في جمعية «عير عميم» قال: إن الحديقة الوطنية التي أعلن عنها ستضمن التواصل الجغرافي بين غوش عصيون والقدس. «لأننا في منطقة القدس ومن أجل أن يقام هنا حي استيطاني، يمكن أن يثير ضجة، فإنهم يقومون بإنشاء حديقة وطنية ستخدم نفس الهدف»، شرح تترسكي. «الحديقة الوطنية هودت المنطقة نهائياً. غيلو توجد على بعد خمس دقائق من هنا. إذا سكنت في غيلو سيكون لديك حديقة قرب البيت وستشعر بأنها لك».
تترسكي يستعرض سلسلة الضربات التي تعرضت لها القرية خلال السنين، في حين أن الأخوين وليد ومحمد الأعرج يقفان على السلم في الوادي غارقين في قطف الزيتون. وليد (52 سنة) ومحمد (58) هما من سكان الولجة. وليد يوجد هنا ربما بصورة قانونية. أما محمد فموجود هنا خلافاً للقانون. في الأرض التي ورثوها عن عمهم – وهو لا معقول آخر يقدمه الاحتلال. وليد تزوج في العام 1995 من فتاة من شعفاط وبفضلها حصل على بطاقة هوية زرقاء. لذلك، ربما مسموح له التواجد على أرضه. شقيقه الذي يعيش بجانبه هو مقيم غير قانوني على أرضه. يوجد لديه بطاقة هوية برتقالية لأنه من سكان المناطق.
خط المجاري الذي يخرج من بيت جالا ويصل إلى هنا هو تحت مسؤولية شركة جيحون القدس - نحن هنا في القدس – يفيض في الشتاء ويغرق كرم الزيتون خاصتهم بمياه المجاري الصناعية التي أضرت جداً بمحاصيلهم. هذا بالطبع إضافة إلى حقيقة أنه منع معظم أبناء العائلة من الوصول إلى هنا من أجل فلاحة الحقل. منظره يشير إلى أنه مهمل، مليء بالأعشاب البرية والأشواك التي يمكن أن تشتعل بسهولة. في كل سنة يحصلون على تصريح دخول لقطف الزيتون لبضعة أيام فقط. ولكن في هذه السنة التصريح لم يصدر بعد.
حبات الزيتون سوداء وصغيرة. سنة سيئة للزيتون وأصحابه. «نحن نأتي إلى هنا إلى أرضنا مثل اللصوص» قال الأخ البكر محمد. قبل ثلاثة أيام جاء إلى هنا جيب لحرس الحدود وقام بطردنا. «قلت لهم: هذه أرضي». قالوا: «تمام وذهبوا». بعد بضع دقائق جاء جيب آخر لحرس الحدود. الضابط قال: «يوجد اليوم إغلاق بسبب العيد». قلت له: «تمام، اسمح لي بأخذ الأدوات. أنا في أرضي». فقال لي: «لا تأخذ أي شيء. وذهبت. اليوم رجعت إلى هنا». ألست خائفاً؟ «أنا لا أخاف»، قال محمد الأعرج. «أنا في أرضي. وهي مسجلة باسمي. أنا لا يمكن أن أخاف في أرضي».
شقيقه قال: إنه قبل شهر تقريباً جاء جنود حرس الحدود وقالوا له: إنه يحظر عليه السير على الشارع الذي يؤدي إلى قطعة الأرض بذريعة أن هذا شارع أمني. وقد اضطر إلى العودة إلى بيته رغم أن لديه بطاقة هوية زرقاء، وأن هذا لم يكن شارعاً أمنياً. وقربه يوجد بيت سكني واحد ما زال مسكوناً من قبل عائلة فلسطينية. عدد من سكان القرية تنازلوا عن حقولهم، رفعوا أيديهم واستسلموا. هم لم يعودوا يأتون إلى أراضيهم. عندما ينقلون الحاجز جنوباً من أجل منع الفلسطينيين من الوصول إلى نبع عين «حنية»، فإن الوضع سيصبح أكثر قسوة: الحاجز سيكون قريباً من الحقول، عندها بالتأكيد لن يسمحوا لهم بالمكوث فيها.
«هذا المكان سيصبح حديقة للناس»، قال وليد من فوق السلم. «ليقيموا حديقة للناس. هكذا ستكون نهاية أرضنا، لكن نحن لن نتنازل. نحن في أرضنا باقون، هذا الأمر لن يحدث». في بداية الشهر اعتقلوا هنا أحد المزارعين لبضع ساعات وقاموا باقتلاع عشرة أشجار زيتون له بحجة أنه ممنوع من أن يكون هنا. الأخوان وليد ومحمد يجمعون محصولهم القليل في دلو بلاستيكي كتب عليه «شليخت ملون، مرن جداً».

فرس غير أصيلة
بضع مئات من الأمتار إلى الشرق من هنا، يوجد أب وابنه وفرس، خالد الأعرج (51 سنة) وابنه عبد الطالب في إدارة الأعمال (19 سنة). هم أيضاً يستغلون الأعياد اليهودية من أجل التسلل إلى أرضهم. يوجد لهم فرس عربية أصيلة باسم فاطمة. ولكن لهذه الفرس التي هي ليست أصيلة لا يوجد اسم. هي تقف تحت ظل شجرة زيتون، ترتاح من الطريق الطويلة التي قطعتها لتصل إلى هنا. وإذا جاء جنود حرس الحدود يمكن أن يصادروا الفرس مثلما حدث هنا في السابق. «هما من سكان الولجة، ولكن الأب وابنه لا توجد لهم بطاقات هوية زرقاء. الأب يعمل في القدس بتصريح. وهذا التصريح لا يسمح له بالقدوم إلى أرضه. في يوم الأحد الماضي، قطفت هنا الزيتون مع ابني. وجاء جنود حرس الحدود وسألوا: ماذا تفعلون. وقاموا بتصوير بطاقات الهوية وسألوا لمن تعود الأرض. فقلت: هي لي. أين الأوراق؟ في البيت. يوجد لدي أوراق من زمن جدي. كل شيء حسب القانون. قال لي: هيا اذهب إلى إدارة التنسيق والارتباط وأحضر تصريح. سألت: ما هو التنسيق والارتباط. عندها فهمت أن هذا هو الـ دي.سي.أو. يوجد معي الفتى والفرس وسيعملون لي مشاكل. فذهبت من هناك».
«ذات يوم كنا نحرث الأرض. الآن انظر ما هو الوضع. يوجد لنا أيضاً مشمش ولوز، لكنني شخص غير قانوني في أرضي. هذا هو وضعنا. اليوم نهاية عيدكم، لذلك جئت إلى هنا، ربما لن يكون هنا حرس حدود».
«قومي أوري، لأنه جاء نورك» كتب على صخرة مؤقتة لأوري إنسبخر التي قتلت هنا في شهر شباط الماضي على أيدي أحد سكان الخليل. شقيق نضال عبد ربه، الذي تسلم المخالفة من سلطة الطبيعة والحدائق لأنه قام بقطف زيتونه، قاسم عبد ربه، سأل الباحث تترسكي عن شرفة بيته فيما إذا كان يمكنه أن يفحص له هل بيته يوجد في منطقة القدس أو في المناطق. وحتى الآن هو لا يعرف.
«أهلاً وسهلاً بكم في الحديقة الوطنية ناحل رفائيم»، كتب قرب حاجز الولجة في موقعه الحالي. الحاجز الجديد يقف مكانه ولكن العمل أوقف لأسباب غير واضحة. وإذا تم استكماله فسيصبح نبع عين «حنية» لليهود فقط، والحقول على سفح الجبل تحت قرية الولجة ستعزل نهائياً عن أصحابها. هكذا سيتحول قطف الزيتون هذه السنة إلى القطف الأخير لسكان الولجة.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق