صوت مريد البرغوثي: "صوت رنّة الإبرة"

28 فبراير 2021 - 07:27
فيحاء عبد الهادي
صوت فتح الإخباري:

توقف قلب الشاعر مريد البرغوثي؛ وبقي صوته ينبض،
اقترب من الموت وابتعد، ابتعد ثم اقترب قائلاً: «هل لا طريق لنبعد عنك سوى الاقتراب الجنونيّ منك/ أأنت الطريق؟/ أم أنك قاطع هذا الطريق؟/ أتمشي الجنازة فينا؟/ أم أنّا نسير ونبحث من حولنا عنك فيها؟».
*****
تعرَّفت إلى الشاعر في القاهرة، جمعتنا صداقة عائلية، كان عمادها الأدب والشعر والسياسة.
ولا أنسى أني قدَّمت مخطوطتي الشعرية الأولى «هل يلتئم الشطران؟»، العام 1996، للصديقة؛ الناقدة والروائية رضوى عاشور، التي كانت أول من شجّعني على أن أرسلها للنشر.
تابعت رحلة مريد الشعرية والنثرية على امتدادها، واستضفناه في أمسيات شعرية عديدة، في اتحاد المرأة الفلسطينية بالقاهرة، وفي بيت الطالبات الفلسطينيات، ضمن الندوات الشهرية المنتظمة، التي حرصت على أن تنظمها اللجنة الثقافية لاتحاد المرأة، كما اخترنا رائعة من قصائده: «طال الشتات»، ليتدرّب على قراءتها بعض عضوات اللجنة الثقافية؛ لتأديتها بشكل جماعي، لمناسبة يوم «الشهيدة الفلسطينية» في بيت الطالبات الفلسطينيات، وفي ندوة لمناسبة «يوم الأرض»، نظمها الاتحاد، في مبنى الجامعة العربية، العام 1997.
أما د. رضوى عاشور؛ فقد استضافها الاتحاد في ندوة نظمها لتكريم الروائية والأكاديمية والمناضلة؛ مؤسِّسة «لجنة الدفاع عن الثقافة القومية» د. لطيفة الزيات، مطلع العام 1996.
حرص كورال عباد الشمس/ اتحاد المرأة الفلسطينية بالقاهرة، على غناء قصيدة من قصائد مريد، في ختام فقراته الغنائية، التي كان وما زال يقدّمها في القاهرة:
«وتجيء الأيام الصعبة/ وتزول الأيام الصعبة/ وتظل الثورة عالية/ وتظل الراية منتصبة».
كما اختار ابني/ تامر أبو غزالة بعض قصائده ليلحِّنها، حين كان في التاسعة من عمره، منها قصيدة بعنوان: في القلب: «في الكون كواكب/ في الكواكب الأرض/ في الأرض قارّات/ في القارّات آسيا/ في آسيا بلاد/ في البلاد فلسطين/ في فلسطين مدن/ في المدن شوارع/ في الشوارع مظاهرة/ في المظاهرة شاب/ في صدره قلب/ في قلبه رصاصة».  
*****
بين قول وقول، وبين كلمة وأخرى؛ تتبدّى مسؤولية الحرف ومسؤولية الكلمة.
أن نلعن الزمن الرديء، وأن ندين غيرنا؛ كلام يريح النفس ويفشّ الخلق؛ أما أن نغسل الكلمة من الصدأ والعفن؛ لنعيد لها ذاتها، وأن ندين أنفسنا كما ندين غيرنا، وأن نبني عالمنا الأدبي الخاص والمبدع؛ فهذا أمر مختلف.
شهدنا منذ السبعينيات من القرن الماضي؛ انكسارات وهزائم لا حصر لها، على امتداد الوطن العربي. أما الشعب الفلسطيني فقد وقف يتلقى نصال الأعداء ونصال الأشقاء؛ «وقف حيث تتلاقى كل السيوف».
وسط هذا الخراب، وفي مواجهة هذا الخراب؛ حاول مريد البرغوثي أن يغسل اللغة مما شابها من قبح وعفن وترهل، وأن يعيد للكلمة براءتها ونقاءها، دون أن يفقدها سماتها الجمالية:
«يا كلمات استعيدي معانيكِ/ ولتُمسِكيها بحِرصٍ/ وعودي لنا مثلما كنتِ/ حيث الحبيب تساوي الحبيب/ وحيث العدوّ تساوي العدوّ/ وحيث احتضان العدى لا تساوي أخي جاوز الظالمون المدى/ وحيث طلعنا عليهم طلوع المنون تساوي الهجوم وليس الفرار، وحيث الهزيمة تعني الهزيمة لا الانتصار».
التقط الشاعر العادي واليومي، أصغى إليه، وتأمّله، وحاوره شعراً؛ لينتج اللاعادي فنياً، عبَّر عن دور الشاعر بقوله: «كأن الشاعر لا دور له إلا الإصغاء لأصوات الكون وصياغتها على الورق بأقصى ما هو ممكن من الإيجاز والتكثيف».
رأى الألوان في حركتها، والأشياء في تحوّلها، وابتعد عن المباشرة والخطابية، والنبرة العالية؛ ليستمع القارئ معه إلى حديث المغناطيس، والمبراة، والمرآة، والعتبة، والشرفة، والأفعى، والعلكة، والصالون، والنباتات؛ ليستمع إلى رنّة الإبرة، ودعا الشاعر إلى «أن يكتب ما يريد. المهم أن يكون كل ما يكتب متأصلاً في الوجدان الشخصي للشاعر. عندما نكتب الخارج؛ علينا أن نجعله جزءاً من داخلنا، وبأقصى درجة من الحميمية. إذا ظل الخارج خارجاً سقطنا في المقالة والخطبة، وخسرنا الشعر».
*****
صدر للشاعر اثنا عشر ديواناً شعرياً، وكتابان نثريّان. لم يقنع يوماً بما وصل إليه. تمرّد على ما وصل إليه شعراً، ونثراً، وانتزع موقعه المتميِّز ببحثه الدائم عن الجديد الذي لا يكرِّر؛ بل يضيف ويثري الأدب الفلسطيني والإنساني، معتبراً أن «التمرّد على أشكال التعبير السائدة المقولبة ليس خياراً للشاعر بل هو الطريق الأوحد لجعل ما نكتبه مؤثراً. الكتابة الحقة، كما أراها، هي التي تترك للقارئ حرية التصرف بشعوره وحرية الوصول إلى خلاصات يهتدي إليها بنفسه».
آمن بدور المثقف النقدي، وبوجوب ابتعاده عن أي سلطة، حفاظاً على استقلالية المبدع، وعبَّر عن هذا الرأي بشكل لا لبس فيه.
*****
عاد الشاعر إلى فلسطين ولم يعد،
طغت مشاعر الحزن والسخط والسخرية، على مشاعر الشوق والحنين واللهفة؛ حين رأى.
رأى الواقع المرّ؛ الخسارة الفادحة، والهزيمة التي تمشي على رجلين، والتي عبَّر عنها بشكل أدبي رفيع، في سيرة ذاتية روائية ملهِمة: «رأيت رام الله»، ثم «ولدت هناك..ولدت هنا»:
«الآن/ نحن لا نستطيع دخولها سائحين ولا طلاباً ولا عجائز، الآن/ لا نقيم فيها ولا نرحل».
لن أرى قدس السماء ولن أرى قدس حبال الغسيل؛ لأن إسرائيل متذرّعة بالسماء احتلت الأرض».
كتب بمداد قلبه وقوة بصره وبصيرته، وفرد أشرعته؛ ليبحر ويحلِّق ويبدع. كتب صوراً شعرية متحرِّكة تكاد تنطق وتضجّ بالحياة: «غمزة من عينها في العرس وانجَنّ الولد».
«مالت أزهار اللوتس نحو الماء/ ومدَّت كفيها تستبقيكِ». «عَمّا قليل/ تَخْرُجُ الشمسُ من غُرفةِ نَوْمِها/ وببطءٍ مَلَكِيّ/ تفكُّ الضِّمادَ السميكَ/ عن حَواسِّ الكَوْن».
*****
العزيز مريد البرغوثي،
نغذّ السير معك «بين نواتئ الصخر/ ونركض: علّنا نصل».
ونردِّد معك: «الدرب طويل ممتدّ ما بين الراحة والزنزانة، والدرب طويل ممتدّ/ ما بين الصوت وبين الصمت/ والدرب طويل ممتدّ/ ما بين الميلاد وبين الموت».
قرأتَ في عيني رضوى الزمن القادم، ثم قرأتَه في عيني تميم؛ ولذا تحمَّلتَ أعباء الحياة مبتسماً.
حين غادرتَ الدنيا، لم تترك فيها صوراً قابلة للتأمل فحسب؛ بل تركتَ إرثاً أدبياً وإنسانياً سوف يظلّ منارة لأبناء شعبك الفلسطيني، وكل الشعوب التي تناضل من أجل الحرية.
[email protected]
www.faihaab.com

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق