إيران ما قبل الانهيار الكبير

19 نوفمبر 2019 - 07:34
عبير بشير
صوت فتح الإخباري:

هناك من يعتقد أن المشهد السياسي اكتمل باندلاع التظاهرات في إيران، التي أطلق شرارتها  قرار رفع أسعار البنزين وبعض المشتقات النفطية. وخصوصاً، أن طهران سبق وأن اعتبرت أن النيران وصلت حدائقها الخلفية، بعدما انتفض الشعبان العراقي واللبناني على واقعهما الاقتصادي والاجتماعي، وبدا حجم القلق الإيراني كبيراً وعميقاً من الانتفاضتين العراقية واللبنانية، بفعل أن هذا الأمر له انعكاسات على الداخل الإيراني المهيأ لانتفاضة ‏واسعة تتجاوز الانتفاضة الخضراء.
ولم يكن سراً، قيام  قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، بالإشراف مباشرة، على عملية إجهاض الانتفاضة العراقية، فهو يدافع عن نفوذ بلاده، ومستقبل نظام الملالي. فإيران تدرك أن العراق  هو المركز في المنطقة. الانهيار، بدأ منه وتمدد إلى كل المواقع والدوائر، وبعد ثلاثة عقود، تبدو إعادة التشكل والبناء وكأنها ستبدأ منه لتنتشر ببطء إلى باقي الدوائر المشتعلة أو المضطربة ومنها لبنان.
من هنا يمكن تفسير قيام السلطات الإيرانية بقطع الانترنت بشكل كامل عن جميع الأراضي الإيرانية، فهي لا تريد رؤية ثورة على نمط انتفاضة العراق أو لبنان، وأدى الرد العنيف من الحرس الثوري والباسيج ضد الاحتجاجات المطلبية إلى أخذها طابعا سياسيا، حيث هتف متظاهرون ضد خامنئي وأحرقوا صورا وتماثيل للإمام الخميني، كما رفعت شعارات ضد الحرس الثوري الإيراني، وتعرضت مقار أمنية ورسمية للتخريب.
وكان لافتا للنظر قيام علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، بإعلان دعمه لقرار الحكومة رفع أسعار البنزين في الأسواق المحلية بنسبة 300٪ لمن يتجاوز حصة شهرية تدعمها الدولة، ولكنه كان متوقعا، وصف خامنئي المتظاهرين الإيرانيين بـ «قطاع الطرق» المدفوعين للعنف من قبل «أعداء الثورة» ومن «الأعداء الأجانب لإيران»، بعدما سبق أن وصف تظاهرات العراق ولبنان «بالشغب الذي تقف وراءه أميركا وإسرائيل».
 لن يسقط نظام ولاية الفقيه، غداً أو بعد غد، فما زال النظام قوياً، ويمسك بأنيابه بكل أجنحة السلطة، التي تضمن بقاءه. وما زال هذا النظام الذي شاخ  بفعل ثلاثين سنة بالقيادات نفسها، وبقواعد المواجهة ذاتها، يملك احتياطاً مهماً في الداخل الإيراني. ولابد من  الإقرار بأن النظام الإيراني يمتلك آلة قمع لا يستهان بها، ظهر ذلك بوضوح في العام 2009 حين أخمدت ثورة الشباب الخضراء بالنار والحديد، وذلك عقب فوز أحمدي نجاد بولاية ثانية، وكذلك تم قمع المتظاهرين في احتجاجات 2017.
ومازال هذا النظام يستفيد إلى أبعد حدود من الفرصة التي لا تقدر بثمن التي أتاحتها لها إدارة جورج بوش الابن في العام 2003، حين سلمت أميركا العراق على صحن من ذهب إلى إيران، وكانت تلك الانطلاقة الثانية للمشروع التوسعي الإيراني.
لكن المؤكد أن إيران تهتز بقوة تحت وطأة الاحتجاجات الشعبية والمطلبية المحقة، التي اندلعت في المدن الأساسية كطهران وأصفهان وشيراز وكرج وكرمان وخرم أباد وقم  والأهواز، كما امتدت إلى مناطق كردستان الإيرانية ومركزها سنندج، ومحافظة أذربيجان الشرقية وعاصمتها تبريز، ومحافظتي قزوين وسمنان، فطبيعي أن تشمل الهبة الشعبية كل مدن إيران وذلك  بعد أن جعل نظام ولاية الفقيه، نصف سكان الجمهورية الإسلامية، أي نحو أربعين مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر، وطبيعي أن ينتفض الشعب الإيراني على نظام في حالة هروب إلى خارج حدود إيران منذ أربعين عاما.
فلا يعقل في بلد يفيض بالثروات الطبيعية مثل إيران، ويمتلك رابع أضخم احتياطي نفط في العالم، أن يعاني من أزمة وقود، وفقر وبطالة، بينما يعترف الرئيس الإيراني بأن 60 مليون مواطن يحتاجون للدعم الحكومي، وأن تسيطر مؤسسات الحرس الثوري على ثلث الناتج الإجمالي لاقتصاد البلاد. وأن تهرب قيادته من معالجة الحاجات الملحة لشعبه البالغ تعداده 82 مليون نسمة بالمغامرات الخارجية.
مشكلة نظام طهران، أنه يعيش أزمة وجودية. أحياناً يعمل على إثارة العواصف الرملية بالتصريحات الثورية، التي يدور معظمها حول تدمير إسرائيل، وكسر الاستكبار العالمي – الولايات المتحدة، وأحياناً يغرق في الصمت لتغطية عجزه عن المواجهة. جديد الوضع الحالي هو الأزمة الداخلية في إيران التي أصبحت مكشوفة وبقوة، فهي مؤثرة لأنها تطال الداخل والتركيبة العرقية والقومية المعقدة.
كما أن إيران تعيش اليوم في أسوأ أوضاع اقتصادية منذ الثورة الخمينية بفعل العقوبات الأميركية التي فرضها ترامب على طهران بعد تمزيقه الاتفاق النووي الذي وقعه سلفه باراك أوباما، ويزيد من حدة الأزمة سقوط الرهان الإيراني على أي دور أوروبي يخفف من وطأة الأزمة الاقتصادية.
ولا يشبه الوضع في إيران اليوم، الوضع عندما وصل الإمام الخميني إلى باريس وقال: «سنقاتل حتى يغرق السيف في الدم»، أي الخيار بين انسحاب الشاه أو الغرق في مواجهة تقود إلى حرب أهلية، يوم ذاك اختار الشاه سلامة إيران على عرشه فانسحب ولم يعد. لكن لا يبدو أن المرشد علي خامنئي سيعمد بعد ثلاثين عاماً من السلطة المطلقة إلى اختيار إنقاذ إيران، بل على العكس يصر الرجل أن يأخذ  الأمور حتى النهاية، وعلى توريث عهده إلى من هم من قماشته الثورية التوسعية، وليس من قماشة رجال الدولة.
مشكلة النظام الايراني، أن الأزمات التي يعاني منها تقربه أكثر فأكثر للالتصاق بحالة انهيار الاتحاد السوفيتي الاقتصادي والسياسي، إلى درجة تجعل من تكرار التاريخ رغم اختلاف النظام والأرض والأشخاص، أعجوبة غريبة، ووفقا لرأي غسان شربل فإن هناك تجاعيد سوفياتية في الوجه الإيراني.
وما تشهده ايران هذه الأيام هو تتويج لفشل نظام ليس لديه ما يصدره غير السلاح والنعرات المذهبية، في حين يشكو الايراني العادي من غياب لقمة العيش ومن صرف الأموال الإيرانية على الميليشيات خارج حدود إيران، وكأن إيران تنتظر الانهيار الكبير.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق