اللامبالاة: عنوان المرحلة ؟!

16 أكتوبر 2020 - 08:02
رجب أبو سرية
صوت فتح الإخباري:

منذ نحو عقدين من الزمان، كان دخول «عصر السوشيال ميديا» نقطة تحول في تأثير الإعلام الرسمي، والمؤسساتي على الرأي العام، وبالتأكيد أنه اثر على الذائقة والثقافة العامة بشكل عام، من حيث أنه حطم الإطار العام للإعلام الرسمي الموجه خاصة، وبالتالي فتح الباب واسعاً لضغط الكتلة البشرية لتفرض أهواءها على الاتجاه الإعلامي، فكانت السمة العامة أن صار الاهتمام بما هو شخصي، خاصةً ما يخص الأفراد المشاهير من سياسيين وكتاب وفنانين ورياضيين، اكثر من الاهتمام بما يكتبون او ينتجون او يقدمون، كذلك صار أفراد ليسوا ذوي اختصاص في شيء، اللهم إلا الجانب التقني، في أفضل الأحوال، مشاهير، بل قادة للسوشيال ميديا، فصرنا نسمع عن مهنة «يوتيوبر» وكاتب محتوى، وما إلى ذلك، يؤثّرون على عشرات الألوف من المهتمين والمتابعين.
في حقيقة الأمر، صارت اهتمامات الناس فردية وسطحية، ولم يعد الاهتمام بالشأن العام يهم الناس كثيراً، بما في ذلك الشأن السياسي، وفي الشرق الأوسط، وبعد ان كانت حادثة إحراق التونسي محمد بوعزيزي نفسَه شرارة أشعلت المنطقة، أسقطت أنظمة وفجرت حروبا أهلية، باتت مشاهد القتل الجماعي مشاهد عادية، لا تكاد تثير اي رد فعل لدى احد، فخلال العقد الحالي، انكفأت الدول العربية على ذواتها، بل إنه يلاحَظ عدم اجتماع الشعوب والدول على شيء واحد أو موحد، فهناك مئات الفضائيات وهناك ملايين المواقع الإلكترونية التي أغرقت الناس بكم هائل من المعلومات دونما أي تدقيق أو مراقبة او متابعة، وبات كل إنسان يرى في ذاته منتجاً للثقافة أو للإعلام، بل محط اهتمام المتابعين.
وتحول كل مجتمع الى مجتمعات صغيرة، أو إلى جماعات، بعضها متنافس وبعضها متناحر، وبات المال هو صانع الأحلام والذي بدوره شهد طفرة هائلة، بظهور المليارديرات الذين ينتجون الهواء، أو بمعنى أدق البرامج، خاصة برامج التواصل والمحادثات المختلفة، أي المرتبطة بعصر ثورة الاتصالات التي تشعبت وتكاثرت كما النار في الهشيم.
ثم ظهرت جائحة كورونا بسبب فيروس كوفيد 19، التي اجتاحت العالم بأسره وحصدت نحو أربعين مليون إصابة واكثر من مليون وفاة، حتى الآن، في الوقت الذي ما زال العالم بأسره، بكل ما لديه من تقدم علمي في مجال الطب، ورغم التنافس الحاد بين الدول للوصول أولاً للمصل المعالج، لما سيدرّ من مليارات الدولارات على من يتوصل إليه أولاً،  وأصبحت الجائحة سبباً إضافياً لظهور حالة اللامبالاة بين البشر، ففي ظل العجز عن وضع حد لفيروس لا يُرى بالعين المجردة، يبدو الأمر طبيعياً لأن يشعر الناس باللامبالاة والتسليم.
وعلى صعيد الدول والمجتمعات، بات التصدي للمشاكل الداخلية شأناً يكاد يكون داخلياً، فلم نعد نلاحظ وجود تحالفات او تكتلات دولية لمواجهة تحديات مشتركة، بل ان التجمعات الدولية والإقليمية باتت اقل تأثيراً، فلم تعد الأمم المتحدة قادرة ولا حتى مهتمة كما يجب بالعديد من المشاكل وحتى الحروب التي قد لا تهدد السلم العالمي، لكنها تهدد اقاليم بعينها، كذلك عجزت جامعة الدول العربية عن الحفاظ على ماء وجهها إزاء خرق الإجماع الرسمي حول المبادرة العربية للسلام، من قبل الإمارات والبحرين، وأي تدخل من قبل دول ما بدول جوار لها، يكون بدافع السطو والسيطرة لا أكثر ولا أقل، وهكذا باتت الشعوب والجماعات معنية بنزع شوكها بيدها، كما يقول المثل المأثور.
ولم يعد تغيير الأنظمة أو الحكام يعني الناس كثيراً، بعد كل هذا الصخب، وهذا الحراك الذي لم يعد أحد قادراً على متابعته، والعالم كله في حالة حراك لا تهدأ، وكلما ظهر حدث ما في مكان، بدا أنه يثير اهتماماً لدى بعض الناس، ولكن ليس الى كل الوقت، بل سرعان ما يتحول الناس للاهتمام بأمر آخر.
في الشرق الأوسط ما زال الحراك قائماً ليس داخل الدول وحسب، بل وكذلك على مستوى الإقليم كله، ولا أحد يمكنه أن يتوقع مآل هذه الحالة من الفوضى او الحركة التي لا تهدأ، والتي تفقد القادة والمسؤولين القدرة على إدارة الشأن العام بشيء من التخطيط والتنظيم، ولعل هذا ما يفسر أن الجميع بات في مشكلة، لا أحد بيننا على صعيد جبهة الأصدقاء ولا على جبهة الأعداء، يجلس مرتاحاً على مقعده، أو أنه يملك زمام أمره بنفسه، ولعل الصراع الخفي بين الدول الكبرى، يفسر كثيراً من طبيعة الحالة القائمة، لكن ما يعنينا نحن الفلسطينيين بالطبع هو ما يخص شأننا الداخلي أولاً ثم الشأن العربي المحيط بنا ثانياً، وفي هذا المجال يمكن القول إن الدوامة الإقليمية ما زالت تعصف بنا، كما لو كنا مثل قشة في مهب الريح.
يكاد كل شيء يراوح مكانه، فبعد ردة الفعل على إعلان الضم ومن ثم إعلان التطبيع، بانعقاد مؤتمر الأمناء العامين، لم تجر الأمور كما كان متوقعاً او معلناً، فالاجتماع الثاني للأمناء العامين لم ينعقد، كذلك ورغم الإعلان عن تشكيل لجنة لقيادة الفاعليات الشعبية، إلا ان فعلها على الأرض لم يظهر، هذا رغم وجود الفعل الاحتلالي المنفلت من عقاله، ان كان على صعيد اعتداءات المستوطنين، أو قوات الاحتلال، أو فيما يخص حرب الأمعاء الخاوية.
الأمل الفلسطيني معقود، او بات الإعلام الرسمي يدفعه لذلك باتجاه الانتخابات كمخرج، او كشعار مقاوم للهجوم السياسي والميداني الإسرائيلي، لكن هذا قد لا يتجاوز حدود الوهم، ليس لأنه قد يكون مجرد طريقة لتنظيم الشراكة والمحاصصة، والاهتمام الإعلامي، من زاوية الحديث عن قائمة مشتركة لفتح وحماس، بل لأن التجربة قالت، إنه قد تم الإعلان اكثر من مرة عن هذا الأمر ولم يحدث، بل الأنكى من ذلك ان الجميع يعرف بأن إجراء الانتخابات أمر يشترط الموافقة الإسرائيلية، والتي ما زال يعتقد البعض بأن ضغطاً أوروبياً قد يجبر إسرائيل على فتح الطريق لإجراء الانتخابات، لذا فإن الأفق لا يوحي بوقوع حدث حاسم لأي شيء.
وما زال الجميع ينتظر، وكأن هذا اللحظة ما هي إلا عابرة في زمان عابر، لحظة من الوقت الضائع او المستقطع أو الإضافي بلغة كرة القدم، لن تنطوي على دخان أبيض، فقط المهم ان تمضي اللحظة السيئة على خير، بأقل الخسائر.
 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق