جامعات فلسطين تضخ آلاف الخريجين لمستقبل مجهول

16 يناير 2020 - 14:26
صوت فتح الإخباري:

جيش من الخريجين تدفع بهم الجامعات إلى سوق العمل الفلسطيني كل عام، واضعة تحديات كبيرة أمام قدرة السوق على استيعابهم، في ظل محدودية الفرص وضعف الاقتصاد الفلسطيني.

51 مؤسسة تعليم عال فلسطينية خرجت في العام 2017-2018 أكثر من 45 ألف خريج، غالبيتهم الكبرى يحملون تخصصات في العلوم الإنسانية، في وقت يشهد فيه سوق العمل تُخمة بحملة هذا النوع من التخصصات، ويفتقر بالوقت نفسه للكثير من التخصصات المهنية والتقنية.

ويبدو جليًا وجود فجوة ما بين مخرجات المؤسسات التعليمية كمّاً ونوعاً، وحاجات سوق العمل.

ويرى وكيل وزارة العمل سامر سلامة ضرورة في تحليل هذه الارقام وعدم التعامل معها كأرقام جافة.

ويقول لوكالة "صفا" إن نحو 23% من الخريجين هم من خريجي جامعة القدس المفتوحة، ونسبة كبيرة من هؤلاء التحقوا بالتعليم وهم على رأس عملهم، وبالتالي لا يمكن تصنيفهم كداخلين جدد لسوق العمل.

ويضيف أن الإحصاءات تشير إلى أن سوق العمل الفلسطيني يولّد من 15000-18000 فرصة جديدة سنويًا.

ويذكر أن الاقتصاد الفلسطيني يقوم على المنشآت الصغيرة والعائلية، وبعض الخريجين يصنف نفسه بأنه عاطل عن العمل، رغم أنه يعمل بمنشأة عائلته، أو لديه عمله الخاص، كما أن نسبة كبيرة من خريجي الجامعات يعملون داخل الخط الاخضر.

ويقدّر سلامة عدد الخريجين الذين لم يحصلوا على فرصة عمل بما لا يزيد عن 10 آلاف فقط، "وهؤلاء عادة ما يفكرون بالهجرة أو يختارون استمرار البحث عن عمل".

فجوة كبيرة

ولا يخفي سلامة وجود فجوة كبيرة بين احتياجات سوق العمل ومخرجات المؤسسات التعليمية، مشيرًا لوجود نوعين من عدم المواءمة، الأول نوعيّ، والثاني كميّ.

ويشير إلى أن طلبة العلوم الإنسانية يمثلون نحو 70% من الملتحقين بالتعليم العالي، وأن 90% من الملتحقين بهذه العلوم هم من الإناث، واللواتي يسعين للعمل في حقل التعليم.

ونتج عن ذلك أن البطالة تتركز في صفوف الإناث، حيث تبلغ نسبة مشاركة المرأة الشابة في سوق العمل 7%، في حين أن نسبتها بين الخريجين تصل إلى 70%.

كما يجب عدم إغفال الفارق في معدلات البطالة بين الضفة وغزة، ففي حين تبلغ نسبة البطالة في الضفة 17.5% ترتفع في غزة إلى الضعف بنسبة 35%.

نقص المهارات

ويكاد يجمع المختصون بقطاع العمل على أن نقص المهارات لدى الخريجين هي إحدى أهم عوامل ارتفاع البطالة في صفوفهم.

ويقول سلامة إن سوق العمل الفلسطيني- كما هو حال الأسواق العالمية- بات يركز على المهارات والكفايات أكثر من تركيزه على المعرفة، والمقصود هو مهارات القرن الواحد والعشرين.

ويلفت إلى أن كثيرا من الخريجين يفقدون فرصتهم بالعمل لافتقادهم هذه المهارات، وهو ما يدعو الجامعات لإعادة النظر في اعتمادها على إكساب الطالب التعليم الأكاديمي البحت، والعمل على إعطاء هامش للتدريب العملي.

ويعتقد سلامة أن هناك حاجة للتوجه نحو التعليم الهجين، والذي يتلقى فيه الطالب تعليما أكاديميا لمدة سنتين، ثم ينتقل في السنتين الأخريين إلى التعلم في سوق العمل.

ويبين أن هذا النظام غير مطبق حتى الآن، وإن كان هناك نظام قريب منه مطبق في جامعة القدس، هو نظام التعليم الثنائي.

ويقول إن المطلوب هو نظام تعليمي يكسب الطالب مهنة مساندة لتخصصه، فالسوق بحاجة إلى المحاسب الذي يتقن التطبيقات المحوسبة في المحاسبة، أكثر من ذلك الذي يفهم النظم المحاسبية، مثلا.

ويرى أن الفجوة الموجودة هي فجوة مهارات وتخصصات، نتج عنها أن نسبة كبيرة من الخريجين لا يعملون بتخصصاتهم.

تغيير مسار

وجود نسبة كبيرة من الخريجين الذين لا يعملون بتخصصاتهم دفع وزارة العمل في الضفة الغربية المحتلة لإنشاء برنامج تدريبي يقوم على تغيير المسار المهني.

وبدأ تطبيق البرنامج منذ سنتين ضمن برنامج التدريب المهني المستمر، لتوفير مهن بديلة.

ويقول سلامة إن هذا البرنامج مفيد لمن اكتشف متأخرا أنه لم يدرس التخصص المناسب، أو لمن درس تخصصا لا يرغب به لأي سبب كان.

ويسعى البرنامج لاستقطاب أكبر عدد من خريجي الجامعات، خاصة وأنه يوفر فرصة التدريب المسائي ليلائم من لديه عمل منهم، وهو متوفر بكل مراكز التدريب المهني في كل المحافظات.

حاجة المواءمة

ويقر الوكيل المساعد لشؤون التعليم العالي إيهاب القبج، بوجود مشكلة في مواءمة التخصصات، لكنه يرى أنها "ليست مشكلة عظيمة تحتاج إلى إعادة تأهيل وتطوير وتحديث كل البرامج الأكاديمية".

ويقول لوكالة "صفا": "نعم هناك برامج بحاجة إلى تطوير، لكن هناك برامج تخضع حاليا لعملية تطوير، والجامعات تقوم بدورها في ذلك".

ويوضح أن الوزارة تحث الجامعات باستمرار على فتح شراكات مع سوق العمل، والتطلع إلى احتياجات هذا السوق والأسواق الإقليمية والعالمية، ومحاولة مواكبة جميع برامجها الأكاديمية للاحتياجات المتجددة لهذه الأسواق.

ويلفت إلى أن خريجي الجامعات الفلسطينية أقوياء أكاديميا، ولديهم القدرات والإمكانيات، لكن ينقصهم أحيانا بعض المهارات، وهي مهارات القرن 21.

ويدعو كل الجامعات للتركيز على المهارات الحياتية التي تتطلبها الأسواق العالمية، كمهارات القيادة والحاسوب والانترنت واللغة وغيرها.

ويضيف "يجب على الجامعات التأسيس منذ بداية التحاق الطالب بها، وأن تصقل شخصيته بما يتناسب مع احتياجات الأسواق".

استراتيجية قطاعية

ووفق القبج، فإن وزارة التعليم العالي بصدد صياغة استراتيجية قطاعية جديدة للتعليم العالي للأعوام 2020-2023 تضم خمسة محاور، أهمها محور المواءمة والجودة.

ويقول "من خلال الاستراتيجية القطاعية سنقوم بتدخلات استراتيجية لجعل المواءمة حقيقية، من خلال دراسة السوق، والعودة للجامعات لتعدل برامجها بما يلزم".

ويلفت إلى أن الوزارة بدأت منذ العام الماضي تطبيق نظام متابعة الخريجين، والذي يعطي مؤشرات كثيرة عن الفجوات ما بين متطلبات السوق وما يمتلكه الطالب".

ويشير إلى أن هذا النظام يقوم على توزيع ثلاث استبانات على ثلاث جهات، هي: الطالب، والمشغل، والمؤسسة التعليمية.

وبعد تحليل النتائج، يتم تحديد الفجوة بين المخرجات وسوق العمل، وتعاد هذه النتائج إلى المؤسسة لتعدل برامجها وخططها التدريسية وأسلوب التدريس فيها.

ايقاف برامج

وبإلقاء نظرة على البرامج التعليمية التي توفرها الجامعات والمؤسسات التعليمية، وأعداد الطلبة الملتحقين بها، يظهر وجود الكثير من البرامج التي لم يعد لها طلب في سوق العمل، أو يفيض عدد خريجيها عن الحاجة السنوية.

ويقول القبج إن الوزارة أوقفت العديد من البرامج التي تعاني من تخمة بأعداد الخريجين، وفيها اكتفاء لسنوات عديدة قادمة.

كما دعت الجامعات إلى إغلاق مثل هذه البرامج أو تعديلها، وتجاوبت معظم المؤسسات مع هذه الدعوة.

ويضيف "الوزارة ومن خلال الهيئة الوطنية للاعتماد والجودة والنوعية تحث الجامعات باستمرار على إغلاق البرامج غير الضرورية، وتعديل البرامج القائمة بما يتواءم مع احتياجات سوق العمل باستمرار".

ويؤكد أن البرامج التي تقوم الوزارة باعتمادها هي برامج مطلوبة وقريبة للغاية من المحور التقني والمهني.

آفاق وفرص

ويقول مدير وحدة الخريجين في جامعة النجاح رافع دراغمة- من خلال عمله لسنوات في متابعة الخريجين- إنه: "لا يوجد خريج بلا عمل، إلا من لا يبحث فعليا عن عمل".

ويشير إلى أن الخريج يتجه في البداية للبحث عن وظيفة في مجال تخصصه، وإذا لم يجد فإنه يبدأ بالابتعاد عن تخصصه شيئا فشيئا، إلى أن يصل إلى مرحلة القبول بأي عمل متاح.

وفي غياب فرص العمل، فإن الخريج يبحث عن فرصة للتدرب والتطوع براتب بسيط أو مجانا، بهدف بناء شخصيته واكتساب الخبرة.

في حين يتجه بعضهم لإقامة مشاريع خاصة بالغة الصغر، بعد الالتحاق بدورة تدريبية.

أما فيما يتعلق بفرص العمل عن بُعد، فهناك شركات محلية متخصصة بالتشغيل عن بُعد، وغالبيتها متخصصة بالتطبيقات والبرمجيات.

لكنه يبين أن الخريجين الشباب لا يميلون لهذا النوع من العمل لأنه لا يوفر لهم وظيفة المستقبل التي يمكنهم الاعتماد عليها في تأسيس أسرة.

كما أن العمل عن بُعد مرتبط بطبيعة التخصصات، وأكثرها شيوعا هي تخصصات هندسة الحاسوب، والترجمة، والرسم، والتصميم الجرافيكي.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق