«هآرتس»انفجار ميناء بيروت: التداعيات السياسية على "حزب الله" ولبنان

06 أغسطس 2020 - 07:54
صوت فتح الإخباري:

بقلم: تسفي برئيل

الأفلام القصيرة، التي نشرت مشاهد الانفجار الفظيع، الذي حدث مساء أول من أمس في ميناء بيروت، أدت كما هو متوقع الى سلسلة توقعات حول الأسباب والعوامل المسببة للحدث. في البداية قيل إن الامر يتعلق بمخزن خُزنت فيه اطنان من المفرقعات التي أعدت للاستخدام في الاعياد. وبعد ذلك قالت مصادر عسكرية رسمية إن مواد قابلة للاشتعال أو مواد متفجرة تمت مصادرتها خلال سنين وخزنت في الموقع هي التي أدت الى الانفجار.
ولكن بينما يجري التحقيق بصورة محمومة فإنه سرعان ما سمعت في لبنان تحليلات متسرعة تقول إن الأمر لا يتعلق بحادثة أو إهمال، بل بعملية. انفجار أول من أمس، الذي ذكّر الكثيرين بسلسلة الانفجارات التي حدثت في لبنان في الثمانينيات والانفجار الكبير في العام 2005 الذي قتل فيه رئيس الحكومة، رفيق الحريري، الذي كان يسافر في قافلة محمية – تدل على ان الامر يتعلق بعملية نفذت على أيدي جهات لبنانية.
وُجّهت أصابع الاتهام في لبنان، أول من أمس، الى إسرائيل ورافقها تفسير يقول إن المس بميناء بيروت هو جزء من المعركة التي تشنها إسرائيل ضد إيران. محللون في لبنان ذكروا في الوقت ذاته بالحريق الذي اشتعل قبل بضعة اسابيع بسفن إيرانية في ميناء بوشهر في الخليج الفارسي، وكذلك بأحداث اخرى حدثت في إيران، نُسب عدد منها لإسرائيل. علامات الاستفهام التي يجب على الجهات الامنية اللبنانية الاجابة عليها تتعلق ايضا بمسألة ملكية المخازن التي انفجرت ونوعية «المواد القابلة للاشتعال»، ولا يقل اهمية عن ذلك سؤال هل هناك المزيد من هذه المواد في الميناء وفي الاحياء السكنية وفي مواقع حساسة اخرى؟
السؤال الاخير ستكون له تداعيات مهمة، ليس فقط على طبيعة نشاطات «حزب الله»، بل أيضا على الصراع السياسي الجاري في لبنان حول الازمة الاقتصادية والازمة الصحية التي أوجدتها جائحة «كورونا». وحتى لو تبين أن الانفجار سببه حادث وليس عملية فان حجم الضرر الكبير والعدد المرتفع للقتلى والمصابين ستطرح اسئلة حادة حول تخزين الذخيرة والصواريخ والوسائل القتالية والمواد المتفجرة في التجمعات السكانية. يعرف المواطنون اللبنانيون جيداً خارطة انتشار قواعد «حزب الله» ومخازن الصواريخ، حيث نشرت في وسائل الاعلام ومواقع الانترنت. وكل من يعيش في محيطها يدرك الخطر الذي يتهدده، سواء حادثة يمكن أن تتسبب بالانفجار أو خشية من ضربة إسرائيلية متعمدة لهذه المواقع. يحوّل الانفجار في الميناء تهديد العيش في لبنان الى تهديد حقيقي اكثر من أي وقت آخر.
ولكن تفكيك هذه المخازن وإبعادها عن التجمعات السكانية هو موضوع حساس سياسيا، حيث إن المعنى هو نزع سلاح «المقاومة اللبنانية» وإبقاء الدولة خالية من قوة تردع إسرائيل. امتنعت القيادة السياسية في لبنان عن المطالبة بصورة مباشرة بنزع سلاح «حزب الله»، رغم أن الطبيعة العسكرية للتنظيم واعتباره تنظيما ارهابيا في الولايات المتحدة وعدد من الدول الاوروبية تمس بقدرة لبنان على الحصول على المساعدات المالية والقروض من صندوق النقد الدولي للخروج من الازمة الاقتصادية الشديدة التي يغرق فيها.
ربما سيؤدي الانفجار في ميناء بيروت الآن الى تغيير، على الاقل في الخطاب العام المدني، وربما ايضا في اوساط جزء من القيادة السياسية. معارضو «حزب الله» قد يطالبون بإخراج مخازن السلاح والذخيرة التابعة للتنظيم من المناطق السكنية. ويتوقع أن يعارض «حزب الله» هذا الطلب؛ لأن تطبيقه سيعرضه لضربة إسرائيلية، ربما تم منعها الآن خوفا من الاضرار بالمدنيين الابرياء.
إن رفع سقف مطالب «حزب الله» يرتبط برد الجمهور وبالطريقة التي ستتعامل بها حركات الاحتجاج مع الانفجار كتهديد وطني، تتحمل المسؤولية عنه القيادة السياسية. في هذه الحالة حتى لو كانت التهمة الرسمية للحكومة تقلصت الى اهمال صيانة المخازن القابلة للانفجار، فهي ستضطر الى فحص تهديد مواقع تخزين اخرى، منها التي يملكها «حزب الله».
بناء على ذلك يمكن توقع أن تبذل في الايام القريبة القادمة كل الجهود، سواء من جانب الحكومة أم «حزب الله»، لاثبات أن الامر يتعلق بالقضاء والقدر، وأنه حدث بسبب التلف الطبيعي للمواد القابلة للاشتعال أو بسبب الحرارة، وأنه يجب على الحكومة فحص كل مخزن وكل موقع ذي إمكانية كامنة عالية للانفجار دون الوعد بأنه ستتم ازالته من التجمعات السكانية من أجل الامتناع عن مواجهة مع «حزب الله».
حتى لو كان الأمر يتعلق بحادثة فان انفجارا كبيرا كهذا في الميناء الرئيسي في لبنان يرسل رسالة صادمة ايضا لإيران التي قبل شهر تقريبا أعلنت أنها تنوي إرسال سفن مساعدة للبنان، منها ناقلات نفط، حتى أنه تم الحديث عن سفن سيتم تركيب محطات طاقة عليها توفر الكهرباء لبيروت. أثارت مسألة المساعدات الإيرانية وتثير خلافا سياسيا في لبنان حول التزامه بالعقوبات المفروضة على إيران.
يبدو أن قبول المساعدة من إيران لا يخرق العقوبات الأميركية، لكن الخوف الدولي بشكل عام (الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل خاص) هو أن هذه السفن اذا رست فمن شأنها أن تفتح خط تزويد منظما ليس فقط للنفط والطحين والادوية، بل ايضا للسلاح والذخيرة وقطع الغيار للصواريخ. بناء على ذلك، حتى لو أن جزءا من محطات ميناء بيروت كان قادرا على مواصلة العمل فان الخوف اللبناني من سيناريو ضرر متعمد، إسرائيلي أو غير إسرائيلي، للسفن الإيرانية سيصبح ملموسا حتى لو لم تكن هناك نية كهذه.
الى جانب التداعيات السياسية فإن حكومة لبنان تلقت ضربة شديدة في قناة التزويد الاكثر حيوية والتي من شأنها المس بقدرته على استيراد بضائع ضرورية وأن يدير بصورة منظمة حركة الاستيراد والتصدير. ميناء بيروت، الذي مر بعدة مراحل من التطوير والتوسيع، هو أحد الموانئ المهمة والأساسية في الشرق الاوسط، الذي تمر عبره بضائع من اوروبا الى سورية والعراق والأردن ودول الخليج. وهو يدار من قبل سلطة الموانئ اللبنانية، ويعتبر أحد مصادر الدخل المهمة للدولة. ووقف نشاط الميناء في الفترة التي يحتاج فيها لبنان الى كل دولار سيساهم في الاشتعال السياسي الذي يهدد استقرار الدولة.
 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق