الطريق إلى البيت .. الطريق إلى رام الله

08 ديسمبر 2019 - 07:37
عادل الأسطة
صوت فتح الإخباري:

"مدن تبنى على عجل" سطر شعري لمحمود درويش قاله في إحدى قصائده التي أتى فيها على رام الله، فالشاعر الذي أقام في المدينة لم ينسجم فيها كثيرا، وقد رأى أن حاضره فيها دون ماض. "لا ماضي له فيها سواك" كتب، ويقصد سوى حضور بعض الشخصيات فيها ممن انتسبوا إليها وكان لهم فيها ماض، ومنهم سليمان النجاب الذي رثاه الشاعر.
ولا أعرف ماذا كان سيقول في المدينة لو كان عاش فيها في عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات وحتى التسعينيات، وكان يسافر منها ويعود إليها يوميا أو في نهايات الأسبوع وبداياته؛ من نابلس إلى رام الله وبالعكس، أو من رام الله إلى القدس وبالعكس.
كانت الطريق من رام الله إلى القدس أو إلى نابلس، وبالعكس أيضا، تستغرق مدة قصيرة لا يشعر المرء فيها بضجر أو ملل، وإذا ما كان السائق يصغي إلى أم كلثوم فإن الراكب لا يستمع إلى الأغنية كاملة، وهذا ما لم يعد الآن قائما.
مع انتفاضة الأقصى صار التنقل من رام الله وإليها أمرا صعبا يسهل أمامه السفر من مطار اللد إلى مطار فرانكفورت. لقد غدا الوصول إلى رام الله مغامرة يجب التفكير فيها جيدا.
عندما بدأت أكتب زاوية "دفاتر الأيام" الأسبوعية في 2003 مرت سبعة أشهر تقريبا دون ان أستلم خلالها المكافأة. ومرة طلبت مني الجريدة مقالا عن رمز أدبي لمناسبة رحيله، وأظنه الشاعرة فدوى طوقان التي توفيت في أوج الحصار، وعلى هامش الطلب سئلت عن السبب الذي لا يجعلني استلم المكافأة، فأجبت بأنني بسبب الحصار والحواجز لا آتي إلى رام الله.
في حينه، كانت زيارة رام الله، لمن يرغب في زيارتها لمجرد الزيارة، أمرا يفكر فيه، فقد كان السفر مغامرة، ولمن يرغب في قراءة نص عن إشكالية الوصول إليها، فليس له إلا أن يعود إلى الأدبيات التي صورت معاناة الناس في تلك الأيام. ومن الأدبيات كتاب مريد البرغوثي "ولدت هناك ..ولدت هنا" وقصة أكرم هنية "زمن حسان" من مجموعة "دروب جميلة".
كان الوصول إلى رام الله مغامرة ويتطلب وقتا طويلا، قد يستغرق ساعات، وربما صار الناس، وهم يسافرون، يكررون المثل الشعبي "يوم الطحان يوم". فهل انتهى الأمر مع انتهاء الانتفاضة؟
في الأسابيع الثلاثة الأخيرة، زرت القدس من رام الله، وقد أنفقت في الطريق ذهابا وقتا أكثر مما أنفقت في القدس. ولم يختلف الأمر إيابا، وقد توصلت إلى أن زيارة القدس تحتاج إلى سروة مبكرة ورواح مبكر أيضا.
الخميس الماضي، زرت رام الله وأنفقت فيها بضع ساعات وفي الثالثة عصرا عدت إلى نابلس.
المسافة من رام الله إلى نابلس كانت تستغرق في الزمن الغابر أربعين دقيقة، وحين لا تكون هناك أزمة في زمننا الحاضر لا تستغرق أكثر من أربعين دقيقة أيضا، فكم احتجنا إلى وقت في يوم الخميس حتى نصل إلى نابلس؟
في الثالثة عصرا، ذهبت إلى مجمع السيارات فلم تكن هناك سيارات. كان هناك ركاب ينتظرون، وكان هناك، لأول مرة، مراقب يوزع بطاقات عليها أرقام لتنظيم حركة الصعود. غادرت المجمع ذاهبا إلى مجمع الباصات فلعل الاكتظاظ هناك أقل، ولم يكن الأمر مختلفا.
في الثالثة والربع، غادر الباص رام الله إلى نابلس، وكانت الطريق حتى حاجز زعترة ميسرة، ولكنها من الحاجز حتى المدينة لم تكن كذلك. لقد كان السير سيرا بطيئا وكان على الحافلات أن تسير كما تسير السلحفاة.
الطريق التي تستغرق أربعين إلى ستين دقيقة استغرقت ساعتين ونصف الساعة. هل ستبنى في قادم القرون في المدن في فلسطين مطارات ليتم السفر بواسطتها بين المدن.
في الأدبيات الفلسطينية التي كتبت بعد أوسلو رصد لافت لما ألم بمدننا من تغيرات، والآن على ما يبدو تحتاج الطرق العامة بين المدن في فلسطين إلى رصد التغيرات التي طرأت عليها، ويتبع هذا رصد نفسيات المسافرين وأحاديثهم وكيف ينفقون وقتهم في الحافلات.
كان المتنبي قال:
"وخير جليس في الزمان كتاب"
وصار الأوروبيون، وهم يتنقلون في القطارات من مدينة إلى مدينة، ومن بلد إلى بلد، يصطحبون معهم الكتب. في زماننا صار المحمول كتاب العصر، ومع ذلك فإن ثمة حكايات وقصصا يرويها المسافرون تحكي ذكرياتهم عن المكان وفيه.
قبل ثلاثة أسابيع، عدت من القدس في الرابعة عصرا إلى رام الله، ووصلت إلى رام الله في الخامسة والنصف. وفي أثناء العودة، من القدس إلى معبر قلنديا حكى أحد الركاب سيرة حياته. عرفت مثلا عن عمله السابق والحالي، وعرفت عن سكنه في بيت حنينا ثم تغيير مكان السفر إلى كفر عقب، وعرفت عن أجور البيوت في المكانين، ولم يترك الراكب مكانا أو شارعا مررنا به دون أن يحكي عنه.
وفي الطريق من نابلس إلى رام الله، جلس إلى جانبي شاب من مخيم عسكر القديم يدرس الأدب الإنجليزي في كلية المعلمين التابعة لوكالة الغوث، ولما كان الحديث ذا شجون، فقد عرفت من هم أعمامه وأخواله واسترجعت معه قصة جده وجدته وأهله وتاريخ المخيم والناس وحكى لي عن أحلامه وطموحاته و .. و ...
حقا، هل سيفكر الفلسطينيون بإقامة سكك قطارات للتنقل بين المدن أم أن القرون القادمة ستشهد بناء مطارات؟
كل شيء ممكن و"عالمنا تغير كله".
(بدأت الكتابة بذكر محمود درويش وفي المرتين كان من أسباب سفري الحصول على كتابين صدرا مؤخرا عنه؛ أولهما لزياد عبد الفتاح وثانيهما لحسن خضر).

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق