الخطاب الحاسم في المعركة

18 يونيو 2021 - 09:57
بكر أبوبكر
صوت فتح الإخباري:

 الخطاب (الحديث) السياسي هو خطاب مهدّف وموجّه لفئة أو فئات محددة، سواء للذات الوطنية أوالحزبية، أوللجهة المقابلة-الخصم، أوللجماهير، أو للمحيط الداعم أو المناهض، أو للعدو وقد يتضمن الخطاب عناصرًا موجهة لكل الفئات بصيغ متزنة مع الأخريات.

الخطاب السياسي له من المواصفات المتفق مع قواعد الخطاب عامة، وله من الميزات ما يرتبط بمجموعة من العوامل.

لنقل بوضوح ان الخطاب السياسي يعتمد على
1-الموقف السياسي المعالج
2-وعلى الجمهور
3-وعلى طبيعة الخطيب بشكل أساسي، وقد يتغيرالحديث وفق مجريات وتطور الاحداث.

الخطاب السياسي يسير وفقًا للمرحلة فخطاب الحرب يختلف عن خطاب السلم كليًا، فما بالك بخطاب "تشرشل" حين صعق خطابه الأمة البريطانية في الحرب الاوربية الثانية بتوعد الحرب وضرورة الصبر على عكس ما افترضوه باثا للأمل، لكنه أعطى التأثير المطلوب.
أهداف الخطاب السياسي
في مرحلة السلام أو بعد توقف الحرب يصبح الفكر متجه نحو 3 عوامل هي:

1-جني الثمار السياسية
و2-كيفية التعامل مع الجماهير(بأنواعها)
و3-ابراز الانتصار/التقدم، أو التعامل مع الهزيمة/الفشل وكلفة كل واحدة قد تكون مختلفة
كلفة لغة الخطاب ذات طبيعة مختلفة، بمعنى أن وقف إطلاق النار، أو الهدوء بعد الأزمة أوالمعركة، قد لايكون مرتبطا بحقيقة التقدم أو حجم الانتصار المادي في المعركة، فلربما كلفة المعركة فاقت المتوقع بشريًا ..إعلاميًا الخ.

من مهمات الخطاب السياسي عامة بالإضافة
1-ارسال الرسائل
و2-رفع المعنويات
3- أن يقوم أيضا بعملية التهيئة أوالانعطافة من الحرب الى السلم، اوالعكس، أو قد يرتسم شيئا فشيئا للنقلة من تفجر العواطف الى الهدوء العقلاني، او العكس أيضًا.

لذا فإن الخطاب من الزاوية الفنية قد لا يختلف بين خطيب أو متحدث أو آخر وإن كانت اللمسات الشخصية تتمايز كثيرا بين شخص او متحدث أوآخر بالطبع، ما يجعل لكل متحدّث صورته وعلامته الخاصة.

خطاب المعركة الواثق

في المعركة خاصة العسكرية أو الميدانية، أو معركة الأزمة السياسية أو الصراع المحتدم، قد تجد من الخطابات سِمات: القوة والصدمة والصبر والصمود حال الضعف المادي أو المعنوي، وقد تجد خطاب الضحية ورفع الظلم، ولربما نجد خطاب إظهار القوة (وأحيانًا المبالغ فيها) لرفع المعنويات وشحذ الهمم.

إن اختيار أسس أي من الخطابات يعتمد على عوامل القوة: القوة المادية والقوة البشرية ومستوى الدعم المالي التقني الاقليمي والعالمي. كما يعتمد على حقيقة تهيئة الجمهور للصمود والصبرأو النصر أوالهزيمة.

نموذج الخطاب الواثق

في أتون المعركة كنموذج وفي بيروت عام 1982م أثناء العدوان الوحشي والقصف المكثف والحصارالشاروني الصهيوني الذي اعتبر كأنه حرب عالمية ثالثة، كان خطاب ياسر عرفات (الذي كان يلقب بالختيار ويكنى بأبي عمار) والقيادة الفلسطينية طوال 88 يومًا من الحصار والمقاومة الباسلة يعتمد على 5 ركائز رئيسة

1-الصمود للمواطنين

2-وبث الروح المعنوية العالية للقوات

3-وإرسال رسائل للعدو/أو الخصم بامكانية مواصلة القتال وعدم التراجع وصولًا لسلسلة الأهداف (مفاوضات غير مباشرة).

4- كما كان في الرسالة التي يرسلها يوميا ياسرعرفات عملية حثّ عربي وعالمي على محاولة استجلاب الدعم، أو تحقيق التدخل. (بتغييره قد يتغير الخطاب)

5- تميز بسمة الأمل والتفاؤل التي غطت محيا عرفات أثناء الحرب
أما في الخطاب غير المنطوق (الرسالة الجسدية) فلقد تمثّل في حركية الختيار التي لا تهدأ والتجوال (أمام الكاميرات التلفزية) في كل مواقع القصف دون خوف أو وجل محاطًا برجاله- ولكنه ضمن الحذرالشديد- مع عصا الماريشالية، والكلاشينكوف، والابتسامة الهادئة الذكية ركائز ثابتة.

خطاب زملط وخطاب السنوار

في خطاب استثمار (أجواء العدوان الهمجي على القدس وغزة وفلسطين) وما بعد الحرب في أيار مايو 2021م، كان للدكتور حسام زملط السفير الفلسطيني في المملكة المتحدة خطابات وأحاديث فضائية، وجماهيرية عبّرت عن مجرى الحرب وعن الرؤية الفلسطينية الوحدوية الملتفة حول فكر المقاومة الفلسطينية، وفكر الرفض للاحتلال والظلم محاولًا إبراز القوة الانسانية التي يتجلى بها الشعب الفلسطيني الموحد في كل أماكن تواجده.

ولأنه في ساحة بعيدة عن أرض المعركة (بريطانيا) وفي بيئة مختلفة وضمن جماهير منها المنخرط بالقضايا السياسية ومنها الكسول وفيها اليقِظ فإنها تحتاج لمخاطبة عناصر مختلفة في تفكيرها ضمن فهم للمجتمع الغربي بلغتها وتتفق مع معاييرها مثل التمييز العنصري والأبارتهايد والقصف للمدنييين وقتل الأطفال وحقوق الانسان وإعادة عكس الرواية الإسرائيلية المكذوبة بمنطق الضحية والجلاد.

وأيضا الإطلالة على البعد التاريخي للقضية لاسيما والدور البريطاني ثم عرض منطق العقلانية او الواقعية السياسية المتمثل بفكر الدولة الفلسطينية واستقلالها.

وقد أجاد حسام زملط ضمن مجموعة تشبهه بالخطاب بأكثر من مكان ما يمكن أن يحتسب له كاحد المنابر التي عبّرت بقوة وثقة عن رفض العدوان الهمجي والمطالبة بوقف شلال الدم النازف من غزة، فحصد الاعجاب الشديد وكان أحد أيقونات قطف ثمار الاحداث فبرز نجمًا عاليًا.
أما خطاب يحيى السنوار وهو الخطاب اللاحق على الحرب الأخيرة على غزة شهر 5/2021م، فلقد ظهر فيه الرجل نجم "حماس" الأول في حين انطفأت أنوار النجوم الأخرى أو بدت باهتة (رغم المحاولات اللاحقة لقناة الجزيرة الاخوانية لاظهار نجوم آخرين هم بالحقيقة ممثلين للخط الاخواني الجذري وليس العملاني للسنوار).

خطاب رئيس "حماس" في غزة يحيى السنوار (بعد انجلاء غبار المعركة/العدوان) كان متميزًا بعناصر إظهار القوة والصمود والتهديد بالأقوى والأقسى القادم بما يحمله من عناصر غموض مقصودة ما هو هام.

في المقابل مرّر الخطاب رسائل سياسية هي ذات رسالة حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح السياسية التي حولتها فتح لثوابت وطنية بالموافقة على الحل السياسي باستقلال الدولة على حدود 1967 وهو ما كان صعب الوصول إليه لدى جمهور حماس المتشدد قبل الحرب على غزة (رغم أن مشعل قد أقر ذلك بوثيقة حماس عام 2017، وأقرت في 2006 قبلهما في وثيقة الأسرى) لذا كان التمرير الواسع الاستخدام هو ما قام به السنوار.

وكما كان لاحقًا من تمرير رسالته بضرورة تولي حماس قيادة المنظمة ماعبر عنها (بالصالون السياسي بدونه كمقاومة) ضمن فكرة أنه يحتكر المقاومة ما يأتي في سياق الفكروالخطاب الإقصائي للتنظيمات الاسلاموية والأيديولوجية عامة. رغم واقعية السنوار التي تميزه عن غيره من متطرفي حماس الاقصائيين.

كان خطاب السنوار -بالمقارنة مع نجوم انطفأت في "حماس" أو بدت باهته- بلونه العام وحدوياً وجاذباً، عاطفيًا في جوانب وعقلانيًا في أخرى، ومذكرًا بالخالد ياسر عرفات واخوانه الشهداء القادة من كافة الفصائل، الى أن تغير خطابه قليلًا بعد أكثر من أسبوع ليتخذ شكل الرغبة العارمة بالسيطرة على المنظمة، ما يدللنا على دخول عناصر جديدة، اواختلاف المسعى السياسي أوتفوق تيارعلى تيار.

في خطابه نلحظ صبغة إظهار القوة الى درجة تبدو مبالغ فيها، وقد تكون مثيرة للعدو وكأنها تتقصد إعادة جرّه للحرب وإن بدت بصيغة تحذير، بمعنى أنه قد يفهم على الوجهين، كما نلحظ أيضًا الجدية المفرطة بتعببيراته التي كانت تحتاج لإظهار مشاعرالانسانية والتعاطف مع الشهداء والجرحى والمهجرين، وابتسامة الأمل، ما يجب أن يتدرب عليها، وليس في ذلك ما يعيب أحدًا.

الخطاب الموحد

الخطاب فترة المعركة خطاب دقيق وموجّه فإن لم يلتزم بأن يكون موحدًا، فالخراب والدمار هو الحال.

وإن لم يكن متسمًا بالقوة مقابل الغموض فهناك مشكلة، وإن لم يكن مرتبطا بشخوص أوشخص محدد، فالتوهان والتفتت سيصبح شأنًا يؤدي للهزيمة.

الخطاب العاطفي هو الخطاب الدافق وأحيانًا الهائج الذي يخاطب أحلام وآمال الجماهير نعم، ولربما يتضمن توقعات (أحلام) غير واقعية أومنطقية، وهنا يأتي دور المتحدث أو الخطيب بأن يضفي الغموض وليس الصراحة على خطابه بما لا يضرّ بعواطف الجماهير وفي ذات الوقت لا يستنزفها بادعاء الخوارق وأكاذيب العظمة (أنظر خطاب المقاتلين الاسلامويين في أفغانستان ذو الطابع الخيالي من مقاتلة التماسيح معهم..الخ في محاولة شد العالم الإسلامي)

في وقت الحرب/الأزمة الاقتصادية أو السياسية أوالعسكرية أوالمجتمعية لنا أن نرى من الخطابات ثلاثة

الأول: هو الخطاب العاطفي وقد نجد منه الهائج المنجرف حتى آخر المدى ما يعني بالحقيقة الكذب، أوالمنضبط لمعادلة العاطفة والحقيقة والغموض.

الثاني: وفي الحرب قد ترى النوع الثاني من الخطابات وهو الخطاب المرتج أو المرتبك، والهزيل وهو دلالة التيه والتخبط الداخلي المنعكس في الصورة والكلمة.

الثالث: الخطاب العقلاني وهو يصدر بالحقيقة من قوة طاغية لا تحتاج لاسستثارة الجماهير وحماستها أو رفع معنوياتها.

بمعنى آخر أن الخطاب العقلاني المنطقي في حالتنا أي وقت الأزمة/الحرب/العدوان/الاشتباك يصبح من الصعب الالتفات اليه أو الاستماع لمضمونه ما يعني ضرورة تأجيله لمرحلة برودة الدم وانتهاء العدوان.

 

 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق