تعلمتُ ركوب الدراجة في «الشيخ جرّاح»

14 يوليو 2021 - 06:16
صوت فتح الإخباري:

بقلم: عبد الله فياض
لا يكون تعلّم ركوب الدراجة فعالاً على الأوساخ والحصى كما هو على الرصيف. هذا رهان جيد جداً، لكنني تعلمتُ ذلك بالتأكيد لأن الطريق المسدود خارج منزل طفولتي في القدس كان مرصوفاً جزئياً فقط.
عاشت عائلتي في حي الشيخ جرّاح في القدس الشرقية، وعلى الرغم من أن إسرائيل تحكم المدينة، بما في ذلك الجانب الفلسطيني المحتل منها، إلا أنها تفشل باستمرار في توفير الخدمات المناسبة للمناطق الفلسطينية، مثل تعبيد الطرق بشكل روتيني.
في إحدى المرات القليلة الأولى التي حاولت فيها ركوب دراجة هناك، اهتزت الدراجة كثيراً وكشطت ساقي بالحصى. لذلك أخذنا أنا ووالداي دراجتي إلى ملعب قريب، على حافة الحي، وتعلمت في النهاية كيفية ركوبها هناك.
اليوم، أصبح لهذا الحي وسم #أنقذوا_حي_الشيخ_جرّاح؛ لأن المستوطنين الإسرائيليين، بمساعدة الجنود الإسرائيليين والحكومة الإسرائيلية، يحاولون سرقة منازل الفلسطينيين وتهجيرهم في سعيهم للتوسع بشكل دائم وغير قانوني في القدس الشرقية.
إنه جزء مما يشير إليه الفلسطينيون بحملة التطهير العرقي الإسرائيلية المستمرة، والتي أطلقت فصلاً قاتلاً آخر في احتلال إسرائيل لفلسطين: حتى كتابة هذه السطور، قتلت القوات الإسرائيلية 17 فلسطينياً في الضفة الغربية وأكثر من 230 فلسطينياً في غزة، بما في ذلك ما لا يقل عن 65 طفلاً. وقتل عشرة إسرائيليين بصواريخ أطلقتها حركة حماس.
إن سرقة الأرض التي تحدث في الشيخ جرّاح وعبر فلسطين ليست جديدة. هذا ما تأسست عليه دولة إسرائيل. في الواقع، بالعودة إلى ساحة اللعب في الشيخ جرّاح، تعلمت كيف أركب دراجة في ظل مبنى حكومي إسرائيلي مبني على أرض جدي. يضم المبنى مقر الشرطة الإسرائيلية، الشرطة ذاتها التي تقتل الفلسطينيين وتعاملهم بوحشية، وتعتقلنا بشكل غير قانوني، وتدوس على حقوقنا بشكل روتيني.
حتى اليوم الذي مات فيه جدي، لم يستطع التغلب على حقيقة أن أرضه قد سُرقت. في كل مرة كنا نمر فيها بجانب المبنى، كان يشير إليه ويقول: «هذا على أرضي».
لم تسرق إسرائيل أرض جدي فحسب، لقد سرقت القدس مني. خلال نشأتي في المدينة، كنت مقيماً غير شرعي في نظر إسرائيل على الرغم من حقيقة أن عائلة والدتي تعيش هناك منذ أجيال. ولدت أمي وترعرعت على بعد 10 دقائق فقط سيراً على الأقدام من منزل طفولتي، لكن عائلة والدي من طولكرم، وهي مدينة صغيرة في الضفة الغربية. ولذا فإن والدي وإخوتي وأنا لديّنا بطاقات هوية من الضفة الغربية بينما أمي المقدسية، لديها هوية مقدسية. وهذا يعني أنه بينما كان لأمي الحق في العيش في القدس، فإن بقيتنا كنا ضيوفاً فقط في منزلنا، ونعيش هناك لأننا جددنا تصاريح السفر التي سمحت لنا من الناحية الفنية بالدخول فقط إلى القدس، وليس الإقامة الدائمة (تحاول إسرائيل سحب بطاقات الهوية المقدسية من الفلسطينيين أمثال أمي منذ عقود).
لأنني ما زلت أمتلك بطاقة هوية الضفة الغربية، بصفتي شخصاً بالغاً، لا يمكنني العيش في القدس مرة أخرى على الرغم من كونها مسقط رأسي. بموجب القانون الإسرائيلي، لا يُسمح لسكان الضفة الغربية بالقيادة أو العمل في القدس ما لم تكن لديهم تصاريح خاصة، وهي نادرة جداً ويصعب الحصول عليها. كما لا يُسمح لهم بشراء أو استئجار منزل. لكن هذه القواعد لا تنطبق على اليهود، سواء أكانوا من إسرائيل أو في أي مكان آخر في العالم. طالما أن شخصاً ما يمكن أن يثبت أصله اليهودي، فإن إسرائيل ستساعده على الاستقرار في القدس وتمنحه حقوقاً وامتيازات كاملة - تلك التي لا يمكنني الحصول عليها، بصفتي فلسطينياً أصلياً، لسبب هويتي الوحيد.
هذا ما تبدو عليه دولة الفصل العنصري: حكومة تحافظ على التمييز المنهجي والقمع ضد مجموعة من الأشخاص بسبب هويتهم، مع بذل كل ما في وسعها لضمان بقاء مجموعة أخرى ذات أولوية في السيطرة. وتعمل إسرائيل بالضبط بهذه الطريقة لأن بقاء هويتها - هوية أن تصبح يوماً ما دولة يهودية ديمقراطية - يستند إلى محو الفلسطينيين كشعب. وهذا يعني فصلهم عن بعضهم البعض داخل فلسطين، مثل سكان الضفة الغربية والمقدسيين، وجعل حياتهم بائسة أو حتى قتلهم، وجعلهم يتركون أرضهم، ولا يعودون أبداً.
لكن ما فشل النظام الإسرائيلي، الذي يدعم هذا النظام القمعي، في إدراكه هو أنه بصرف النظر عن مدى صعوبة محاولته لمحو الفلسطينيين كشعب، فإننا سنبقى دائماً. وبينما يمكنهم طردنا أو تهجيرنا، فإن الشيء الوحيد الذي لا يمكنهم أبداً أن يسلبوه منا هو ذكرياتنا عن حياتنا ومنازلنا وأرضنا والتي سنحملها معنا إلى الأبد. بعد كل شيء، كيف يمكنني أن أنسى المكان الذي تعلمت فيه كيفية ركوب الدراجة؟

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق