«يديعوت أحرونوت»الناجية التي لم ترغب في أن تنجو

23 فبراير 2021 - 07:54
صوت فتح الإخباري:

بقلم: ناحوم برنياع
بين كل المفاهيم الدبلوماسية الكاذبة، فإن التعبير الأكثر تشويشاً هو «البادرة الإنسانية». فحكومات ليس لها مصلحة لا بالبادرات ولا بالإنسانية تتخذ بين الحين والآخر خطوات رمزية تتوافق مع مصالحها في تلك اللحظة. ويأتي الغطاء الإنساني ليمنح تغطية رقيقة، مريحة للتسويق، لاعتبارات المنفعة. كلما كان النظام وحشياً أكثر – هكذا يكون منفتحاً أكثر على البادرات الإنسانية. اقتل الملايين دون أن يرف لك جفن، وبعدها اطلق بضع مئات إلى الحرية. لقد شهد الشعب اليهودي هذه المعادلة الإنسانية على جلدته.
في قضية تحرير الإسرائيلية التي اجتازت الخطوط إلى سورية حظيت بكلمات «بادرة إنسانية» باستخدام سخي. روسيا قدمت بادرة إنسانية لإسرائيل، وإسرائيل رداً على ذلك قامت ببادرة إنسانية لروسيا التي بدورها ردّت ببادرة إنسانية لسورية. للحظة يخيل أن الأم تيريزا قامت من قبرها واحتلت الحكم في موسكو، في القدس ودمشق. بوتين الأم تيريزا. نتنياهو الأم تيريزا. الأسد الأم تيريزا. أما الحقيقة، بقيود ما يسمح لنا أن نعرفه في هذه اللحظة، أقل إعجازية بكثير.
الإسرائيلية (ولسبب ما يسمح بنشر اسمها في سورية فقط) اجتازت الخطوط طوعاً، بنيّة مبيتة: راق لها أن تعيش في سورية. كان يمكن التوقع من حكومة إسرائيل أن ترد على هذه الفعلة لنشر بيان يقول بإيجاز: «إرادة السيدة محترمة. سورية هي دولة عدو. إذا غيرت رأيها وعادت إلى إسرائيل فإنها ستعتقل وتتهم وفقاً للقانون». هكذا تصرفت مثلاً حكومات في غرب أوروبا ممّن انضم مواطنوها إلى الدولة التي أقامها «داعش» في سورية. لم تجر أي منها مفاوضات على إعادة الجهاديين إلى الديار. وعندما عادوا، إذا ما عادوا، عالجت أمورهم الشرطة.
ولكن رئيس وزراء إسرائيل يعرف روح رعاياه. في غضون بضعة أسابيع، بمعونة رجل علاقات عامة خبير. ستصبح الشابة العاقة ابنتنا جميعاً، امرأتنا في دمشق. وكان الشعب سيقول قولته في الشبكة الاجتماعية، وثمن الصفقة كان سيرتفع ويرتفع. ليس لاعتبارات إنسانية هرع لإعادتها. بل لاعتبارات عملية. ونتنياهو مثل نتنياهو: انعقدت الحكومة في بحث سري، وطلب من الوزراء التوقيع على نموذج السرية، وانست الدراما للحظة أعداد الموتى بـ»كورونا»، وأطلق رئيس هيئة الأمن القومي في طائرة خاصة إلى موسكو، لإعادة الناجية التي لم ترغب في أن تنجو.
وعلى الطريق لا يكفون عن الكذب علينا. حين يتبين أن السجينَين الأمنيَّين، واحد من القرية العلوية الغجر، والثانية من القرية الدرزية مجدل شمس، لا يريدون التحرر إلى سورية. فهما لا يتشاركان في حماسة الشابة من موديعين عيليت – يحرر إلى سورية اثنان آخران يعرفان كـ «راعيين اجتازا الحدود بالخطأ». في السنوات الأخيرة تجولت مرات عديدة مع ضباط الجيش الإسرائيلي على طول الحدود في الشمال. وفي كل جولة قيل لي: «لا يوجد رعاة أبرياء على طول الحدود، فقط استطلاعيون من حزب الله يتخفون في صورة رعاة». فجأة، دون أن يرى أحد، يصبح رجال «حزب الله» رعاة.
فضلاً عن هذا، فإن بوتين يطلب بدل وساطة: يستحق. وكي لا يظهر هذا كصفقة مع المافيا، تسمى الدفعة بادرة إنسانية. بادرة لمن؟ ليس حقن تطعيم للسوريين هي التي ستنقلها إسرائيل بل مال نقدي للروس. وأنا شبه واثق من أن بن شباط لن يطالب بسند قبض.
المرة تلو الأخرى تقع إسرائيل في الحفرة ذاتها. الحنان تننباوم سافر جواً إلى بيروت على أمل أن يحظى بصفقة مخدرات. أرئيل شارون دفع مقابل إعادته؛ نوعاً ما يسسخر أُمسك بها في محطة انتقالية في موسكو وهي تحمل مخدرات خفيفة في حقيبتها. وتصرفت منظومة القضاء الروسية معها بنزعة شر، بأمر من فوق، أو لمجرد العادة. روسيا ليست دولة قانون. حبسها احتاج إلى عناية مكثفة من القنصل: هذه هي وظيفة القناصل. ولكن نتنياهو أصر على إنقاذها، مهما يكن. يمكن أن نفهم مفاوضات على تحرير أبراهام منغيتسو، الإسرائيلي من أصل إثيوبي الذي اجتاز الخطوط إلى غزة: فقد شُخص الشاب كمريض نفسي. من الصعب أن نفهم ما الذي تدين به الدولة لهشام سواعد، البدوي من النقب الذي انتقل إلى غزة طواعية.
الجدال عميق ويلمس جذور وجودنا هنا: كم هو المواطن في الدولة مسؤول عن أفعاله، وكم هي مسؤولة الدولة عنهم. ليس صدفة أن امتنعت حكومات إسرائيل عن اتخاذ القرارات في هذا الموضوع المشحون: فهي تعرف أنه في لحظة الحقيقة فإن القرار الاحتفالي الذي ستتخذه سينهار تحت الضغط الجماهيري.
«كل إسرائيل يكفل كل الآخر»، هكذا يكرر السياسيون. عندما نتذكر ما حصل هنا في سنة الـ»كورونا» لا يتبقى إلا أن نبتسم. فالتكافل المتبادل ليس موجوداً هنا. أما المنقذون فموجودون بوفرة.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق