"معاريف"لا يـوجـد لـلـضـم أي صـلـة بـأمـن إسـرائـيـل

28 يوليو 2020 - 08:48
صوت فتح الإخباري:

بقلم: إيهود أولمرت*
على مدى سنوات طويلة كان في إسرائيل إجماع على أن غور الاردن منطقة ذات أهمية استراتيجية لأمننا، ومنذ حرب "الأيام الستة" من الواضح للجميع أنه في تسوية سياسية مستقبلية يجب أن يكون مضموماً لأراضي الدولة السيادية. وحتى في أوساط أولئك الذين شككوا بمدى حيوية ضمه كان هناك فهم بأن الجيش الإسرائيلي سينتشر في الغور في كل وضع وفي كل اتفاق.
يقوم هذا الفهم بقدر كبير على القلق الذي ألم بالجمهور الإسرائيلي أثناء فترة الانتظار عشية حرب "الأيام الستة". فوجود جيش أردني مدرب ومجهز في منطقة الضفة الغربية تسبب بمخاوف مفهومة، وحتى بعد النصر الحاسم في الحرب واحتلال الضفة، كان الاجماع على الحاجة للسيطرة في الغور يوحد معظم أصحاب القرار في إسرائيل.
ولكن من يواصل العيش في اجواء الخوف، التي سادت في العام 1967، يتجاهل على اي حال حقيقة أن العام هو 2020 واننا نعيش في واقع جغرافي – سياسي، عسكري، تكنولوجي وسياسي مختلف تماما. قبل 50 سنة كان الغور ذخراً استراتيجياً، أما اليوم فلا.
عشية حرب "الايام الستة" كان للأردن جيش قوي جداً. ليس قوياً بما يكفي لهزيمة إسرائيل ولكنه جيش مع فرق مدرعات، سلاح جو، ووحدات برية ذات قدرة قتالية. شرقه، العراق كان له جيش اكبر بكثير، شكّل بالتأكيد تهديداً حقيقياً على أمن إسرائيل. في ظل وجود هذه المعطيات، كان في حينه منطق لوصف الغور منطقة ذات اهمية استراتيجية، تمنحنا السيطرة فيها تفوقاً نسبياً في حالة هجوم منسق من الجبهة الشرقية.
لم يعد هذا الواقع موجودا. فالجبهة الشرقية تبددت. والأردن ليس دولة عدواً، بل الحليف الذي يتعاون معنا في مواضيع ذات أهمية استراتيجية من الدرجة الأولى. شرقه لا يوجد جيش عراقي يشكل تهديدا. كما ان علاقاتنا مع العراق اليوم مختلفة تماماً عن تلك التي كانت لنا معه في الماضي، ولا سيما في عهد صدام حسين. الجيش العراقي هزيل، ضعيف، ولا يملك القدرة على تهديد إسرائيل، حتى في خليط من القوى المستقبلية مع آخرين.
بكلمات اخرى فان من يدعي اليوم بان الغور حيوي لنا لاعتبارات أمنية لا يزال على ما يبدو يعيش مخاوف 1967، او يحاول أن يبيع لنا قصة كاذبة عن خطر ليس قائماً، عن حاجة امنية ليس لها اساس في الواقع وعن تحدٍ استراتيجي عديم القيمة.

***
في العام 2008، عندما كنت رئيساً للوزراء، وأدرت مفاوضات مع السلطة الفلسطينية بهدف الوصول الى تسوية سياسية واتفاق سلام، كنت لا أزال مشغول البال من امكانية أنه في المستقبل حتى لو قامت دولة فلسطينية على معظم اراضي الضفة، سيحاول جيش اجنبي اجتياز نهر الأردن. كان واضحاً لي انه يجب أن يكون هناك جواب على مثل هذه الإمكانية. حتى وان كانت احتماليتها متدنية جداً.
أجريتُ محادثات عنيت بالموضوع مع الملك الأردني، عبدالله الثاني، الذي كان صديقا حقيقياً لإسرائيل في ولاية أريك شارون وفي عهد ولايتي على حد سواء. وتمنى الملك إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وكان واضحاً لكلينا ان مثل هذه الدولة لن تقوم اذا ما أصرت إسرائيل على ضم الغور او الابقاء فيه على تواجد عسكري كبير. استوضحت معه اذا كان مستعداً ليقبل امكانية ان يرابط على طول النهر (الذي كان يفترض ان يكون الحدود الشرقية للدولة الفلسطينية)، في الاراضي السياسية للاردن جيش دولي يقوم على اساس قوات الناتو. جيش كهذا كان سيمنع عبوراً حراً للفلسطينيين من الضفة الى الاردن ومنه الى الضفة، ويشكل عاملا رادعاً من اي محاولة لجيش اجنبي اجتياح الاردن ومنه الى إسرائيل.
رد الملك بالايجاب: ترتيب كهذا كان معقولاً في نظره وبالتأكيد قابلاً للتنفيذ. وزيرة الخارجية الأميركية في حينه، كونداليزا رايس، سمعت مني الفكرة وحصلت من الملك على الانطباع ذاته. كان واضحاً ان التفاهم في هذا الموضوع سيحل احدى المسائل الاكثر اساسية في كل تسوية سياسية بين إسرائيل وبين الفلسطينيين.
إضافة الى التفاهم الذي بدأ ينضج مع الملك الاردني، كنت قبل ذلك قد كلفت وزير الدفاع، ايهود باراك، وشعبة التخطيط في الجيش الإسرائيلي برئاسة اللواء عيدو نحوشتان في إعداد خطة أمنية تكون جزءا من التسوية السياسية. الخطة، التي تضمنت ثمانية عناوين أساسية، عرضها باراك على الرئيس بوش ونالت موافقته، ولاحقاً رفعت الى الرئيس أوباما الذي تبناها.
بودي أن اشدد هنا على موضوع واحد يرتبط بقضيتنا: شرح باراك في حينه للرئيس بوش بأنه حتى مع وجود تسوية سلمية مع الفلسطينيين ووجود تسوية مناسبة لخلق خط عسكري لامع على طول نهر الاردن، تحتاج إسرائيل ان يكون لها رد لامكانية أن يحاول ذات يوم جيش أجنبي اجتياز النهر والهجوم عليها. واتفق في الخطة على أنه في مثل هذه الحالة يكون لإسرائيل الحق بارسال جيشها باتجاه الاردن للقاء الجيش الغازي قبل أن يفرض تواجداً في الضفة. فمثل هذا التسلل الإسرائيلي الى الاراضي الفلسطينية لن يعد احتلالاً وخرقاً للقانون الدولي بل ممارسة لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. وقد قُبل هذا المبدأ. وكان معروفاً ايضا للفلسطينيين ومقبولاً منهم. وكما اسلفنا، خلفت ادارة بوش هذا التفاهم لإدارة اوباما، التي قال مندوبوها لي لاحقاً انه كان مقبولاً لديهم تماماً أيضاً.

***
غير انه في حينه، بالطبع، جاء نتنياهو. مثلما في الكثير من المواضيع الأخرى فانه يتجاهل الظروف المتغيرة والقوة العسكرية والتكنولوجية الهائلة لإسرائيل، والتي تسمح لها بان تمشط كل وحدة اقليمية على مسافة كبيرة من حدودها، لتعطي إخطارات بتحركات لقوات عسكرية، وكذا الوصول الى أهداف بعيدة وتدميرها بوسائل مختلفة.
يعرف نتنياهو جيداً أنه لا توجد أي حاجة أمنية عاجلة تتطلب ضماً أحادي الجانب للغور. فهل من كان مقتنعاً بأنه توجد لإسرائيل قدرة على مهاجمة ايران - القوة العظمى العسكرية الاقليمية الجدية، ذات قدرة الدفاع المضادة للطيران المتطورة وترسانة الصواريخ بعيدة المدى – يمكنه أن يدعي بجدية بأن مشكلتنا الامنية الاكثر الحاحاً هي غور الاردن.
من الواضح أن ليس لخطوة الضم اي صلة بأمن إسرائيل، وبالحاجة الى عمق استراتيجي وبالخوف من تهديد حقيقي على إسرائيل. هذا جزء من ثقافة الفزع الزائف، الساعي الى أن يخلق في الجمهور الوعي بأننا نوجد كل الوقت في خطر وجودي، وان هناك من يلاحظه ويعرف كيف يعطيه رداً شجاعاً، صهيونياً، مناسباً.
غير أن إسرائيل لا تلعب وحدها في هذه الساحة. ضم أحادي الجانب للغور وفرض للقانون الإسرائيلي على المستوطنات في "يهودا" و"السامرة" ليس في إطار اتفاق وليس وفقا لخطة ترامب، هذه الأيام بالذات، هو استفزاز زائد، اولا وقبل كل شيء لترامب وللولايات المتحدة. يقول الكثيرون: لماذا لا نستغل حقيقة أنه يوجد الآن في البيت الابيض رئيس متعاطف ومستعد للتسليم بمثل هذه الخطوات؟ لماذا الانتظار؟ ولكن ترامب يمكنه ايضا ان يفسر الحماسة الملحة لإسرائيل لتنفيذ خطوات من طرف واحد كعدم ثقة من جانب نتنياهو في امكانية ان ينتخب لولاية ثانية. اذا كنا نعتقد بأن ترامب سينتخب مرة ثانية، فلماذا لا ننتظر تشرين الثاني، وعندها بالتعاون معه، نضم "المناطق"؟
واذا خسر ترامب في الانتخابات حقاً فهل يجدر بإسرائيل أن تستفز بديله الديمقراطي، جو بايدن، الذي سبق أن حذر من ضم احادي الجانب؟ هل الضرر الذي سيلحق بنا عندها يبرر المنفعة المتوقعة (وبرأيي كما اسلفنا لا توجد منفعة كهذه) من ضم احادي الجانب في تموز؟
وماذا اذا رفع "الارهاب" الفلسطيني رأسه؟ وماذا اذا اعاد الفلسطينيون النظر في العلاقات مع إسرائيل؟ وماذا اذا اتخذت دول اوروبا خطوات حقيقية يمكنها أن تضر بإسرائيل جداً؟ وماذا اذا انضمت دول اخرى – الدول العربية المعتدلة، روسيا، الصين ودول في جنوب أميركا وفي آسيا – الى موجة حادة مناهضة لإسرائيل، دون ان يقف الرئيس الأميركي الجديد للدفاع عنا؟
وكل هذا فقط من أجل تأجيل المحاكمة، وإملاء جدول أعمال، وإسكات الاضطراب المتصاعد لمئات آلاف العاطلين عن العمل في ضوء الأزمة العميقة، التي كلها ثمرة فشل الحكومة في معالجة وباء "كورونا" وربما أيضا كي يرتب لنفسه بضع امتيازات مالية وإعفاءات ضريبية اخرى. نتنياهو يندفع الى الأمام، بلا لجام وبلا مسؤولية. يجب الوقوف في وجهه، ويفضل أن يكون في ساعة مبكرة.
 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق