أحمد عبد الرحمن: من نوار بيت سوريك عليك السلام

07 ديسمبر 2019 - 09:30
تحسين يقين
صوت فتح الإخباري:

وداعاً أيها المقاتل الجميل..
هل نكتب عنهم أم عنا والوطن؟
وما المسافة بين الشخصي والعام؟
لقد كنا مخرجات ثورية ونحن أطفال وفتيان وشباب، حيث تتلمذنا على قادة العمل الوطني، من السبعينيات مروراً بالثمانينيات، حتى كان اللقاء عن قرب مع عدد من القادة، ومنهم أحمد عبد الرحمن.
كانت المدرسة مكان التعلم العادي، لأننا كنا نمارس تعلماً اختيارياً، نحن وأفراد أسرتنا، حين نجلس مصغين لصوت الثورة، صيفاً وشتاء، ساعة وراء ساعة، حتى يكون لنا ما كنا نحتاجه، في ظل هيمنة الاحتلال على الكلمة هنا، في الكتب وغيرها.
وحين أتيح لنا السفر، رحنا نبحث عن "فلسطين الثورة"، مجلة منظمة التحرير، كان المناضل الراحل أحمد عبد الرحمن يرئس تحريرها بصفته رئيس الدائرة الإعلامية في المنظمة، وكان الأستاذ حسن البطل يدير تحريرها، وكان الشاعر منذر عامر سكرتير التحرير. صرنا نقتنيها باستمرار، فواصلنا التتلمذ على أدبياتها.
كنا نعظم الثورة ورموزها، ونحفظ أسماء القادة ودورهم. رحت أتذكر "دخيل" زميلي في مدرسة الملك غازي في بدو، شمال غربي القدس، شمال بيت سوريك بلدة الأخ القائد أحمد عبد الرحمن، حين رحت أساله عام 1983 إن كان أحمد عبد الرحمن عمه، فابتسم ورد بإيجاب، ففرحت وقتها كفتى بأن هذا القائد هو ابن بيت سوريك أم البرقوق بلا منازع، تلك القرية التي كانت حين يزهر برقوقها وخوخها ولوزها تحسبها قد اكتست بالثلج!
من بيت سوريك، كانت البداية، وصارت صعبة جداً في حالة الطفل أحمد حين استشهد أبوه، فأي رحلة عاشها الفلسطيني، والتي رغم شوكها لم تثنه عن مواصلة المشوار، ليصير علماً.
من الخوخ واللوز والبرقوق.. والزيتون والعنب.. التراب.. جبال القدس المطلة على الساحل الفلسطيني غرباً، والقدس شرقاً، كانت البداية، والتي كانت الكلمة مكتوبة ومسموعة ضمانة الوجود والمستقبل.
حين يرحل القادة، تزداد المسؤولية باتجاه الهدف الأكثر سمواً.
ولعلنا هنا نعيد تموضعنا، لا لنتحدث عن أنفسنا أو عن القائد الإعلامي، ولكن لنضيء شيئاً عن أثر الكلمات، والتي كنا قد بدأنا باللعب بها رومانسيين حيناً وثوريين حيناً آخر.
حينما اشتريت أول عدد من مجلة فلسطين الثورة، تلفتُّ حولي، كان الحذر يسكن في اللاوعي، ومضيت بها كأنني حصلت على كنز، وسعد زملاء الدراسة بها، كانت الانتفاضة الأولى تكمل عامها الأول، حضرت جزءاً منها هنا، وسافرت للدراسة. وأذكر أنني كنت أقرأ المجلة جميعها.. كل صفحاتها، فصارت مقرراً باختيارنا، وبالطبع صرنا على تماس مباشر مع المصدر الإعلامي للمنظمة. ولم يغب لا زميلي "دخيل" ولا بيت سوريك، ولا مدرسة الملك غازي ولا بيت دقو بلدي عن بالي.
وفي يوم، جاءتني رسالة من أخي د. منصور يقين، الطبيب وقتها في مستشفى المقاصد، مستشفى الانتفاضة... رسالة كتبها في القدس، تعبق بروحها والوطن، فوجدت أنها رسالة ونص أدبي، فكتب رداً، وكان أدبياً أيضاً، فبعثت الرسالتين لفلسطين الثورة وكان مقرها قبرص، وطلبت من المحرر أن يكتفي بذكر الرمز للكاتب، كوننا من الأرض المحتلة، وكم فرحت بعد أيام وهي منشورة في صفحة مميزة في ختام المجلة، بعنوان "الجسد وحده على سفر". احتفظت بالصفحة مخبئها بين صفحات كثيرة، وأرسلتها فيما بعد من خلال البريد إلى القدس. وعلمت أن الشاعر منذر عامر هو من اعتنى بالنص، وحدثني حكايات جميلة عن "فلسطين الثورة" حين عاد. ومن خلاله استخلص عدة أمور في العمل المركزي وتنوع وجهات النظر، وفي الوقت نفسه احترام القادة.
تلك مدرسة أحمد عبد الرحمن، رفيق القائد الخالد "أبو عمار"، وقادة آخرين كانوا المعلمين الحقيقيين لنا، باختيارنا الوطني والشخصي، ولعلنا مخرجات تعلمت، وحينما مارست الكتابة اقتديت بمن قادوا العمل الوطني إعلامياً وثقافياً.
أحب "أبو يزن" العلم والمعرفة وقدّر التعليم، حتى أنه حدثني أنه قبل 37 عاماً إثر الخروج من بيروت، أنه أحب أن يواصل رحلته في التعليم العالي، وحين ذكر ذلك للقائد، "أبو عمار"، ابتسم أبو عمار، وقال له: انتظر قليلاً، وعلم أن القائد أراده بجانبه.. وفياً كان، وفياً ظل، ووفياً رحل.
علاقته بالقائد العام علاقة خاصة، فلا بد أن "أبو عمار" وهو العارف بالنفوس، كان يقرأ في أحمد عبد الرحمن دلالات متنوعة، وأنه من بين قادة خلقوا للوطن أولاً.
لكل حكايته مع أحمد عبد الرحمن، ولعل حكايتنا صغيرة، لكن الحكايات أجمعت على الدور المركزي والمهم الذي لعبه أبو يزن في الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث إنه من خلال الإعلام والعمل الوطني قد دخل العمل السياسي، فكان أحد قادة اعتمد عليهم "أبو عمار"، وهو ممن حظي بإجماع الساسة والفصائل، كذلك الكتاب والأدباء والإعلاميين، الذي اختير أميناً عاماً لهم. في لقاء ضم الكتاب هنا تحدث عن مركزية الوطن هنا، وقال ذلك بعمق العارف بما يحدث وسيحدث للوطن.
في الانتفاضة الثانية، كنا رغم أي آراء فيما يحدث، نستمد القوة من ظهوره المقاتل، كان رحمه الله يثق بالمقاومين، ويعلي من الثقة بهم، كما كان يفعل ذلك دوماً في بيروت وما قبلها.
هو المقاتل، الجميل، صاحب لغة جمالية واضحة، تقرأ له بحب واختيار، وتستمع إليه بعمق ومحبة، يخاطبنا معاً، ويخاطب كل منا أيضاً في الوقت نفسه. تعلمنا منه وهو صاحب مدرسة إعلامية ثورية عمق الرأي وموضوعيته ودبلوماسيته القادمة من فهم لما يدور حولنا.
سيطول ذكره، ورفاق دربه، من رحل منهم، ومن بقي ينتظر خلاص وطننا..
سنعيش بين دفات أوراقه.. بجمال الرواية وصدقها وعمقها وانتمائها الوطني..
وسنتذكره دوماً مع الكلمات.. والأغاني.. ومع نوار برقوق بيت سوريك الذي يصل شذاه مآذن القدس وقبابها معانقاً برتقال يافا هناك.. وأخواتها..
[email protected]

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق