لا وجود لنصوص عذراء

01 ديسمبر 2020 - 07:02
زياد خدّاش
صوت فتح الإخباري:

كيف‭ ‬أصف‭ ‬الرعب‭ ‬الذي‭ ‬يتخلل‭ ‬لحظاتي‭ ‬وأنا‭ ‬أفاجأ‭ ‬بجملة‭ ‬كتبتها‭ ‬في‭ ‬قصة‭ ‬أو‭ ‬صورة‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬شعري‭ ‬كتبها‭ ‬قبلي‭ ‬آخرون؟‭ ‬كتبت‭ ‬مرة‭ ‬نصاً‭ ‬نشرته‭ ‬في‭ ‬موقع ‬‮«‬قديتا»‬‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬فإذا‭ ‬به‭ ‬يشبه‭ ‬في‭ ‬المقاربة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد‭ ‬نصاً‭ ‬ للعزيز‭ ‬مريد‭ ‬البرغوثي،‭ ‬نبّهني‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬صديق‭ ‬لي‭ ‬اتصل‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬ الليل‭ ‬وهو‭ ‬يضحك،‭ ‬خجلت‭ ‬من‭ ‬نفسي‭ ‬وأتذكر‭ ‬أني‭ ‬لم‭ ‬أنم‭ ‬ليلتها‭ ‬وتخيلت ‭ ‬الأعداء(‭ ‬وهم‭ ‬كثر‭ ‬والحمد‭ ‬ لله)‭ ،‬ كيف‭ ‬سيستغلون‭ ‬هذه‭ ‬المصادفة‭ ‬ويفضحونني،‭ ‬وتخيلت‭ ‬مريد‭ ‬وهو‭ ‬يستغرب‭ ‬فعلتي‭ ‬ويزعل‭ ‬مني‭.‬
لماذا‭ ‬نغضب‭ ‬ونتوتر‭ ‬ونضطرب‭ ‬ونخجل‭ ‬حين‭ ‬نعرف‭ ‬أن‭ ‬طريقتنا‭ ‬في‭ ‬قول‭ ‬الحكاية‭ ‬أو‭ ‬القصيدة‭ ‬التي‭ ‬كتبناها‭ ‬قد‭ ‬كتبها‭ ‬غيرنا‭ ‬قبلنا؟‭
‭ ‬أي‭ ‬عار‭ ‬في‭ ‬تكرار صيغ‭ ‬الآخرين‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬تخومها؟‭ ‬
أتذكر‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭ ‬وهو‭ ‬يروي‭ ‬قصة‭ ‬معرفته‭ ‬فجأة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬صديق‭ ‬له‭ ‬بعنوان‭ ‬قصيدة‭ ‬لسركون‭ ‬بولص ‭‬‮«‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬أين‮»‬،‭ ‬وكان‭ ‬درويش‭ ‬قد‭ ‬وضع‭ ‬لإحدى‭ ‬قصائده‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬مدينة‭ ‬أين‮»‬،‭ ‬قال‭ ‬درويش‭ :‬اتصلت‭ ‬فوراً‭ ‬بالمطبعة‭ ‬وكان‭ ‬الديوان‭ ‬في‭ ‬مراحله‭ ‬الأخيرة‭ ‬وطلبت‭ ‬من‭ ‬الناشر‭ ‬تغيير‭ ‬العنوان‭.‬
قد‭ ‬يُظن‭ ‬أن‭ ‬قيمة‭ ‬أي‭ ‬عمل‭ ‬أدبي‭ ‬تكتسب‭ ‬ذاتها‭ ‬من‭ ‬عذريتها‭ ‬وخروجها‭ ‬من‭ ‬أرض‭ ‬لم‭ ‬يمش‭ ‬عليها‭ ‬آخرون‭ ‬قبلنا،‭ ‬ومدى‭ ‬المساحات‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تخترقها،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬غير‭ ‬صحيح‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭.‬
‭ ‬الحكاية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الموضوع‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬قولنا‭ ‬له،‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬مقاربتنا‭ ‬له،‭ ‬في‭ ‬إحساسنا‭ ‬الخاص‭ ‬به،‭ ‬في‭ ‬إعطائنا‭ ‬رؤية‭ ‬جديدة‭ ‬له‭.‬
«‬كل‭ ‬شيء‭ ‬قيل.. كيف أعيد ترتيب القصيدة؟‮»‬،‭ ‬هذه‭ ‬جملة‭ ‬شعرية‭ ‬لغسان‭ ‬زقطان‭ ‬كتبها‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬أذكره،‭ ‬تلخص‭ ‬هذه‭ ‬الجملة‭ ‬الحيرة‭ ‬الفظيعة‭ ‬الموجعة‭ ‬التي‭ ‬تصفعنا‭ ‬جميعاً‭ ‬ونحن‭ ‬نتهيأ‭ ‬للكتابة،‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬قدرنا،‭ ‬نحن‭ ‬نتألم،‭ ‬ونحن‭ ‬نعترف‭ ‬ونعرف‭ ‬أن‭ ‬المواضيع‭ ‬التي‭ ‬كتبها‭ ‬ونكتبها‭ ‬وسيكتبها‭ ‬آخرون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬هي‭ ‬نفسها،‭ ‬وأن‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬لاختراع‭ ‬موضوع‭ ‬جديد،‭ ‬لأن‭ ‬الحياة‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬الحياة،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬الناس‭ ‬يموتون‭ ‬في‭ ‬التشيلي‭ ‬كما‭ ‬يفعلون‭ ‬في‭ ‬اليابان،‭ ‬نيرودا‭ ‬كتب‭ ‬عن‭ ‬الموت‭ ‬كذلك‭ ‬ميشيما،‭ ‬لكن‭ ‬مقاربتهما‭ ‬مختلفة‭ ‬بالطبع،‭ ‬ثمة‭ ‬حب‭ ‬في‭ ‬أميركا‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬رام‭ ‬الله،‭ ‬كتب‭ ‬بول‭ ‬اوستر‭ ‬في‭ ‬أميركا‭ ‬عن‭ ‬الحب‭ ‬كذلك‭ ‬فعل‭ ‬في‭ ‬رام‭ ‬الله‭ ‬محمود‭ ‬شقير‭ ‬وهكذا،‭ ‬كتب‭ )‬ت‭ ‬س‭ ‬إليوت) ‬عن‭ ‬الخواء‭ ‬الروحي،‭ ‬قبله‭ ‬كتب‭ ‬دستوفسكي‭ ‬وبعده‭ ‬كونديرا‭ ‬وسيكتب‭ ‬آخرون‭ ‬بعد‭ ‬قرن‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬أيضاً،‭ ‬الجمال‭ ‬والموهبة‭ ‬ليسا‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬الخواء،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬كتابتنا‭ ‬إياه،‭ ‬كيف‭ ‬نصفه‭ ‬ونشرحه‭ ‬ونحسّه‭ ‬ونقدّمه‭ ‬ونفهمه؟

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق