"هآرتس"«سيلفيا الحمراء».. قصة فتاة ثورية عاشت بين جاسوسين!

27 أكتوبر 2019 - 07:02
صوت فتح الإخباري:

بقلم: عوفر إديرت
يتحرك محور حياة سيلفيا كلينبرغ بين جاسوسين، أحدهما ماركوس كلينبرغ، والدها الذي وصف بـ "أكبر الخونة"؛ بعد أن سرب أسرار دولة إلى الـ كي.بي.جي. والآخر عودي أديب، حبيبها، وزوجها لفترة قصيرة، الذي كان عضواً بارزاً في شبكة تجسس وتخريب يهودية – عربية. أعضاء الشبكة اعتبروا سيلفيا "جميلة وثورية". وكارهوها سموها بأسماء إدانة يصعب على الورق وحتى شاشة الحاسوب استيعابها.
والدها ماركوس، اسمه البولندي، من مواليد وارسو وخدم كطبيب في الجيش الروسي في الحرب العالمية الثانية، وفقد عائلته في الكارثة. قُتل والداه وشقيقه وجده في تريبلانكا. كانت والدتها فاندا من الناجين من الكارثة في بولندا، التي تم إنقاذها بوساطة هوية مزيفة لمسيحية من وارسو. والداها وشقيقها قتلوا.
تعارف والدا سيلفيا بعد الحرب وهاجرا إلى السويد. وهناك ولدت في العام 1947. وبعد سنة هاجروا إلى إسرائيل. "أمي لم تكن راضية عن هذا القرار. لقد كانت متعبة من الحرب ومن التنقل، لكن والدي أراد الهجرة. لقد كان يهودياً أصيلاً وأراد المشاركة في حرب التحرير"، قالت.
تجند والدها في الجيش كطبيب. وبعد ذلك كان من أوائل العاملين في المعهد البيولوجي في نس تسيونا. اندمجت والدتها في الجهاز الأكاديمي كميكروبيولوجية. وفي العام 1965 أنهت سيلفيا دراستها في مدرسة ثانوية جديدة في تل أبيب، وبدأت في العمل في هيئة تحرير "هعولام هزيه" برئاسة أوري أفنيري. هناك في شارع غليكسون تعرفت على شخصيات رئيسية في اليسار الراديكالي في تلك الفترة، وتحولت هي نفسها إلى شخصية معروفة في أوساط اليسار في تل أبيب والقدس.
وصفها معارفها بأنها شخصية لها رأي وحازمة. في كتابه "الجاسوس الأخير" الذي ألفه والدها مع المحامي ميخائيل سفراد، وصف: "هي لا تستطيع التسليم بفكرة الدولة اليهودية. وفهمت أن الصهيونية تخلق بالضرورة نظاماً عنصرياً وليس ديمقراطياً". بعد ذلك انضمت إلى التنظيم اليساري المناهض للصهيونية "ماتسبين" (اسمه الرسمي "المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية")، "الذين عملوا ضجة كبيرة دون أي علاقة بعددهم وتحولوا إلى بؤرة جذب اجتماعية رئيسية في تل أبيب والقدس"، كما وصف ذلك والدها.
"سيلفيا اعتبرت المؤسسة الإسرائيلية عدواً لها، وشرّاً مطلقاً. هذه المؤسسة التي تستخف بمبادئ الاشتراكية والتي تقوم باحتلال شعب آخر وتنفذ استعماراً بغيضاً لمناطق ليست لها، هذه المؤسسة التي خلقت نظام حكم عنصرياً يميز ضد المواطنين العرب فيها".
سرعان ما تحولت كراهيتها للمؤسسة إلى انتقاد شديد وجهته لوالدها، الذي اعتبر في نظرها جزءاً من المؤسسة بسبب عمله في المعهد البيولوجي. "سيلفيا جاءت وخرجت من جلسات "ماتسبين"، وأصدقاؤها جاؤوا معها إلى البيت واختلوا معها في غرفة أو في صالون بيتها. مرجع الكتب والمقالات التي قرأتها مال أكثر فأكثر إلى الاتجاه اليساري الثوري، ووجدت نفسي فجأة في مكانة غير مريحة تماماً لممثل المؤسسة الإسرائيلية. فهمت فجأة أنه في نظرها ونظر أصدقائها كان رجل مؤسسة المباي المتوسط، والأسوأ من ذلك كان رجل جهاز الأمن، الجهاز الذي ينشغل بالاحتلال والسلب".
لم تعرف سيلفيا في ذلك الحين السر الذي أخفاه والدها: أنه يتجسس لصالح الاتحاد السوفياتي. "أنا أتذكر كيف أن سيلفيا التي نضجت وأصبحت امرأة جميلة جداً وبثت قوة أيديولوجية عظيمة، نظرت لي، وكيف أنني قلت بيني وبين نفسي: كيف تتجرأ؟ ماذا تعرف؟ هل أنا من مباي؟ هي لا تعرف ماذا فعلت من أجل نفس القيم التي تحدثت باسمها"، كتب والدها.
كان انتقامه الصغير جملة اعتاد قولها دائماً عندما كان يدخل إلى البيت بعد يوم عمل في المعهد، واكتشف في غرفة المعيشة أشخاصاً يضخمون أنفسهم، تناقشوا كأنهم رؤساء للعمال، حسب قوله. "أنتم فقط تتحدثون. بدلاً من النقاش يجب عليكم العمل"، قال لهم.
في الكتاب وصف كيف أنه ذات يوم عادت سيلفيا إلى البيت هائجة. لقد أغلقت الباب خلفها وتوجهت إلى أهلها، قائلة: أنتم تنشغلون بتطوير سلاح بيولوجي؟ والدها الذي كان في حينه نائب مدير المعهد البيولوجي، ومن جهة أخرى يعمل كجاسوس سوفياتي، كتب عن ذلك للمسؤولين عنه. وحسب قوله "لقد وشى لجهاز الأمن الإسرائيلي عن ابنته وأصدقائها، الذين تحدثوا عما يجري في خبايا المعهد. رداً على ذلك تسلم من إدارة المعهد نموذجاً سرياً كان عليه أن يجعل ابنته توقع عليه. بصورة متوقعة هي ضحكت وواصلت نشاطها المناهض للمؤسسة. في العام 1968 سافرت إلى باريس للمشاركة في تظاهرات الطلاب هناك. في تلك الفترة تعرفت على أودي أديب، رجل مظلات وسيم من كيبوتس غان شموئيل، والذي برز بنشاطه في "ماتسبين". وبعد ذلك انسحب منها وأقام منظمة أكثر تطرفاً باسم "الجبهة الحمراء". "لقد التقيت معها في جلسات ماتسبين في تل أبيب، في غرفة فوق السطح في شارع مابو. لقد لفتت انتباهي على الفور كشابة جميلة وجذابة ومليئة بالثقة"، قال هذا الأسبوع.
انفصلا بعد ذلك بسبب خلافات في الآراء، شخصية وأيديولوجية. "لقد كنت إبن كيبوتس، غير مهذب، وهي كانت تل أبيبية"، قال أديب. وحسب أقواله، كانت هناك خلفية سياسية للخلافات بينهما: "لقد كنت ماوياً وهي تورتسكية". سيلفيا التي بدأت بدراسة الفلسفة سافرت إلى فرنسا لسنة تعليمية، وانقطعت العلاقة بينهما.
اعتقل أديب في العام 1972 من قبل الشاباك بعد عضويته في تنظيم سري عربي – يهودي مرتبط بسورية، وعمل على تخطيط عمليات والتجسس على إسرائيل. لقد أدين بالخيانة وحكم عليه بالسجن 17 سنة .
هذه كانت الخلفية لاستئناف العلاقة مع سيلفيا. "لشديد المفاجأة تركت الكل وجاءت إلى محاكمتي كتعبير عن التماهي". في 1975 تزوجت. حفل الزواج الذي جرى في سجن الرملة تمت تغطيته في الصحف في تلك الفترة. "الزوجان الشابان ارتبطا إلى الأبد وانفصلا على الفور لفترة طويلة"، نشر في "معاريف".
تلقت في العام 1983 مكالمة هاتفية غيرت حياتها تماماً. فقد عرفت أنه تم اعتقال والديها في ظروف غامضة. تم إطلاق سراح أمها ولكن والدها اتهم بالخيانة وحكم عليه بالسجن المؤبد. هي لم تغضب على والدها، بل قدرت حقيقة أنه تجسس لأسباب أيديولوجية وليس مقابل المال. "لقد كان جزءاً من عدة علماء عارضوا أن يكون الاحتكار النووي بشكل خاص والعلمي بشكل عام في نفس الجانب، الأميركي. الأيديولوجيا كانت أنه إذا لم يكن هناك توازن قوى فلن يكون بالإمكان أن يحل السلام في العالم"، قالت لنفسها ولوسائل الإعلام، "شعوري هو أنه بعد الحرب العالمية الثانية طور تجاه الاتحاد السوفياتي اعتراف بالجميل لأنه منحه ملجأ ليس فقط أنقذ حياته ومكنه من الدراسة، بل أيضاً أن يحارب النازيين"، قالت سيلفيا.
السنوات التالية كرستها سيلفيا لجهود عالمية من أجل التخفيف في ظروف اعتقال والدها وإطلاق سراحه. في العام 1998 تم اطلق سراحه وذهب إلى باريس، وهناك اعتنت به في سنواته الأخيرة. وقد توفي في 2015 بجيل 97. وبعد وفاته مرضت هي بالسرطان. وقد قال أديب عن تلك الفترة: "لقد عاشت المرض وحدها رغم أنها كانت محاطة بأشخاص أرادوا أن يكونوا إلى جانبها".

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق