الفساد والتحرير لا يستويان

14 ديسمبر 2019 - 08:02
عبد الناصر النجار
صوت فتح الإخباري:

هل ما زلنا في مرحلة التحرر وبناء الدولة؟ أم نحن دولة مستقرة من دول العالم الثالث؟ في الحقيقة، نتشابه في كثير من الصفات مع الدول التي تسودها العشائرية السياسية والقبلية الحزبية ... السلبيات مسموحة أو يمكن غض النظر عنها، كالذي يدفن رأسه في الرمال ويقول «كل شيء تمام»!!!
مؤسسة الشفافية الدولية أطلقت نتائج مقياس الفساد العالمي للمنطقة العربية، فلسطين واحدة من بين ٦ دول شملها المقياس وهي لبنان والمغرب والسودان وتونس وفلسطين والأردن.
النتائج جاءت صادمة للبعض، فيما البعض الآخر يدعي أن النسب الحقيقية أعلى بكثير، أما السلطة التنفيذية بأذرعها المختلفة وعلى رأسها هيئة مكافحة الفساد غير راضية عن النتائج وتعتبر أن هناك مبالغة فيها، وأنها لا تعكس الحقيقة.
هيئة مكافحة الفساد لا تقول إن النتائج غير صحيحة على الرغم من الاهتمام الكبير بالتقرير، لكنها تقول إنها لا تعكس الواقع بشكل دقيق ولو كان الواقع هكذا لشاهدنا ذلك في حجم الشكاوى المقدمة إلى الهيئة. وكأن الفساد مرتبط بعدد الأشخاص الذين يقدمون شكاوى! فهذا أيضاً مؤشر غير منطقي لمجتمع محافظ وربما أكثر من ذلك في بعض المناطق. فكم من امرأة أو فتاة تم التحرش بها على سبيل المثال تقوم بتقديم شكوى ضد المتحرش، علماً أن استطلاعات الرأي لطالبات جامعيات وموظفات في القطاع العام أو الخاص أو الأهلي تشير إلى أن نسبة عالية منهن تعرضت للتحرش ابتداء باللفظي ثم النفسي، ثم الجسدي! إذن هذا مؤشر لا يمكن الاعتماد عليه لقياس نسبة الفساد القائم على عدد الشكاوى، خاصة عندما يكون الفاسد ذا سلطة أو يملك من القوة المؤثرة ما يمنع المواطن المعتدى على حقوقه من تقديم شكوى ضده لأنه يخاف النتائج.
نعود إلى الاستطلاع الذي يظهر أن ٣٩٪ من الفلسطينيين استخدموا الواسطة للحصول على خدمات حكومية سواء في مجال الصحة أو الرعاية الاجتماعية أو التعليم أو معاملات الأحوال الشخصية.
لو سألت عينة كاملة من المواطنين وليس عينة عشوائية كما استند إليه استطلاع الشفافية الدولية فربما كانت النتائج أعلى بكثير، فكل فلسطيني له معاملة متعثرة مع أي جهة حكومية لا شك في أنه يبحث عن واسطة للمساعدة، على الرغم من أنه في بعض الظروف قد يكون المواطن على حق، وعلى الرغم من ذلك فإن دخول شخص متنفذ على الخط هو نوع من الفساد، لأن ذلك يبقينا في دائرة مغلقة، وقد تصبح الواسطة هي القاعدة وليست الاستثناء.
هناك نسبة ثانية مهمة، وهي أن ١٧٪ من الفلسطينيين دفعوا رشوة مقابل الحصول على خدمات حكومية أو غيرها، والملاحظ هنا أن الحديث عن القطاع الحكومي، ولكن ربما حجم الفساد في القطاع الخاص أو القطاع الأهلي أكبر وأعمق. فلا عجب أن ترى في مؤسسة أهلية تتلقى الأموال باسم الشعب الفلسطيني فيما غالبية موظفيها من لون واحد أو فصيل واحد.
على كل، قد يكون الفساد «المقونن» هو الأخطر، أي الفساد الذي لا يظهر على السطح ويكون في الوقت نفسه قانونياً مثل التقدم للعطاءات أو تقديم الفواتير أو غير ذلك.
في عهد الاحتلال كنا نفهم سبب انتشار الرشوة بدءاً بالعملاء وليس انتهاء ببعض المخاتير الذين كانوا يقدمون الخدمات مقابل مبالغ مالية مثل إصدار التصاريح ولم شمل العائلات، وربما في كثير من الأحيان كانت القيمة معروفة.
حتى في أيامنا هذه تجارة التصاريح تتم بشكل علني على حساب العمال، والفساد على أشده، كل تصريح عمل مقابل ٢٥٠٠ شيكل لمدة ثلاثة أشهر، حتى أصبحت هناك ظاهرة تسمى «مافيا التصاريح».
الإشكالية عند المواطن «الغلبان» أنه كلما نظر إلى جهة ما شاهد فيها مظهراً من مظاهر الفساد.
نقطة أخيرة، وهي أن محاولة تبرير أن الفساد هو بسبب ارتفاع النسبة في قطاع غزة الذي تسيطر عليه حماس أيضاً غير موفق، لأننا لسنا دولتين ولا شعبين نحن شعب فلسطيني واحد، لا يهمنا ولا يسرنا أن النسبة في غزة أعلى، أو في الضفة أعلى، المهم أن هناك فساداً، يسمى الفساد الفلسطيني وليس الفساد الشمالي أو الجنوبي.
إن أهم سبب لتفشي الفساد ربما هو الثقافة السائدة، ثقافة الصمت وعدم المواجهة، ثقافة المغلوب على أمره، ثقافة المشي بجانب الحيط طلباً للستر.. وليس ثقافة الدمقرطة والحرية والتربية منذ الطفولة على المواجهة والتصدي.
حان الوقت إلى أن نبدأ الاستثمار في أطفالنا وربما في شبابنا القادرين على التشبع بأفكار التصدي والمواجهة والنفير وخلق المجتمع الديمقراطي القائم على الحوكمة، لأنه في النهاية لا فرق مثلاً بين فلسطيني ولبناني ومغربي وبين آخر يعيش في السويد أو النرويج إلا أن الآخر تشبع منذ اللحظة الأولى لولادته بمفاهيم نحن بأشد الحاجة إليها.
فلسطين استثناء لأنها دولة تحرر ولأن فصائلها يفترض أن تكون فصائل تحرر لا فصائل تبحث عن الغنائم لأن في ذلك مفسدة أكبر من الفساد!!!

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق