كـلّ هـذا لـم يـعـد يـحـدث

28 يناير 2020 - 09:41
زياد خدّاش
صوت فتح الإخباري:

«عند مين السهرة الليلة؟»، الجلوسُ أرضاً مساءً على (الجمبيات) مع الأعمام وأبناء العم، ضحكاتُ الرّجال الطويلة عن قصصٍ قديمة لرجالٍ ماتوا هناك، أحاديثُ امرأة عمي إبراهيم عن الغولة والشاطر حسن وأبو رجل مسلوخة، الشايُّ الغامق المحلى بشكلٍ متطرف مع نكهة الميرامية المذهلة، قصصُ البلاد التي تتكرر فيها كلمة (الكامب) معسكر الإنجليز الذي أقيم قرب البلاد وكان يشتغل فيه آلاف العمّال العرب  من قرى الرملة، الإحساسُ بأُلفةٍ خاصة مع الأشياء، الأمانُ الغريب في الجو العائليّ، إصغاؤنا، نحنُ الأطفال، لأحاديثِ الرّجال، الاستلقاءُ على البطن ورفع الأرجل والاتكاء باليدين على الذّقن، الشايُ الحلو باستمرار وبلا توقف، أحاديثُ أبي الدافئة عن شطارتي في وضع الكلمات في جملٍ مفيدةٍ، العودةُ بعد العاشرة مساءً إلى البيت، اللوكس بيد أبي وفي أقدامنا يمشي خوفٌ كبير من الغولة وأبو رجل مسلوخة، النومُ سريعاً فور الاندساس في الفراش، الاستيقاظُ عند السادسة صباحاً على يديّ الأم العظيمة وصوتها، الزّيت والزعتر والشاي على طاولة مع الأشقاء، المدرسة القريبة، طعمُ الساندويش اللّذيذ من كافتيريا المدرسة أثناء الاستراحة، الدفء الغريب في أحاديثي مع أصدقائي في المرحلة الإعدادية عن أشياءٍ غامضة مريحة وقاسية في آنٍ لم أعد أتذكرها، الغرقُ في سخونةٍ رائعة لطعامِ الغداء، الخروجُ من البيت لتسلق المرتفعات والقفز عنها، صراخٌ ودمٌ وشجارات مع أطفال الحارة، الإدمانُ كلّ سبت الساعة العاشرة مساءً على مشاهدة المسلسل الأميركيّ البوليسيّ (ستارسكي وهاتش) في تلفزيون قهوة المخيم ثم العودة إلى البيت أول المخيم من آخره بعد الثانية عشرة ليلاً نرتجفُ استثارةً من متعة المسلسل ومن رعب الطريق إلى البيت، الاستيقاظ صباحاً نَهذي بأحداثِ المسلسل، المدرسة والساندويش والأحاديث الحساسة والنظر الطويل خارج السور، العودة إلى البيت، الطعام الساخن والجبل والقفز والدم، العودةُ إلى البيت مساءً لانتظار الكلمة السحرية «عند مين السهرة الليلة؟».

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق