ماذا تريد واشنطن من موسكو؟

16 أكتوبر 2020 - 08:04
هاني عوكل
صوت فتح الإخباري:

تساؤلات كثيرة تطرح بشأن طبيعة ومصير العلاقات الأميركية - الروسية بعد الانتخابات الرئاسية التي ستجرى مطلع الشهر المقبل، بين المنافسين الجمهوري دونالد ترامب والديمقراطي جو بايدن نائب الرئيس في عهد باراك أوباما، الذي عايش واختبر علاقات بلاده بموسكو.
بصرف النظر عن فوز ترامب أو بايدن، ثمة ملاحظة مهمة تتصل بموقف الولايات المتحدة الأميركية من الدول القوية والمنافسة لها على سلم النظام الدولي، ودولة مثل روسيا وريثة قوة وموقع الاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة، هي دولة صاعدة وطامحة لتغيير شكل النظام الدولي.
هناك موقف ثابت في سياسة الخارجية الأميركية يتعلق بالتأكد من بقاء روسيا والصين في عتبة أقل من العتبة الأميركية في سلم النظام الدولي، ولذلك تأخذ هذه العلاقات منحنيات ومطبات من التوتر والهدوء، لكنها لا تظل ثابتة أبداً بحكم التنافس الدولي على قيادة العالم.
رؤساء الولايات المتحدة الذين تعاقبوا على الحكم بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، كثيراً ما شيطنوا روسيا وعمدوا إلى إضعافها سياسياً واقتصادياً حتى لا تنهض أبداً، واستهلكت شعارات كثيرة لفرض أدوات إكراهية وعقوبات سياسية واقتصادية واستمالة الدول الغربية للتحالف ضد روسيا.
من بين الشعارات «المد الشيوعي وسيطرة موسكو على أوروبا وإخضاعها لها»، وفعلاً طبقت عقوبات اقتصادية على روسيا في عهد أوباما بسبب حرب الأخيرة مع جورجيا وتوتر العلاقات مع أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم العام 2014. كما استكمل مسلسل فرض العقوبات من قبل الرئيس ترامب، وكل ذلك بهدف محاصرة موسكو في القارة الأوروبية وخنق اقتصادها ووقف تمددها في المحيطين الإقليمي والدولي.    
المرشح الديمقراطي يتهم نظيره الجمهوري بأنه يعتمد سياسة «ناعمة» مع روسيا التي يتهمها بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية قبل أربعة أعوام. حتى أنه وصف ترامب في المناظرة التي جرت مطلع الشهر الجاري بأنه «جرو بوتين المدلل».
بايدن يقف على يمين ترامب في التعامل مع الملف الروسي، وهو بذلك منسجم مع صنّاع القرار الأميركي والحزبين الجمهوري والديمقراطي الذين يعتبرون روسيا دولة معادية وتجتهد لإضعاف وتفكيك حلف الناتو الذي تقوده واشنطن، ولذلك قد تتوتر العلاقات بين البلدين أكثر إذا ما فاز المرشح الديمقراطي في الانتخابات الأميركية.
أما ترامب فلم يفتح معركة كبيرة مع روسيا طيلة فترة حكمه، وتعرض لانتقادات واسعة في دائرته الضيقة ومن قبل مسؤولين بشأن «رخاوة» سياساته في سورية وإعلانه سحب قواته عن الأخيرة، وهو ما جعل روسيا تملأ الفراغ وتحقق انتصاراً مع حليفتها دمشق ضد المعارضة السورية والدول الأجنبية التي تتدخل في الصراع هناك.
بالنسبة لروسيا فقد أعلنت انحيازها لصالح ترامب في الانتخابات الأميركية وقالت «نعم» له، وهذا يعني أنها تفضله على بايدن الذي لن يكون بالتأكيد على نفس مسطرة «دونالد» في التعامل مع الملف الروسي لو فاز. لكن في المحصلة النهائية واشنطن هي دولة مؤسسات وكلها مقتنعة أن مصالحها لا تتقاطع مع الدب الروسي.
قد يكون ترامب أجّل الخلاف مع بوتين بسبب نظرة الأول للملفات الأهم التي ينبغي معالجتها وعلى رأسها الصين ونموها وتأثيرها بقوة على النظام الدولي، وكذلك كوريا الشمالية وإيران، وعلى صعيد روسيا يلحظ في سياستها الخارجية أنها تتقاطع مع بكين في فلسفة «يتمسكن حتى يتمكن».
قد تحتاج روسيا إلى سنوات طويلة جداً من الوقت والجهد للحاق بواشنطن في قوتها السياسية والعسكرية وقوة اقتصادها أيضاً، ولذلك طموح موسكو الحالي يهدف إلى إعادة صياغة النظام الدولي على أساس تشاركي يحقق تبادل المنافع بين الدول الكبرى.
صحيح أن روسيا أكبر دولة في العالم بجغرافيا تتجاوز 17 مليون كيلومتر مربع، لكن عدد سكانها قياساً بهذه المساحة الهائلة قليل جداً، حيث يبلغ حوالى 145 مليون نسمة حسب تعداد العام 2018، وتعتبر الدولة العاشرة في حجم الناتج المحلي الإجمالي بـ1.699 تريليون دولار، مقابل 21.374 تريليون دولار للولايات المتحدة التي تحل الأولى على العالم حسب إحصاءات البنك الدولي للعام 2019.
كل دولة قوية تحلم بالهيمنة والتوسع، وسياسة روسيا البوتينية تعتمد على بناء شراكات وتحالفات مع دول قوية وإقليمية، وكذلك توسيع النفوذ الروسي خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط وشرق ووسط أوروبا، والحال أيضاً أن الولايات المتحدة تحاول الحفاظ على نفوذها الدولي وتسعى إلى تعطيل توسع النفوذ الروسي.
المحصلة أن روسيا ترغب في الصعود، والولايات المتحدة تريد للأولى أن تهبط في سلم النظام الدولي، وهذا تترجمه في استراتيجياتها والفرق بين ترامب وبايدن في السياسة الخارجية مع موسكو أن الأول يلكم بقفازين وحسب طبيعة المرحلة والثاني دون قفازات. النتيجة بالنسبة لهما أن تظل واشنطن سيدة العالم.

[email protected]

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق