«هآرتس»الخريف الإيراني في الشرق الأوسط

03 نوفمبر 2019 - 07:12
صوت فتح الإخباري:

بقلم: عاموس هرئيل

قبل نحو شهر، بعد فترة قصيرة على بداية المظاهرات في ارجاء العراق ضد الحكومة، وصل الجنرال الايراني، قاسم سليماني، في رحلة جوية ليلية الى مطار بغداد. وحسب تقرير وكالة الانباء «اشوسييدت برس» واصل سليماني في طائرة مروحية من المطار الى قلب «المنطقة الخضراء» في المدينة، وهي المنطقة التي توجد فيها الوزارات الحكومية وجهاز الامن العراقي الى جانب السفارة الأميركية. سليماني، الذي هو قائد «قوة القدس» في الحرس الثوري الايراني، فاجأ عددا من كبار الموظفين في الاجهزة الامنية العراقية عندما وقف ليدير جلسة كان يجب أن يقوم رئيس الحكومة العراقية، عادل عبد الهادي، بإدارتها.

مراسلو «إي.بي» نجحوا الى حد ما في التحدث مع موظفين عراقيين شاركا في اللقاء. حسب الموظفين قال سليماني للمشاركين العراقيين: «نحن الايرانيين نعرف كيف نواجه احتجاجا كهذا». في الايام التالية بدأ العراقيون بالعمل. قناصة، كما يبدو من رجال المليشيات الشيعية، اطلقوا النار على المتظاهرين. نحو 150 من المتظاهرين قتلوا. والمظاهرات عادت وتجددت قبل اسبوع بعد تهدئة لبضعة اسابيع. ومرة اخرى تم احصاء عشرات القتلى في ارجاء العراق.
ومثلما في المظاهرات التي بدأت في منتصف تشرين الاول في لبنان، تركّز الاحتجاج في العراق على ادعاءات بشأن الساحة السياسية الداخلية – أداء فاشل للحكومة في مجال الاقتصاد، فساد وتوجيه اموال لقطاعات ومنظمات قوية مثل المليشيات الشيعية المؤيدة لايران في العراق و»حزب الله» في لبنان. في الخلفية هناك مشاعر معينة مناوئة لايران: متظاهرون في الدولتين طلبوا من طهران عدم التدخل في الشؤون الداخلية. في العراق احرقوا اعلام ايران، وتظاهروا امام القنصلية الايرانية في مدينة كربلاء المقدسة بالنسبة للشيعة.
ايضا في لبنان قام «حزب الله» بقمع المظاهرات، ولكن حتى الآن لم يتم استخدام السلاح الناري. زعران التنظيم تم ارسالهم على دراجات وتم تزويدهم بالهراوات للتشاجر مع المتظاهرين وتخويفهم. وحتى الآن فشلوا. في منتصف الاسبوع أعلن رئيس الحكومة اللبنانية، سعد الحريري، الشريك الكبير لـ»حزب الله» في التحالف، استقالته ازاء ازدياد الاحتجاج.
سليماني كان محقا. يوجد لايران تجربة في قمع احتجاجات عامة كبيرة. في العام 2009 قبل سنة ونصف على اندلاع الربيع العربي، قمعت السلطات في طهران بقبضة حديدية مظاهرات بدأت في اعقاب ادعاءات بتزوير الانتخابات الرئاسية. «الثورة الخضراء» فشلت، لكن حتى الآن يجد الايرانيون صعوبة في نقل تجربتهم المهنية لحلفائهم في بغداد وفي بيروت. استمرت المظاهرات، وفي العراق تسببت بسفك دماء كبير. سقوط الحكومة في بيروت يقلق طهران، ورجلها في لبنان، الامين العام لـ»حزب الله»، حسن نصر الله. في خطاباته الاخيرة اتهم نصر الله الولايات المتحدة واسرائيل بتشجيع الاحتجاج من وراء الكواليس. كرر هذا الادعاء، قبل أيام، ايضا موقع الانترنت التابع للزعيم الروحي الايراني، علي خامنئي.
من الصعب تصديق ادعاءات ايران و»حزب الله». بالنسبة لاسرائيل لا توجد في هذه الاثناء دلائل على تداعيات فورية للتوتر في بيروت. جهاز الامن يتابع باهتمام في هذه الاثناء وهو غير قلق. استمرار المظاهرات في هاتين الدولتين يمكن أن يضعضع الثقة بالنفس للقيادة الايرانية، التي ظهرت مؤخرا كمن تسجل سلسلة نجاحات ازاء عدم الرد الأميركي على خطواتها العسكرية في الخليج، وتراجع ادارة ترامب، الذي تخلى عن الاكراد في شمال سورية.
بنظرة من اسرائيل فان المظاهرات تضر بالشرعية التي راكمها «حزب الله» بفضل دمج وزراء من قبله في الحكومة. لقد كان مريحا جدا لنصر الله الاختباء وراء الحريري. توزيع الغنيمة في الحكومة، كما يبدو، مكّن «حزب الله» من توفير مصدر رزق لنشطائه عبر انضمامهم الى الجهاز البيروقراطي في الوزارات التي اصبحت تحت سيطرته. هذا كان مكسبا صافيا في فترة يعاني فيها «حزب الله» من انخفاض المساعدات المالية من ايران، الذي كان نتيجة تشديد العقوبات الأميركية.
في السابق اتخذ «حزب الله» خطوات اكثر عنفا. هذا ما حدث في 2008 عندما هدد «حزب الله» بمواجهة مباشرة مع الحكومة، بعد أن طلبت منه ابعاد مقاتليه عن منشأة توجد في مطار بيروت ووقف تشغيل شبكة قطرية للهواتف المحمولة تابعة له. على المدى البعيد فان مواجهة داخلية متواصلة في لبنان يمكن أن تعرض اسرائيل ايضا للخطر: في العام 2006 صادق نصر الله على اختطاف جنود من الجيش الاسرائيلي، حيث تبين فيما بعد أنه خطوة البداية لحرب لبنان الثانية، ايضا بسبب توتر داخلي في لبنان. «حزب الله» كان يوجد في تلك الاثناء في ضائقة من نوع آخر. الحريري ورجاله اتهموه، وكما يبدو بحق، بقتل الحريري الاب، رفيق، رئيس الحكومة الاسبق. وفي لبنان ازدادت في حينه الدعوات لنزع سلاح الحزب، وهو وعد لم يتحقق حتى عندما تم تضمينه في اتفاق الطائف في 1989. التصعيد مع اسرائيل استهدف تمكين نصر الله من العودة وطرح نفسه كمدافع عن لبنان. ولكن في نهاية المطاف حدث العكس بالضبط. الاستفزاز خرج عن السيطرة، وكثيرون في الدولة اتهموا نصر الله وحزبه بالدمار الكبير الذي احدثه القصف الاسرائيلي في الحرب.
عدم الهدوء في لبنان والعراق ينعكس بصورة غير مباشرة ايضا على ما يحدث في ساحة اخرى وهي الساحة الفلسطينية. ما يظهر كموجة اخرى من احداث «الربيع العربي» يثير مجددا الآمال التي تبددت بتعزيز الاجراءات الديمقراطية في الدول العربية. النظامان الفلسطينيان، السلطة في الضفة الغربية و»حماس» في القطاع، يعانيان من عدم الشرعية الجماهيرية. حيث إن الانتخابات الاخيرة في «المناطق» جرت في العام 2006. رئيس السلطة، محمود عباس، يدرك الانتقاد المتزايد له في الضفة، وايضا النموذج المغري – احتجاج حديث وعلماني بطبيعته وغير عنيف، الذي يضعه المتظاهرون في بيروت لإخوانهم في رام الله ونابلس. ايضا هذا يوجد في خلفية الحوار العلني الذي يجري مع «حماس» حول امكانية اجراء انتخابات جديدة للبرلمان والرئاسة.
ما بدأ كلعبة اتهامات بين عباس و»حماس»، يمكن أن ينتهي بشكل آخر. وكما يقول الباحث ميخائيل ملشتاين، من مركز ديان في جامعة تل ابيب، تتطور في «المناطق» ديناميكية متدحرجة، أقوى من المصالح الاساسية للطرفين. يمكن أن يحدث وضع سيخاف فيه المعسكران المتخاصمان من أن يظهرا كمن يعارضان العملية الديمقراطية، لذلك سيظهران الاستعداد للتقدم نحو الانتخابات. التطورات، قال ملشتاين للصحيفة، يمكن أن تؤثر ايضا على اسرائيل. ومثلما في العام 2006 من شأن الفلسطينيين أن يطالبوا بأن يصوت سكان شرقي القدس ايضا في الانتخابات. في حينه خضعت حكومة شارون واولمرت للضغط الذي استخدمته عليها ادارة بوش. في الظروف السياسية الحالية يصعب تصديق أن حكومة اسرائيلية برئاسة نتنياهو أو حتى غانتس، ستسمح لنفسها بتنازل كهذا.

قطاع الأمن النسبي
في الوقت الذي يغلي فيه لبنان والدماء تسفك في شوارع العراق واسرائيل وايران لا تكفان عن تبادل التهديدات، فان قطاع غزة ما زال هادئا، بقدر ما يمكن لغزة أن تكون (أول من أمس اطلق صاروخ من هناك، ولكنه لم يتسبب بأضرار). منذ شهرين فان عدد الاحداث في القطاع منخفض جدا بعد نحو سنة ونصف صاخبة جدا.
تذكير قصير: بعد عملية «الجرف الصامد»، التي انتهت في نهاية آب 2014 بنوع من التعادل المخيب للأمل، كانت ثلاث سنوات ونصف من الهدوء النسبي على حدود القطاع. قادة «حماس» في غزة اعتمدوا على ضخ مساعدات دولية من اجل اعادة اعمار القطاع، وغالبا اهتموا بالحفاظ على هدوء نسبي ايضا من خلال الادراك بأن اشتعالا آخر سيكون مرسوما لا يستطيع الجمهور الغزي تحمله، ازاء الدمار الذي احدثته اسرائيل في العملية الاخيرة.
ولكن الاموال تباطأت في القدوم، والاحباط في غزة ازداد الى أن انفجر في يوم الارض في نهاية آذار 2018. يأس السكان التقى مع ضائقة القيادة التي سارعت الى الركوب على ظهر هذا النمر خوفا من أن يخرج ضدها ويفترسها.
هكذا قادت «حماس» عشرات المظاهرات العنيفة في ايام الجمعة على طول الجدار، أكثر من 300 شخص من غزة قتلوا منذ ذلك الحين، معظمهم من المشاركين في المظاهرات والذين اطلقت النار عليهم من قبل قناصة الجيش الاسرائيلي اثناء محاولة اختراق الجدار. ولكن المظاهرات بدأت باستنفاد الزخم. مؤخرا عدد المتظاهرين انخفض جدا، 5 آلاف في كل اسبوع، وقوة الاحتكاك مع الجيش انخفضت، وفي «حماس» بدأ حوار داخلي حول الفائدة الكامنة في استمرار المظاهرات، حيث ان انجازاتها كانت قليلة، وفي المقابل، العبء الذي القاه آلاف المصابين بنار القناصة، على جهاز الصحة في غزة اصبح لا يحتمل.
ربما أنه بسبب الاهمية الرمزية التي يعزوها الجمهور في غزة للمظاهرات، لم يتقرر بعد وقفها نهائيا. ولكن انخفاض دافعية المشاركين في المظاهرات وانخفاض تأثير المظاهرات أصبح واضحا. ايضا عدد الصواريخ التي يتم اطلاقها من القطاع انخفض في هذه الاشهر. في المقابل، الاموال من قطر تواصل التدفق الى القطاع كالعادة، 30 مليون دولار شهريا، والدفعة الشهرية الاخيرة تم نقلها في بداية هذا الاسبوع مع اهتمام اعلامي قليل.
ضبط النفس لدى قادة «حماس» ربما ساهم في الادراك بأن انظار الاعلام العربي موجهة الى ساحات اخرى، اكثر اشتعالا، وعلى رأسها ما يحدث في العراق وفي لبنان. مع ذلك يجدر التذكير بما هو صحيح دائما في غزة، التوجه يمكن أن يتغير برمشة عين بسبب مصابين في حادثة معينة أو بسبب عملية تبادر اليها اسرائيل. الهدوء، قال هذا الاسبوع ضباط كبار في الجيش، يقف على جليد رقيق جدا وهش.
في هذا الشأن يجدر الاهتمام بظاهرتين. احداهما تشير الى الحادث الذي تم الحديث عنه باقتضاب من قبل المتحدث بلسان الجيش الاسرائيلي، الثلاثاء الماضي: طائرات لسلاح الجو اعترضت طائرة بدون طيار حلقت على ارتفاع 12 ألف قدم قرب الحدود مع اسرائيل. هذا دليل أول على وجود قدرة استثنائية كهذه، وهو يشير الى تقدم تكنولوجي معين في قدرة التنظيمات «الارهابية» في القطاع. إن الطيران بهذا الارتفاع يمكن أن يشوش عمل الطائرات الاسرائيلية بدون طيار في الجنوب. أو أن يشكل ثغرة لمهمات جمع المعلومات الاستخبارية وحتى هجوم فلسطيني مستقبلي.
الظاهرة الثانية مرتبطة ببهاء أبو العطا، قائد «الجهاد الاسلامي» في شمال القطاع، الذي منذ زمن يمارس سياسة مستقلة مستفزة لاسرائيل، من خلال تجاهل الضغوط التي تستخدمها «حماس» على تنظيمه. عندما كانت هناك اشتعالات مؤقتة مع اسرائيل في الاشهر الاخيرة وقف أبو العطا خلف معظمها. في احدى المرات على الاقل اطلق صواريخ على الجنوب ردا على هجمات اسرائيل في سورية ولبنان، بتشجيع من ايران. اذا كان هناك من هو قادر على تخريب الهدوء المؤقت في القطاع فهو هذا الرجل.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق