تحرير فلسطين عبر الكتابة: أسعد الأسعد و"دروب المراثي"

28 فبراير 2021 - 07:26
عادل الأسطة
صوت فتح الإخباري:

قبل عام تقريبا، ألقيت في متحف محمود درويش محاضرة عن معين بسيسو في ذكراه.
قبل التوجه إلى المتحف بصحبة الشاعر مراد السوداني عرجنا أنا وهو وفؤاد العكليك على مكتبة الرعاة لأبي إبراهيم، وهناك التقينا الشاعر والروائي أسعد الأسعد، فحدثنا عن روايته التي ستصدر عن دار الرعاة، واقترح علي أن نقيم لها حفل توقيع في نابلس شرط أن أقدمها أنا شخصيا. لم أعترض وأبديت استعدادي، فالصلة الأدبية بيني وبينه تعود إلى العام ١٩٧٨، ولطالما التقينا في مكتبته في رام الله وفي مكتبي مجلة «الكاتب» وجريدة «البلاد»، والأخيرة نشرت على صفحاتها في صيف ١٩٩٧، أكثر حلقات كتابي «أدب المقاومة.. من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات».
في آذار٢٠٢٠، حلت بنا جائحة الكورونا وانقطعت اللقاءات الأدبية وألغيت الندوات والمؤتمرات ولم أزر رام الله إلا بعد أحد عشر شهرا، وفي أثناء زيارتي عرجت على مكتبة دار الرعاة فأهداني أبو إبراهيم نسخة من رواية أسعد «دروب المراثي».
الكتابة الموجزة عن تجربة أسعد الكتابية أوجزتها مرة في مقال عن رواية «عري الذاكرة» (٢٦ آذار ٢٠٠٤) وبعد هذا التاريخ أصدر الكاتب روايات أخرى وجب أن أقرأها أيضا لأقرأ الرواية الأخيرة التي تحيل إلى قضيتين؛ تخص أولاهما بنية الرواية وثانيتهما التركيز على عنصر المكان كمكون أساس من مكوناتها ومكونات الرواية الفلسطينية بعامة.
تبنى الرواية على حلم شخصيتها الرئيسة مراد الذي يستلقي على شاطئ يافا، وإلى جانبه فتاة يهودية اسمها راحيل، ويغفو فيحلم، وما حلم به له علاقة بالموضوع الثاني.
بناء عمل أدبي فلسطيني على حلم بدأ مبكرا وتحديدا في العام ١٩٤٧ حين كتب نجاتي صدقي قصته «الأخوات الحزينات»، فشخصيتها تغفو تحت خمس شجرات جميز كبيرات وتحلم بأن الشجرات تحولت إلى خمس أخوات تروي كل واحدة منهن جانبا من تاريخ فلسطين. ليس قصدي هنا إحصاء الأعمال الأدبية الفلسطينية التي بنيت على الحلم أو على المخيلة واللامعقول، فقد تعرضت إلى هذا وأنا أكتب عن تجربة القاص أكرم هنية.
بم حلم مراد؟
لقد حلم بأنه سار وراحيل معا وأخذا يتجولان في يافا أولا ثم في القدس ثانيا، وأنهما لاحظا أن سكان المدينتين اختفوا نهائيا  - يذكرنا هذا برواية إبراهيم نصر الله «حارس المدينة الضائعة» - ويتجادلان معا حول المكان وعلاقة شعب كل منهما به، ليثبت كل واحد منهما أحقية شعبه به «كان مراد يسهب في وصف الأماكن التي يمران بها، متلذذا في إظهار معرفته الواسعة في تلك الأماكن وتاريخها، وإن أبدت راحيل استغرابها. يطلق العنان للسانه مسترسلا في حديثه متعمدا استفزازها... فقد ألغى الإسرائيليون تفاصيل المكان... وبذلوا قصارى جهدهم لتغيير معالم البلد وطمس آثار أهلها.» وهذا هو بيت القصيد.
مراد، ومن ورائه أسعد الأسعد، يبدو عارفا بالقدس حارة حارة وشارعا شارعا ويعرف تاريخها ومقاهيها ومطاعمها، وهذا ما لا تعرفه راحيل. كأنما يكتب أسعد حكايته لـ»يرث أرض الكلام»، وصداقة مراد وراحيل، وإن في الحلم، تعيدنا إلى قصة سميح القاسم «الصورة الأخيرة في الألبوم» (١٩٨٠) وحوار أمير مع روتي فيها. هل تأثر أسعد بسميح؟ وتعيدنا إلى الكتابة عن المكان في الرواية الفلسطينية.
أول من اهتم بالمكان هو جمال الحسيني، تلاه إسحق الحسيني، ولكنهما لم يدققا في تفاصيله؛ الأول اختار قرية بيعت لليهود وصارت مستوطنة، والثاني كتب عن المأوى والصراع عليه.
في حدود ما أعرف فإن أول روائي فلسطيني شغف بالمكان ورصده رصدا مفصلا، ليدافع عن عروبته وليدحض مزاعم الحركة الصهيونية، هو إميل حبيبي في «اخطية» (١٩٨٥) التي تشكل علامة مهمة في التركيز على المكان. وبعدها بأحد عشر عاما عرف النثر الفلسطيني تركيزا لافتا على المكان والتغيرات التي طرأت عليه، لا للدفاع عن فلسطينيته وحسب، بل عن علاقة الشخصيات به في زمنين فصلت بينهما عقود، عند مريد البرغوثي، وفاروق وادي، ومحمود شقير، وأكرم هنية، وعباد يحيى، وعاطف أبو سيف.
وكتبت روايات كثيرة عن القدس ويستطيع أن يلم بأسمائها ومحتواها من يطالع دراسة محمد الطحل «رواية القدس في القرن الحادي والعشرين».
بقي أن أشير إلى أن أسعد الأسعد بدأ يركز على المكان في روايته «بطعم الجمر» (٢٠١٤) التي أتى فيها على عودة بطلها المبعد إلى فلسطين عبر معبر رفح بعد غياب اثني عشر عاما، وفيها نقرأ عن غزة والقدس ورام الله وصلة زيد بها.
المساحة محدودة والكتابة تطول.
 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق