معين بسيسو: يوميات غزة

24 يناير 2021 - 08:02
عادل الأسطة
صوت فتح الإخباري:

«في المعركة، يوميات غزة: مقاومة دائمة» هو أحد كتب معين بسيسو النثرية التي لم يلتفت إليها، باستثناء مسرحياته الشعرية وسيرته «دفاتر فلسطينية»، إلا الدارسون، فأكثر ما درس من أعمال معين هو شعره ومسرحياته وسيرته، وحتى هنا في فلسطين فلم يعرف أكثرنا من أعماله إلا المشار إليها.
نادرا ما أعادت دور نشر فلسطينية هنا نشر كتبه الآتية:
«نماذج من الرواية الإسرائيلية المعاصرة» و»بيروت: ٨٨ يوما خلف المتاريس» و»باجس أبو عطوان: مات البطل، عاش البطل» و»الاتحاد السوفيتي لي» و»أدب القفز بالمظلات» و»في المعركة، يوميات غزة: مقاومة دائمة»، وإن أعادت بعض دور نشر قسما منها فإنها - أي الكتب - لم تحظ بمراجعات نقدية أو نقاشات في ندوات، ما يجعلها غير حاضرة في ذهن أكثر مثقفينا، وعندما عثرت في معرض الكتاب على نسخة من بعضها لم أتردد لحظة في اقتنائها، ولسوف أعود إليها مرارا.
من الكتب المذكورة «يوميات غزة» الذي صدرت طبعته الأولى في بيروت عن دار الفارابي سنة ١٩٧١ وطبعته الثانية في ٢٠١٤ عن الدار نفسها.
وفيه نقرأ عن غزة التي عدها الشاعر مملكته الشخصية، على حد تعبير محمود درويش في كتابه «في حضرة الغياب».
عندما عاد درويش، بعد اتفاقات أوسلو إلى فلسطين، عاد أولا إلى غزة، وأول من تذكره فيها هو رفيق دربه، فكتب:
«سألت السائق: أين معين بسيسو، لماذا لم يأت معي؟ فذكرك بأنه نام في حفرة رمل في ضاحية من ضواحي القاهرة. لم يجدوا له مكانا في غزة. فتمتمت: كنا نبحث عن بيت، وصرنا نبحث عن قبر. آه، لو انتظر قليلا... لو لم يسافر إلى لندن لو لم يضع على باب غرفته في الفندق «الرجاء عدم الإزعاج» لكان مضيفي اليوم في غزة. غزة ملكيته الشخصية، ومملكته الشعرية الخاصة. كم ستبدو غزة ناقصة!».
ولم تكن غزة مملكته الشعرية الخاصة وحسب، بل كانت أيضا مملكته في النثر، ولنا في كتابيه «دفاتر فلسطينية» و»يوميات غزة» دليل، وإذا كان الدارسون التفتوا إلى الأول، فإن الثاني نادرا ما التفت إليه.
في «يوميات غزة» نقرأ عن غزة قبل النكبة. تحضر المدينة ومشاركتها في ثورة ١٩٣٦ حيث انتزع أهلها «قضبان السكة الحديد» بين غزة وأسدود لإعاقة نقل الجنود البريطانيين ولم تنقطع المقاومة حتى تاريخ إصدار الكتاب، وتحضر أيضا قصة مدينة خان يونس التي كانت محطة لقوافل التجار وتكسرت على متاريس الحامية التي تدافع عنها هجمات الجنرال (اللنبي) حيث ارتد عن أسوارها غير مرة لولا دليل بدوي اشتراه الجنرال فدله على أضعف جزء تسلل (اللنبي) من
خلاله إلى قلب المدينة فاحتلها.
في «يوميات غزة» يربط معين بين الفلسطينيين وما جرى معهم في ١٩٤٨ وبين مصير الهنود الحمر، وهذا الربط هو ما سنقرؤه لاحقا في قصيدة محمود درويش الشهيرة «خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض».
يأتي بسيسو على جهود الكويكرز الأمريكان الذين قدموا البقج للاجئين الفلسطينيين وقدمت دولتهم في الوقت نفسه القنابل والطائرات لدولة إسرائيل لتقصف معسكرات اللاجئين، على أمل أن يرحلوا من جديد بعيدا عن القطاع، ويمدح المعلمين الفلسطينيين، وكان واحدا منهم، الذين علموا الأطفال بالطباشير دون أن يسألوا عن الرواتب «حيث تحولت رواتبهم في نهاية الشهر إلى كيلوغرامات من البصل والسمك المقدد.. وبعض المعلبات.. وقبل المدرسون هذا الشكل الجديد من الرواتب التي فرضها عليهم الكويكرز..».
يربط معين غير مرة في كتابه بين معسكرات اللاجئين الفلسطينيين ومعسكرات الإبادة في ألمانيا، كما يربط بين القيادة النازية هناك والقيادة الصهيونية في الدولة الإسرائيلية، وهذا الربط عموما بدأه في الأدب الفلسطيني ناصر الدين النشاشيبي في روايته «حبات البرتقال» (١٩٦٤) وصار فكرة محورية أساسية في أدبياتنا.
«كثير مما ورد في الكتاب يقرؤه المرء في أشعار معين التي كتبت في فترة كتابة مقالات الكتاب ولسوف يقرؤه لاحقا في كتاب «دفاتر فلسطينية» وفي مسرحية «شمشون ودليلة».
ثمة أفكار نؤمن بها وتتعمق في وعينا وتظهر في كتاباتنا بين حين وحين.
لمعين بسيسو في ذكرى رحيله المجد والخلود.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق