الفلسطيني والحنين إلى زمن البراءة "وطأة اليقين" للسوري الكردي هوشنك أوسي

25 يونيو 2021 - 09:34
عادل الأسطة
صوت فتح الإخباري:

في روايته «وطأة اليقين، محنة السؤال وشهوة الخيال» ٢٠١٦ يأتي الكاتب السوري الكردي هوشنك أوسي على نماذج بشرية من الشرق البائس ويخوض في حياتها منذ كانت في بلادها إلى ما صارت إليه في الغرب، ومن ضمنها يكون للفلسطيني حضور أيضاً، وقد لاحظنا له في الروايات العربية التي صورت نماذج لحياته في الغرب صوراً مختلفة؛ من إيجابية في المطلق كما في «النبيذة» لإنعام كجه جي» إلى صورة وسطية تجمع بين السلبي والإيجابي كما في «سيقان ملتوية» لزينب حفني و»عواطف وزوارها» للحبيب السالمي.
يكتب هوشنك أوسي عن فلسطيني قتل أبوه، من الخلف، وهو يقاتل في حرب العام ١٩٨٢، برصاصة صديقه خليل أبو الوفا، لا لخيانته أو تعاونه مع الإسرائيليين، وإنما لطمع الصديق القاتل في زوجته.
يلتحق ابن الشهيد، بعد أن تتزوج أمه من قاتل زوجها، بحركة فتح ليواصل طريق أبيه، دون أن يعرف الحقيقة.
تتحول حياة أرملة الشهيد مع زوجها الجديد إلى جحيم، وفي أثناء الخصام والمشاحنات يقول لها إنه هو من قتل زوجها، وتصل العلاقة بين الطرفين إلى الانفصال، فيتخلى الزوج عن زوجته وقد تركها وأبناءها في مهب الريح، ما جعلها، وهي تحتضر، تتصل بابنها درغام  ليرعى إخوته ولتعلمه بحقيقة مقتل أبيه، وهنا يقرر الانتقام والثار، ويتمكن من خليل أبو الوفا ويقتله، ولكي يتمكن من الهروب إلى دمشق لا يتردد في ترك حركته والالتحاق بالجبهة الشعبية - القيادة العامة وسرعان ما يتركها، فيتصل بياسر عرفات ويحصل على شهادة براءة وعدم ملاحقة، والتفاصيل كثيرة.
بقي درغام/ أبو ياسر في مخيم عين الحلوة حتى ٢٠٠٨ وبعد أن مل من مشاكل الفلسطينيين، يبحث عن اللجوء في أوروبا.
لقد ترك زوجته وأولاده وهرب إلى تركيا، وهناك عمل في تهريب البشر، عبر البحر والبر إلى اليونان «من فدائي ومناضل يدافع عن قضية إلى مهرب؟! وصار يرسل قسماً مما يحصل عليه من الأموال إلى أسرته في المخيم، وقسم يصرفه على البارات والملاهي والنساء. أصيب بالقرف من هذه الحياة أيضاً، هرب إلى اليونان، ومنها إلى ألمانيا. أعادوه إلى اليونان بسبب بصماته، لأن اليونانيين اعتقلوه أكثر من مرة، وها هو الآن في بلجيكا منذ ٢٠٠٨».
هل شعر درغام وهو في بلجيكا بالرضا والاستقرار والطمأنينة؟
في بلجيكا صار يدخن الماريغوانا وصارت الحياة له لا تساوي سيجارة، فقد اشتاق لأولاده وزوجته وللمخيم و «لسنوات البراءة الثورية حين كانت الأغاني والقصائد وحمل السلاح يشعرنا بالهيبة وأننا نمتلك طاقة معنوية رهيبة، بإمكانها إزالة إسرائيل من الوجود وتحرير ألف فلسطين».  
ويتساءل في النهاية:
«- من المسؤول عن كل هذا الخراب الذي نعيشه؟! من؟!»
وتغرورق عيناه بالدموع وهو ينهي جملته الأخيرة:
«اشتقت لرؤية ولدي ياسر وتقبيله واستنشاق رائحته».
ولا يفعل شيئاً سوى الشتيمة والكفر برب البلجيكيين، كونهم رفضوا منحه الإقامة، بحجة أنه أتى من مخيمات لبنان لا من مخيمات غزة، فوضع مخيمات لبنان جيد؟؟؟؟!!!!.
كان درغام ولد في الخامس من حزيران ١٩٦٧ لأب فلسطيني لجأ في ١٩٤٨ من الجليل تزوج في سن متأخرة من مسيحية لبنانية، ما جعله وهو يقص حكايته في بلجيكا يقصها ضاحكاً:
«- كان عليهم تسميتي: هزيمة، خيبة، فشل، إحباط، يأس، استسلام... وليس درغام».
كان أبو ياسر يكرر حكايته بحيث حفظها أصدقاؤه عن ظهر قلب، وصاروا يذكرونه ببعض التفاصيل التي يسهو عنها أحياناً، إلا أنه في كل مرة يضيف إليها جديداً «وكأنها رواية تجدد نفسها، مقدر لها ألا تنتهي، وبإمكان جلسائه إعادة سردها، مضيفين إليها من خيالهم، لكثرة ما سمعوها، ولم يملوا منها».
يجب أن ننظر إلى صورة الفلسطيني في هذه الرواية في ضوء صورته في روايات الكاتب الأخرى، ففي روايته اللاحقة «أوهام حفلة مفتوحة» ٢٠١٨ يختار شخصية فلسطينية مختلفة.
يذهب أحمد إلى باكستان ليواصل دراسته الجامعية ويقع في حب طالبة، ولكنه يؤثر أن يلبي نداء الثورة على مطمحه الفردي ويصبح طياراً لياسر عرفات، ويستشهد في أثناء سقوط طائرة الرئيس في الصحراء الليبية في العام ١٩٩٢. كان أحمد نموذجاً إيجابياً للفلسطيني المحبوب المنتمي.
وليست شخصية درغام استثناء في الرواية العربية فهي تذكرنا بالشخصية الفلسطينية في رواية السوري فواز حداد «المترجم الخائن».
لقد تحول الثائر الفلسطيني حين ترك الخندق، والأصح حين أجبر على تركه إلى لاجئ في هذا البلد أو ذاك يعيش حياة الفراغ، والفراغ مفسدة، ويحن إلى زمن البراءة الثورية.
الكتابة تطول والمساحة محدودة.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق