«بحر» .. وسحابة نهار

17 نوفمبر 2019 - 07:46
حسن البطل
صوت فتح الإخباري:

نهار آخر أيام العام الفارط، شئتُ استنطاق «بحيرة لوط» فحكى البحر الميت وجع الزمان. بحر هو أم بحيرة؟ بحيرة لوط، أم البحر الميت؟
«البحر» بحران : بحر يحتضر في كفن أزرق داكن (شمالاً إذا جئته من الشمال؛ وجنوباً إذا جئته من الجنوب) .. وبحر آخر برزت عظامه من كفن أبيض أملس جداً. سطح مرآة تنظر فيها الجبال الهرمة فترى على صفحته بقية من شبابها الهارب.
البحر بحران، إذاً، بحر ميت وبحر أكثر منه مواتاً. لتقل الأساطير ما تقول من حكاية لا تصدقها عيناك. استنطقت «لوطا» عن الكارثة الأولى التي ولدت خليقة ثانية، فأومأ إلى شُجيرات مسخوطة من «الدوم» و»النبق» الذي صار «زعروراً».
من «الصنوبر» الذي صار شجيرات «الإثْل» (أو «نثل» بلغة العامة). وما الفرق غير الفاضح بين شجيرات «الدوم» و»النبق» وبين شجيرات «السِدْر»؟ .. وأين هي «سِدْرة المنتهى»؟
ربما لـ «الإثْل» لهجة «الصنوبر» الغابرة. ربما للبطيخ أصل «الحنظل» قبل ان تطيب مرارته الى ماء وسكر. «حنظل» في البرية والى جانبه نباتات البطيخ تلتحف ما يحميها من برد ليالي الكوانين.
على ضفاف البحر الميت ترى الزمان فادحاً، وتحسّ الوقت خادعاً.. وهكذا تقول الناس: «بتقول مشوار ساعة بتمشي يوم». غير أننا قطعنا المشوار بين اول البحر الميت وآخر البحر الأكثر مواتاً خلال ساعة في سيارة تنهب الطريق، ولا تبالي: مسادا هنا. هناك قمران. عين جدي.. و»كومة» من النُزُل والفنادق الفاخرة. أبناء «دولة إسرائيل» وضيوفهم.. وأنا الغريب - غير الغريب؟
تقول الأسطورة (تاريخ الناس المحكي قبل كتب السماء الأولى): عندما جاء الطوفان، انقلبت مملكة لوط عاليها سافلها. الحيوانات اندثرت.. وأما النباتات فقد «مُسخت».. وأما «قوم لوط» الذين عاثوا فسادا على التلال، فقد رقدوا رقدة الأبد في قعر البحر الميت.. ومن يومها لم يعد «بحيرة لوط».
تقول الجيولوجيا (تاريخ الأرض قبل نطفة الحياة الأولى). فارت الأرض. ثارت الجبال. لفظت الأرض ما في جوفها من «حميم». سقت البحر عذابا من نار، وسيولا من المعادن المصهورة. انقلبت الأرض عاليها سافلها. انقلبت الحياة وكائناتها «مُسخت».
تقول الجغرافيا (لا تنظر إلى الخرائط والمصورات.. انظر إلى صفحة زرقاء وصفحة بيضاء): يبدو البحر الميت جسداً واحداً كالتابوت الأزرق على الخرائط والمصورات. لكن، بالعين البصيرة فالبحر الميت بحران: بحر يحتضر (برغم «قبلة الحياة» يعطيها له نهر الشريعة منذ ما قبل الشريعة) وبحر يلملم كفن موته الأبيض على عظامه التي برزت. يخيل إليك ان جسوراً بناها الإنسان لاستخراج أملاح البحر، صارت مثل أضلاع جثة كالمومياء.
.. ويُخيل إليك أن البحر الميت (في قسمه الأكبر موات) ليس إلا مرآة الجبال. هنا قد تقول: هذا سراب. وهنا قد تقول: هذا ماء أُجاج.
والبحر الميت لا يحكي بغير لغة عينيك، يا حفيد إسماعيل الذي بلا «دولة اسماعيل».. وأنت تجوب أرضاً صارت «دولة إسرائيل». ها أنت تسيح من أول البحر الميت شمالاً الى أول عظامه جنوباً.
تقول الطوبوغرافيا: برزخ من السبخات والماء الآسن يفصل بين بحرين: ميت وأكثر مواتاً. تستطيع ان تجتاز البرزخ البري على قدميك من «ضفة غربية» الى «ضفة شرقية» وبالعكس. فإذا رَويت لأحد في غير مكان أنك قطعت البحر الميت ماشياً على قدميك فسوف يكذبك إذا نظر الى الخارطة المصورة، لأنه لم ينظر الى الخارطة الملموسة.
تقول نبوءة المستقبل: سيظل البحر الميت يجرجر أذيال موته الى أن يستحيل «بحر ملح» او يسعفه البحر الأحمر بماء أقل ملوحة. لكن هذا الإسعاف قد يكون كارثة العصر الجديد.
***
كان ابن بطوطة يجوب البلاد ويمخر البحار، غير أنني كنت مرة على الشاطئ الشرقي من البحر وصرت على الشاطئ الغربي. جئت ذاك البحر مرّة من النقب، وجئته مرة أخرى من أريحا. نظرتُ جباله العرجونية من ضفة الشرق؛ ونظرتها من ضفة الغرب.
يمنحك البحر الميت فرصة القول: قطعت بحراً في ساعات من النهار.. ويمنحك فرصة تأمل بحر يموت كل يوم، وبرّ يولد كل يوم.. وأنت تعيش «برهتك» الساطعة بين موت كان وموت سيكون.
إضافة لاحقة: التقيت محمود درويش، في اليوم التالي بمسرح «عشتار». قال: «ما هذا؟.. هذا شعر! «قلت: «لا تجامل..؟» قال: «لا أجامل أبداً.. ولا أحداً».

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق