العادات تنتصر على الوقاية في إقامة بيوت العزاء في غزة

23 سبتمبر 2020 - 12:54
صوت فتح الإخباري:

لم تتوقف معاناة ذوي المتوفين في زمن انتشار "كورونا" وإجراءات مواجهتها على الحزن لفقدان احبائهم فحسب، بل أصبحت تشكل لهم حرجاً وحيرة امام الجهات الأمنية والشرطة التي تصر على إلغاء بيوت العزاء وعدم فتحها لمنع تفشي الوباء، وامام الأصدقاء والاقارب والجيران الذين يتوافدون بالعشرات لتقديم التعازي.

واضطر الكثير من عوائل المتوفين مؤخراً إلى فتح بيوت عزاء امام انظار الشرطة ورجال الامن تحت الضغط الهائل والتوافد الجماعي للمعزين واصرارهم على تقديم الواجب الاجتماعي والتعازي، ما اوقعهم في دائرة الحرج بعد اضطرارهم تغليب العادة والعرف على المصلحة العامة للمجتمع.

وعلى الرغم من تعميم ذوي المتوفين عبر وسائل الاتصال وصفحات التواصل الاجتماعي بعدم إقامة بيوت العزاء والاكتفاء بتقديم واجب العزاء عبر هذه الوسائل، الا أن العادات والتقاليد كان لها اليد العليا والكلمة الفصل، ما اربك حسابات الشرطة التي حاولت دون جدوى فض الكثير من بيوت العزاء بالطرق السلمية.

ويقول بشير سعدو شقيق احد المتوفين قبل عدة أيام انه اضطر بعد ساعات من رفض فتح بيت عزاء الى تغيير رأيه بعد تجمهر عشرات المواطنين وافتراشهم الأرض امام منزله لتقديم العزاء.

وأضاف لـ"الأيام" إنه اضطر الى استئجار كراس وإعداد القهوة وتوزيع التمر وفتح بيت العزاء طيلة ثلاثة أيام رغم احتجاجات رجال الشرطة وطلباتهم المتكررة بإلغاء العزاء، وعدم استقبال معزين خارج المنزل على الاقل.

وبين سعد أن الشرطة لم تقم بفض العزاء بالقوة لإدراكها حقيقة قوة تمسك المواطنين بالتقاليد، وخصوصاً في حالات الحزن والوفاة، معترفاً في الوقت ذاته بأن فتحه لبيت العزاء لم يكن مطروحاً في بداية الامر لولا التوافد الكبير للمواطنين واصرارهم على ذلك بل وقيام بعضهم باستئجار الكراسي دون علمه في بداية الامر.


خيار إجباري
اما عائلة رجل الاصلاح سعيد نصر الذي توفي قبل ثلاثة أيام فلم يكن امامها من خيار الا الاستسلام امام توافد جموع المعزين وفتح بيت عزاء في الشارع المحاذي لمنزلها في منطقة شمال غزة رغم محاولاتهم الاعتذار من المعزين.

وقال محمد نصر ابن المتوفى إن العائلة لم تكن ترغب في إقامة العزاء سيما مع الانتشار الملحوظ للفيروس في المنطقة و"لكنها اضطرت بعد ساعة من مغادرة المقبرة الى استئجار مستلزمات العزاء واقامته بعد توافد مئات المواطنين من مناطق متفرقة من المحافظة".

وأضاف نصر لـ"الأيام" إنه حاول مع اشقائه واقاربه قدر الإمكان الزام المعزين بالحفاظ على التدابير الوقائية كعدم المصافحة والمخالطة وارتداء الكمامة والتباعد وغيرها حفاظاً على الصحة العامة وعدم استفزاز الشرطة والجهات الصحية التي تجوب المنطقة وتمنع بشكل قاطع التجمعات بكل اشكالها.

وأضاف نصر وهو أحد ضباط الشرطة ان الشرطة تتفهم الحرج الكبير الذي وقعت به العائلة نتيجة تمسك المواطنين بالعادات والتقاليد.


حدث خطير
وتجلى تمسك المواطنين العميق في التقاليد وتغليبها على أي اعتبار آخر عندما شارك المئات منهم في مخيم جباليا وبشكل متلاصق ومزدحم في تشييع جثمان احد عناصر كتائب عز الدين القسام الذي استشهد اثر انهيار نفق في شمال غزة اول من امس.

وضرب المشيعون بعرض الحائط كل الإجراءات والتدابير الوقائية واعتبار المخيم من اكثر المناطق خطراً في القطاع وساروا في شوارعه الضيقة وسط ذهول افراد الشرطة والجهات الطبية والمواطنين.

ولم يكترث المشيعون بإنذارات ومناشدات الشرطة بمغادرة المكان، واثارت صور الجنازة التي انتشرت بكثافة في وسائل التواصل الاجتماعي استياء الجهات الطبية الني وصفت المشهد بالكارثي.

ولم يرق المشهد لطواقم الطب الوقائي التي رافقت الجنازة والتي أبدت خشيتها من التداعيات السلبية للجنازة وتأثيرها على جهودهم التي يبذلونها للحد من انتشار الفيروس في المخيم الذي يعتبر من المناطق الخطرة على صعيد انتشار المرض.

وقال احد افراد الطاقم لـ"الأيام" إنهم حاولوا دون جدوى منع الجنازة او التخفيف من اعداد المواطنين والزامهم بالتباعد، معرباً عن مخاوفه الشديدة من وجود اشخاص مصابين بالمرض وسط المشيعين، داعياً إلى دراسة الحادثة ومنع تكرارها مستقبلاً.

ويؤكد الناطق باسم الشرطة في غزة ايمن البطنيجي أن قرار منع التجمعات التي تزيد على عشرين شخصاً بكل اشكالها لا يزال سارياً، بما فيها بيوت العزاء والتي يشترط اقامتها داخل المنزل وعدم تجاوز عدد المعزين عن عشرين شخصاً.

وقال البطنيجي لـ"الأيام" إن الشرطة تتفهم تمسك المواطنين بالعرف والعادة وخصوصاً في حالات الوفاة و"لكنها لن تتهاون مع أي قضية تشكل خطراً على حياة المجتمع سيما وأنه تم تسجيل إصابات نتيجة المخالطة في بيوت عزاء".

ووصف مشهد مشاركة المواطنين بكثافة في تشييع أحد الشهداء في جباليا بالخطير جداً ويتنافى مع جميع الإجراءات والتعليمات التي اتخذتها الجهات الأمنية لمنع تفشي المرض منذ شهر.

وأشار البطنيجي الى أن الشرطة لن تترك الامر وستعمل وبقوة على عدم تكراره مستقبلاً، داعياً المواطنين بوضع العادات والتقاليد جانباً في الوقت الحالي وتفهم المخاطر المترتبة على التجمعات وخصوصاً بيوت العزاء.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق