دفاعاً عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين - ٥

14 يوليو 2021 - 06:14
صوت فتح الإخباري:

مقدمة
في الشهر الماضي، كتب بنيامين والاس ويلز في مجلة «نيويوركر»:
«في المعارك حول مستقبل إسرائيل وفلسطين، والتي غالباً ما يُفهم فيها أن العداوات بين الشعبين قديمة وأبدية على حد سواء، كان بيتر بينارت الشخص النادر المتحرر من هذه العداوات. وبعد أن صنع اسمه كنصير متحمس للصهيونية الليبرالية، وداعم بارز من يسار الوسط لحرب العراق، سواء كمحرر لصحيفة «ذا نيو ريببليك» أو كوجه دائم الحضور في البرامج التلفزيونية، أمضى بينارت معظم العقد الماضي منخرطاً في مراجعة عميقة لهذه المواقف. وفي الصيف الماضي، أحدث معها قطيعة كاملة. وكتب بينارت في مقال طويل لموقع «تيارات يهودية»: «الحقيقة المؤلمة هي أن المشروع الذي كرس الصهاينة الليبراليون من أمثالي أنفسهم له لعقود - قيام دولة للفلسطينيين منفصلة عن دولة لليهود - قد فشل». ودعا الأطراف المعنية إلى العمل من أجل إقامة دولة واحدة في الشرق الأوسط، تحمي حقوق اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء.
وفي 11 أيار من هذا العام، مع تصاعد العنف في إسرائيل وغزة، نشر بينارت مقالاً ثانياً، جادل فيه بأن حق اليهود في العودة إلى ديارهم يجب أن ينطبق أيضاً على الفلسطينيين. وكتب: «إذا لم يكن للفلسطينيين الحق في العودة إلى وطنهم فإننا لا نمتلك هذا الحق نحن أيضاً».
عاش بينارت، الذي بلغ الخمسين من عمره هذا العام، عقداً من الزمن داخل مجتمع يهودي أرثوذكسي محدَّدٍ جيداً في حي «ويست أبر سايد» في منهاتن. وهو لا يزال يبدو شبيهاً بما كان عليه عندما أصبح شخصية عامة، في مطلع القرن تقريباً - الشعر الأسود القصير، والبشرة الناعمة، والتقاطيع العريضة نفسها - واحتفظ بالمظهر الجاد والرسمي، كما ينبغي لشخص كان عاكفاً على مناقشة الأمور بالغة الجدية منذ سن مبكرة جداً.
فجّر بينارت مفاجأة مدوية، حين نشر في الثامن من تموز 2020، مقالاً في صحيفة «نيويورك تايمز» واسعة الانتشار بعنوان: «لم أعد أؤمن بدولة يهودية!»، وكان من المعروف عن بينارت التزامه المخلص باليهودية، حيث ظل يكافح في مناظراته وظهوره الدائم في وسائل الإعلام الكبرى عن حق اليهود في دولة يهودية في فلسطين.
لكن موقف بينارت تغير مع انتهاء إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ونشر خطة ترامب التي تعطي دولة الاحتلال الحق في ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية. وخلص إلى موقفه الجديد الذي يدافع عنه منذ ذلك الحين: «لقد اتخذت إسرائيل قرارها: دولة واحدة يعيش فيها ملايين الفلسطينيين بلا حقوق أساسية. الآن حان الوقت لأن نتخذ، نحن الليبراليين الصهاينة، قرارنا أيضاً: التخلي عن حل الدولتين وتبنى هدف الحقوق المتساوية لليهود والفلسطينيين. حان الوقت لنتخيل أن مأوى يهودياً لا يجب أن يعني دولةً يهوديةً».
     بـقــلــم: بـيـتــر بـيـنـــــارت *

عندما تعد المنظمات اليهودية ذلك ضروريا من الناحية الأخلاقية، فإنها تجد طرقا لتحديد قيمة الممتلكات المفقودة. وكذلك الأمر بالنسبة للحكومة الإسرائيلية، التي قدرت قيمة الممتلكات التي فقدها المستوطنون اليهود الذين تم سحبهم من قطاع غزة لتعويضهم عنها. ويمكن إجراء مثل هذه الحسابات لتقدير قيمة الممتلكات التي فُقِدت في النكبة أيضا. وكان قرار الأمم المتحدة رقم 194، الذي أعلن أنه يحق للاجئين الفلسطينيين الحصول على تعويض “عن خسارة الممتلكات أو إتلافها”، قد أنشأ “لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة والخاصة بفلسطين” (UNCCP) لحساب قيمة الخسائر.
وباستخدام سجلات الأراضي، وسجلات الضرائب والوثائق الأخرى من الانتداب البريطاني، جمعت “لجنة التوفيق” بين العامين 1953 و1964 ما وصفه مايكل فيشباخ، مؤرخ كلية راندولف ماكون، بأنه “واحد من أكثر مجموعات السجلات اكتمالاً، التي توثق حيازة الأراضي لأي مجموعة من اللاجئين في القرن الـ20”.
وفي العقود الأخيرة، تم تحويل هذه السجلات إلى قاعدة بيانات قابلة للبحث ومقارنتها بالمعلومات المستخرجة من السجل العقاري الإسرائيلي. وبذلك، فإن العائق الأساسي أمام تعويض اللاجئين الفلسطينيين ليس الصعوبة التقنية. إنها الإرادة السياسية.
وينطبق الأمر نفسه على السماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم. في ظاهرها، تبدو فكرة عودة مئات الآلاف، أو حتى الملايين من الفلسطينيين، إلى ما يُعرف الآن بإسرائيل، فكرة غريبة. ولكن، في السنوات الأربع الأولى من وجودها، استوعبت إسرائيل - التي كانت تضم في العام 1948 أكثر من 800 ألف مواطن - ما يقرب من 700 ألف مهاجر.
وفي ذروة الهجرة السوفياتية في أوائل التسعينيات، عندما بلغ عدد سكان الدولة اليهودية ما يقرب من 5 ملايين مواطن، إلى جانب عدة ملايين من الفلسطينيين غير المواطنين في الضفة الغربية وغزة، استقبلت إسرائيل 500 ألف مهاجر آخرين على مدى أربع سنوات. وقد يكون عدد اللاجئين الفلسطينيين العائدين أعلى بكثير من ذلك، أو أنه قد لا يكون.
من المستحيل التنبؤ. لكن هذا القدْرَ واضح تماماً: إذا أطلق الملايين من يهود الشتات فجأة هجرة جديدة واسعة النطاق إلى إسرائيل، فلن يقول القادة اليهود إن إسرائيل تفتقر إلى القدرة على استيعابهم.
بدأ الباحثون والمفكرون الفلسطينيون في تخيل ما قد يكون مطلوباً لاستيعاب اللاجئين الفلسطينيين الذين يرغبون في العودة. وقد يكون أحد الخيارات هو البناء حيث كانت القرى الفلسطينية السابقة قائمة، بما أن ما يقرب من 70 في المائة من تلك التي تم تهجير سكانها وتدميرها في العام 1948 لا تزال شاغرة، كما تقول لبنى الشوملي، من “بديل - المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين”، الذي يدافع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين. وفي كثير من الحالات، أصبحت الأراضي الريفية التي كانت هذه القرى تقوم عليها الآن محميات طبيعية أو مناطق عسكرية. ويتخيل الجغرافي الفلسطيني سلمان أبو ستة، تأسيس “سلطة للأراضي الفلسطينية”، يمكن أن تتولى توزيع قطع الأراضي في القرى السابقة على عائلات أولئك الذين كانوا يعيشون هناك. ويتصور أبو ستة العديد من العائدين وهم “يستأنفون مهنتهم التقليدية في الزراعة، مع مزيد من الاستثمار والتكنولوجيا المتقدمة”. حتى إنه نظّم مسابقات يقوم فيها طلاب الهندسة المعمارية الفلسطينيون ببناء نماذج للقرى المستعادة.
على النقيض من ذلك، أخبرني المؤرخ الفلسطيني، رشيد الخالدي، أنه يعتقد أن من غير المحتمل أن يعود الكثير من اللاجئين - الذين يعيش معظمهم الآن في المدن أو بالقرب منها - إلى الزراعة. فربما يفضل معظمهم العيش في المناطق الحضرية. وبالنسبة للفلسطينيين غير المهتمين بإعادة بناء القرى الريفية المدمرة، دخلت منظمة “بديل” في شراكة مع منظمة “زوخروت” (ذاكرات) الإسرائيلية التي تعمل على زيادة الوعي بالنكبة، لاقتراح خيارين آخرين، كلاهما يشبه إلى حد ما الإستراتيجية التي اتبعتها إسرائيل لتوطين المهاجرين السوفيات في التسعينيات.
وفي تلك الحالة، منحت الحكومة الوافدين الجدد أموالاً للاستئجار بينما تقدم أيضاً إعانات للمطورين العقاريين ليقوموا ببناء منازل بأسعار معقولة وبسرعة. والآن، تقترح “بديل” و”زوخروت” أيضاً “مساراً سريعاً” يُمنح فيه اللاجئون الجنسية ومبلغاً من المال ثم يُتركون لإيجاد سكن لأنفسهم بمفردهم - أو مساراً أبطأ يتطلب من اللاجئين الانتظار بينما تشرف الحكومة على بناء المساكن والبنية التحتية الأخرى المخصصة لهم بالقرب من المناطق الحضرية، مع تشغيلهم في الوظائف المتاحة.
عندما يتخيل اليهود عودة اللاجئين الفلسطينيين، فإنهم لا يتصورون على الأرجح نسخة معدلة من استيعاب إسرائيل لليهود السوفيات. ويغلب أنهم يتخيلون الفلسطينيين وهم يطردون اليهود من منازلهم. وبالنظر إلى التاريخ اليهودي، والصدمة التي ألحقها الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني بالجانبين، فإن هذه المخاوف تظل مفهومة. لكن هناك القليل من الأدلة على أنها تعكس الواقع. كبداية، لا يعيش الكثير من اليهود الإسرائيليين في منازل فلسطينية سابقة، لأنه لم يبق منها، للأسف، سوى بضعة آلاف على حالها. والأهم من ذلك أن المثقفين والناشطين الفلسطينيين الذين يتصورون العودة يصرون عموماً على أن الطرد القسري لليهود من المنازل ليس ضرورياً ولا مرغوباً فيه. ويقول أبو ستة: “من الممكن تنفيذ عودة اللاجئين من دون تشريد كبير لساكني منازلهم”. وعندما سُئل إدوارد سعيد في العام 2000 عن اليهود الذين يعيشون في منازل فلسطينية سابقاً، قال إنه “ينفر من فكرة مغادرة الأشخاص لمنازلهم” وإنه “يجب إيجاد حل إنساني ومعتدل حيث تتم معالجة مطالب الحاضر ومطالب الماضي معاً”.
وضعت “بديل” و”زوخروت” مخططاً لما قد يبدو عليه “الحلّ الإنساني والمعتدل”. إذا كانت عائلة يهودية تعيش في منزل كان يمتلكه فلسطيني سابقًا، فسيتم عرض القيمة النقدية للمنزل، أولاً على المالك الفلسطيني الأصلي (أو ورثته) ثم المالك اليهودي الحالي للبيت، مقابل التنازل عن مطالبته. وإذا لم يقبل أي منهما بالنقود، اقترح ناشطا “زوخروت”، نوا ليفي وإيتان برونشتاين أباريسيو، تسوية أخرى: سوف تعود ملكية العقار إلى المالكين الفلسطينيين الأصليين، لكن الشاغلين اليهود سيستمرون في العيش هناك. وسيحصل الملاك الفلسطينيون على تعويض إلى أن ينتقل سكانه اليهود أو يموتون، وعندها يستعيدون حيازته. وفي الحالات التي توجد فيها مؤسسات يهودية حيث كانت المنازل الفلسطينية قائمة - على سبيل المثال، جامعة تل أبيب، التي تم بناؤها في موقع قرية الشيخ مؤنس المدمرة - اقترحت “زوخروت” أن يدفع شاغلوها اليهود للمالكين السابقين أجوراً مقابل استخدام الأرض.
إذا كان كل هذا يبدو شاقاً، فلأنه كذلك. في جميع أنحاء العالم، إذ نادراً ما تكون الجهود المبذولة لمواجهة الأخطاء التاريخية وتصحيحها بسيطة أو سريعة أو خالية من النزاع أو متسمة بالكمال.
بعد ما يقرب من ثلاثة عقود من انتهاء الفصل العنصري، كشفت حكومة جنوب إفريقيا في آذار النقاب عن تأسيس محكمة خاصة لتسريع إعادة توزيع الأراضي المسروقة من السود في جنوب إفريقيا؛ ويشعر بعض المزارعين البيض بالقلق من أن ذلك قد يهدد مصدر رزقهم.
وفي كندا، حيث أصبح الاعتراف بأراضي السكان الأصليين ممارسة معتادة في الأحداث العامة، بما في ذلك ألعاب الهوكي، يقاوم بعض السياسيين المحافظين هذا الاتجاه. وكذلك الحال بالنسبة لبعض قادة السكان الأصليين الذين يزعمون أن هذه الممارسة أصبحت بلا معنى. وتستخدم آلاف المدارس الأميركية الآن منهج “نيويورك تايمز 1619”، الذي يهدف إلى جعل العبودية والتفوقية البيضاء أساسيين في الطريقة التي يتم بها تدريس تاريخ الولايات المتحدة. وفي الأثناء، يحاول بعض المشرعين الجمهوريين حظر هذا المنهاج.
ولكن، بقدر ما يمكن أن تكون الجهود المبذولة لتحقيق العدالة التاريخية مشحونة وغير كاملة، فمن الجدير التفكير فيما يحدث عندما لا تحدث. ثمة سبب يجعل تا - نيهيستي كوتس ينهي مقالته الشهيرة حول التعويضات للسود عن العبودية بأزمة الرهن العقاري التي أدت إلى إفلاس العديد من الأميركيين السود في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وهناك سبب لأن ينهي متحف “الميراث” في مونتغمري، ألاباما - الأكثر شهرة لإحياء ذكرى ممارسة الإعدام خارج نطاق القانون - معرضه الرئيس بعرض أزمة الاعتقال الجماعي الحالية. عندما تُترك جرائم الماضي من دون معالجة، فإنها لا تبقى في الماضي فحسب.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق