عن الانتخابات الأميركية والفلسطينيين

16 أكتوبر 2020 - 08:03
محمد ياغي
صوت فتح الإخباري:

في الثالث من الشهر القادم ستجري الانتخابات الرئاسية الأميركية بين الرئيس الحالي دونالد ترامب ومنافسه الديمقراطي جوزيف بايدن.
على نتائج هذه الانتخابات يتوقف الكثير عالميا: العلاقة بين أوروبا وأميركا، مستقبل التجارة العالمية، علاقة أميركا مع الصين وروسيا.
إقليميا، هنالك الملف الإيراني وأزمة دول الخليج العربي، والحرب في اليمن بالإضافة إلى ملفي القوات الأميركية في سورية والعراق. وفلسطينيا، هنالك ملف صراع الفلسطينيين مع إسرائيل من أجل حريتهم وإنهاء الاحتلال لأراضيهم.
في جميع هذه الملفات توجهات الرئيس الحالي تختلف كثيراً عن توجهات منافسه بايدن.
إسرائيل ترغب في فوز الرئيس ترامب لولاية جديدة، فهو أول رئيس أميركي يقدم لها أكثر مما طلبت أو حتى كانت تأمل: ترامب أهدى القدس والجولان وأربعين في المائة من مساحة الضفة الغربية لإسرائيل، وكأن هذه الأراضي عقارات تمتلكها شركاته الخاصة.
الكثير من الدول العربية، رغم إساءة ترامب العلنية والمتكررة لها والتهكم على قادتها ترغب في نجاحه، بسبب حصاره الاقتصادي الخانق لإيران ولعدم اكتراثه بملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان في منطقتنا.
على عكس بعض العرب، الفلسطينيون ليس لهم أدنى مصلحة في فوز ترامب.
هذا الرجل تبنى مواقف المستوطنين الإسرائيليين وقدم مشروعا لحسم الصراع على حساب حقوقهم، حاصر الفلسطينيين ماليا، وطالب العرب بمحاصرتهم، وسيعمل إن نجح في ولاية جديدة، على تكثيف الضغوط عليهم بما في ذلك محاولات فرض قيادة جديدة لهم تأتمر بتعليمات سفيره في القدس المحتلة.  
استطلاعات الرأي للآن مدعومة بالتحليل المنطقي تقول إن منافسه بادين سيتفوق عليه في الانتخابات القادمة، اللهم إلا اذا حدثت معجزة خلال الأسبوعين القادمين تعيد انتخابه.
لكن ما الذي يعنيه فوز بايدن للفلسطينيين؟
بدايةً، رحيل ترامب بحد ذاته مكسب كبير لأنه يعني الخلاص من شخص كريه استخدم قوة أميركا وإمكانياتها الضخمة لتجريد الفلسطينيين من حقوقهم ولمعاقبتهم على رفضهم للتخلي عنها.
لكن ذلك لا يعني أن فوز بايدن هو انتصار للقضية الفلسطينية. بايدن سيعمل على إعادة السياسة الأميركية فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى ما كان عليه الحال قبل مجيء ترامب للبيت الأبيض.
بايدن سيعيد العلاقات مع السلطة الفلسطينية، وسيعيد الدعم لوكالة الغوث لتشغيل اللاجئين، وسيقدم مساعدات مالية ربما للسلطة الفلسطينية، وسيقول كما قال الرؤساء الذين سبقوه، باستثناء ترامب، إن الاستيطان عقبة في طريق السلام، وسيقوم بتشجيع أي مفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
مقابل ذلك، بايدن سيقوم بالضغط على الفلسطينيين لإعادة التنسيق الأمني مع إسرائيل وسيمارس ضغوطه عليهم لمنع إدماج «حركة حماس» بالنظام السياسي الفلسطيني (السلطة والمنظمة) قبل اعترافها بإسرائيل وتخليها عن المقاومة المسلحة.
بايدن أيضاً لن يقوم بسحب اعتراف أميركا بالقدس كعاصمة لإسرائيل ولكنه سيعيد فتح القنصلية الأميركية التي أغلقها ترامب في القدس الشرقية، وهو ما يعني أن أميركا في عهدة ما زالت تعترف بأن القدس الشرقية جزء من الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ العام 1967.
وهو أيضاً لن يمارس الضغوط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي الفلسطينية ولا لوقف الاستيطان وسنسمع منه على الأكثر عبارات قالها الكثير ممن سبقه (باستثناء ترامب طبعا) وهو أن «يهودية» إسرائيل أو «ديمقراطيتها» في خطر إن لم يُحل الصراع مع الفلسطينيين.
وهو أخيرا لن يقدم مبادرات جديدة لحل الصراع ولكنه سيكتفي بعملية إدارة له حتى لا ينفجر في وجهه. بمعنى الحفاظ على الوضع القائم ومنعه من الذهاب إلى طريق الانفجار.
الأسباب التي ستمنع بايدن من طرح مشاريع جديدة لحل الصراع ثلاثة، أهمها:
أولاً: هناك جزء مهم من النظام العربي الرسمي سيعمل على ممارسة الضغوط على إدارة بايدن بالتحالف مع إسرائيل من أجل الاستمرار في سياسات ترامب ضد إيران. عندما يتم تقديم إيران أولا على حساب فلسطين، وعندما يكون الطرف المُتحالف معه هو إسرائيل، لن يكون بالتالي مكان للقضية الفلسطينية في جدول أعمال العرب الرسميين مع واشنطن. علينا أيضا ألا ننسى أن هنالك أيضاً من يقدم تركيا على أنها العدو الثاني بعد إيران ما يجعل إسرائيل خارج جميع حساباتهم.
ثانيا: بايدن يدرك من خبرته السابقة كنائب للرئيس أوباما أن اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يقود السلطة في إسرائيل لا يريد السلام مع الفلسطينيين وهو لذلك وبسبب عجزه أيضا عن ممارسة الضغوط على إسرائيل دون الاصطدام بالكونغرس، لن يضيع وقتا على هذا الملف، مثلما فعل رئيسه السابق أوباما.
ثالثاً: جدول أعمال بايدن سيكون مزدحما ولا مكان فيه للقضية الفلسطينية. بايدن سيقوم بالتركيز على ملفات داخلية أهمها السيطرة والقضاء على وباء «كوفيد - 19»، التعامل مع تبعات الوباء على الاقتصاد في بلده، وملف الرعاية الصحية لمواطنية. خارجيا، بايدن سيكمل ما بدأه أوباما بتركيز قدرات بلاده لمواجهة الصين في المحيطين الهندي والهادي ومحاولة إبطاء تقدمها الاقتصادي والتقني وإضعاف نفوذها الخارجي. لأجل القيام بذلك هو في حاجة إلى ترميم علاقات بلادة مع أوروبا وإلى خفض حدة الصراع بين إيران ودول الخليج العربي حتى لا تتورط أميركا في حرب تبعدها عن التركيز على الصين.
إذا كان ما سبق صحيحاً، فإن الفائدة الكبرى للفلسطينيين ستكون رحيل ترامب، لكنها لن تعني بأي حال الاقتراب ولو قليلاً من هدف إنهاء الاحتلال.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق