مهارة الإصغاء للمتلعثمين!

20 أكتوبر 2020 - 06:39
زياد خدّاش
صوت فتح الإخباري:

وصلتني هذه الرسالة على "الماسنجر" من طالبة إعدادية في مدرسة ما في الشمال:

(متذكرني أستاذ؟؟)
أنا البنت الهبلة اللي كانت قاعدة ورا واستحيت أجاوب في ورشة الكتابة، رغم إني كنت بعرف الإجابات).
- أتذكرك تماماً يا صغيرتي لسبب واحد لأنك ذكرتني بزياد خداش الأهبل وهو يجلسُ آخرَ الصفوف في حصص المرحلة الإعدادية، قادراً تماماً على الإجابة وعاجزاً عن نطقها، تأكدي تماماً أن المرتبكين هم الأجمل والأقرب إلى الإحساس بمسؤولية الكلمة، وأن طلاقة اللسان وشجاعة الإجابة ليست دائماً إشارة إلى تميز أو إبداع.
- (عن جد أستاذ إنت كنت تستحي مثلي؟. شكراً ريّحتني)
متذكرني أستاذ؟؟؟؟
لا تُهمِلوا طالباً خَجولاً صامتاً يجلسُ في الصّف الأخير. لا تسأموا من محاولةِ تشجيعهِ على الإفصاح عما بداخله.. هؤلاء الصامِتون يمتلئونَ بالكلامِ والمعاني والصور والخيال، القصة فقط هي في الحواجز التي تحتشدُ خلفَها هذه الكُنوز.
الصامتونَ حالاتٌ خاصةٌ، تحمّلوها، فهي مسؤوليتكم أيها المعلمون وتأكدوا أنَّ عباقرة ومميزي العالم في مُخْتَلف الفنون والعلوم بدؤوا حَياتَهم مُتلعثمين خائفين.
في الساحةِ المدرسيةِ أثناءَ الاستراحةِ ستجدونَهم وحدَهم بالزاوية مع رغيف ساندويش يقضمونه ببطء وعيونهم تتحركُ يميناً وشمالاً كأنهم يتوقعون أذى ما.
أعرفُ أنَّ لا وقتَ لديكم لمسؤوليةٍ كهذه وأنَّ حياتكم ومعيشتكم صعبة وأنَّكم ضَجرونَ أيضاً وخائفون، وأنَّ الخائفَ لا يمكن أنْ  يُنقذَ خائفاً..
كل هذا أعرفه، أحسستُ به في مهنتي.
لكني أدعوكم إلى تذكُّرِ حقيقةٍ واحدة...حقيقةٍ ساطعة؛ وهي أنَّ متعةَ إنقاذ شخص يحتاجُ إلى مساعدة، ستُساعدكم على التّخلصِ من إحساسكم بالعجز والخوف.
يوماً ما كنتُ الطالبَ المتأخرَ في كل شيء، آتي بعدَ منتصفِ الحصة الأولى وجهي مليء( بحَبِ الشباب)، بديناً ومُتعرقاً، غير معجب بشكلي وأتعرضُ للتنمر، أجلسُ في الصف أعرفُ كلَّ الإجابات، لكني لم أكنْ معجباً بصوتي. كنتُ أدخلُ طَورَ المراهقةِ آنذاك، كنتُ أحسُ أنَّ هذا الصوتَ ليس لي، وأنَّ شخصاً ما يجلس في فمي ويتحدثُ باسمي.. كل هذا كان يصيبني بالرعبِ والعجزِ عن الإجابة.
أهداني الله الأستاذ (رَوْحي) مُدرس اللغة الإنجليزية، أمسَكَ الأستاذ (رَوْحي) رُوحِي وعدّلَ جلستها ثم قال لي: "لديكَ قدرةٌ على التعبير باللغة الإنجليزية بشكلٍ ممتاز تُذكرني بكاتب إيرلندي عظيم".
 ثم قال لي: "ستكونُ قارئاً رائعاً للغة الإنجليزية".
ثم قال لي في مناسبةٍ أخرى: "وأنتَ تتكلمُ اللغة الإنجليزية أشعرُ أنني أُكّلمُ أحدَ أحفادِ شيكسبير".
ثم طلبَ مني أنْ أؤلفَ قصيدةً بالإنجليزية، فعلتُ ذلكَ بصعوبة وفوجئت بكلمةٍ كتبها على ورقة الإجابة.."ستكون شمساً تُضيء ظلمة فلسطين".
أنقذني الأستاذ رَوْحي من الإحساس بالتفاهة. وقال لي بأنّ معظم الكُتّاب والفنانين يتعرضونَ لظهورِ( حبِّ الشباب) في وجوههم في مرحلةٍ من مراحل حياتهم.
ثم أحضر لي صورة لأوسكار وايلد وكان هناك حبوبٌ على وجهه وقال لي:" انظر، العظيم أوسكار وايلد أيضاً كان يعاني من حبِّ الشباب".
تخلّصتُ من التفاهة..وتخلّصت من العجز والإحساس بالرعب والوحدة، صارت عيوني ثابتة وأحدقُ في الأشياء بجرأةٍ وفضول.
حين تخرّجت، كان الأستاذ رَوْحي قد تقاعد.
جلستُ معه في قهوة قبل أسابيع وصارحني بهذه الحقائق؛ كُنتُ مُدرساً فقيراً أُعيلُ عائلتين وأعاني من دسك في ظهري -أنتم الطلاب لم تعرفوا ذلك طبعاً- لكني قررتُ أن أحاولَ نسيانَ معاناتي وإنقاذكم. كنتم سبعة طلابٍ في صفوفٍ مختلفة، لكنَّ حالتكَ كانت الأصعب.. وضعتُ خطةً لإنقاذكم، وقد نجحتُ في ذلك.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق