رواية "سيدة الخبز" لنور السبوع: البحث عن دور للشعب في ظلّ زيف تحوّلات الربيع العربي

16 أكتوبر 2021 - 09:24
تحسين يقين
صوت فتح الإخباري:

ترصد الرواية الفترة الأخيرة من فوضى سقوط نظام الحكم، وسوء نوايا الحكم الجديد، الذي ينجح بتقديم نفسه بديلاً ديمقراطياً، لتتكشف أمور الخلاص الفردي للحكام القدامى والجدد، ثم لتتكشف أمور، عن علاقة أفراد من الفئتين، تجمعها التجارة، وأي تجارة!
شخصيات من الحاكمين والمحكومين، تتمايز في المستويات، ويجمعها مكان واحد، لكن يختلف المصير، يذهب من يذهب، من المعتركين على الاستحواذ على البلاد، ويبقى أهل البلاد.
فالرواية من خلال منطق بقاء الشعب، تمنح لا الأمل بالغد، بل إن هناك دوراً للأفراد والشعب بالمجمل، عبر الوعي السياسي والاجتماعي والأخلاقي. لذلك حمل التقديم إيحاء نقدياً وناقداً، حيث أفصحت الكاتبة، عبر اقتباسها.. أنه لا بد من الكشف عما كان ويكون.
مسار خالد، ومسار سارة، ومن معهم وضدهم، كيف التقيا، وسارا، وصولاً للمصير الفردي لهما، والمصير الجمعي لأرض العرب، الاسم الذي اختارته الكاتبة لمكان الرواية. لقد حمل هذا المسار الرواية، بالإضافة إلى المسارات الأخرى، التي تشابك مصيرها وتداخل.
بنت الكاتبة علاقات شخوصها عبر هندسة ثنائية، بدأت بسارة وخالد، فسارة وعدنان، فماهر وعدنان، مروراً بعدنان وريان، وفادي وعدنا، وأوس وليلى. وقد جاءت الهندسة للشخصيات اجتماعياً عبر اتجاه لخلق توازن ما في أدوار الرجل والمرأة، وإن كان ذلك واقعياً كان لصالح الرجل، الذي يدفع ماهر الكرواتي لتزويج ابنته من ابن رئيس الوزراء.
البداية كانت بخالد في الزنزانة، وما تلا ذلك من ترغيب وترهيب، ووصف صادم لأساليب التعذيب، والم العذاب، وصولاً إلى التخلص منه، للاستفادة منه في التشريح، الذي مع تكرره، يكشف لنا عن مأساة أخرى تنتظر الخارج من السجن، ليدخل مأساة تفوق ما كان. في هذه الأثناء، ثمة سجان يعرض عليه الانتحار، من خلال شفرة يدسها له.
ثم تطل الفتاة سارة، المتجهة في سيارة والدها إلى الجامعة، لتشهد حادثة الاعتداء على انتصار البائعة، وقلب عربتها، حيث تحتج سارة، فتعتقل، وصولاً لكشف حقيقة كونها ابنة وزير الداخلية، وهنا تأخذ الأحداث منحى آخر.
لقاء أول دون كلام مع خالد، المأخوذ - المنقول إلى الطبيب بعد وجبة تعذيب، وهي القادمة إلى مركز أمني للتحقيق. يلمحها، فتمنحه خيالاً لذيذاً يخفف شيئاً من الألم.
وستمنحهما الأيام، من خلال التجولات لقاء ثانياً، (هل كان يدرك أنه سيصير سجانها كما تساءل وهو يغادر جلسة تعذيب صفحة 24)، سنأتي على ذكره لاحقاً.
ماهر الكرواتي وعدنان الوالي: كل وقلعته، أما ماهر فوزير داخلية النظام، يخلف رئيس الوزراء بعد اغتياله، عن طريق عدنان الوالي، الذي يكون قد عرف مكان اجتماعه مع رئيس الوزراء. يمارس ماهر كرمز سلطوي كل أشكال الاستبداد والفساد والتجويع وطغيان أمن النظام، وإن غلفه بأسلوب غير استفزازي، لإدامة الحكم عن طريق فهمه العميق للمجتمع العربي، مجتمع القبيلة. تحدث الاضطرابات، وسرعان ما تطيح به، فتكون نتيجة الحكم الاستبدادي، إيصال الناس للثورة، والقبول بأي بديل سياسي. تدخل البلد في حالة فوضى، وتتعرض لقصف من قوات أجنبية، بمبرر الإرهاب، وتتدخل الدول الأجنبية التي تحتل البلاد.
في دائرة ماهر زوجته هيلدا، تترأس جمعية خيرية، تهتم بالمكياج، والابن أدهم، غير المنضبط، لكن يعرف موقعه من الاستفادة من الوضع القائم.
في حين يمثل ضابط الأمن ذراع النظام، وهو الذي يهدد خالد وآخرين بالنقل: «من قبر إلى سجن كبير».
عدنان الوالي: ما إن تظهر السوشيال ميديا ابنة وزير الداخلية سارة، وما حدث لها، حتى يبدأ بالتقرب إليها، مستغلاً نشاطه في التوعية الديمقراطية، حتى تعجب به سارة وتثق به وتحبه، فيستغل معلوماتها، بما فيها معلومة وجود رئيس الوزراء، فيخطط لقتله. كلام عدنان عن الديمقراطية كان يخفي عنفه وعنف الميليشيا المرتبطة بدول أجنبية.
في دائرة عدنان ريان وخالد، بعد استغلال وضعه، حيث يمنحه فادي ابن رئيس الوزراء، عن طريق ضابط الأمن، لأجل تشريحه، وبيع أعضائه، فيختار عدنان المتاجرة به، لتقوية نفوذه. تصبح سارة من محيط عدنان، فتواليه ضد النظام، التي تحاربه في السوشيال ميديا، وحين يتم اكتشاف علاقتها مع عدنان من خلال أخيها أدهم، كذلك بورود اسمها بعد تعقب النشر، يتم تعذيبها وسجنها في البيت، لكن سرعان ما تهرب مع عدنان إلى قلعته، فيتزوجان وينجبان. تستغرب سارة من البذخ والترف، ثم تربط ما شاهدته من دلائل اختفاء الناس، مثل الفتى مازن، فتعرف حقيقة عدنان الذي يتاجر في أعضاء الناس مع فادي ابن رئيس الوزراء، عبر وسيط مجهول. تضطر سارة لكشف إفشائها معلومات عن عدنان، حين ينوي قتل المراسل الذي كان يبعثه إلى العاصمة. في هذه الأثناء يصبح خالد المناضل، سجاناً لسارة. في هذا الوقت تنمو بينهما ثقة، وكراهية لعدنان. تتعرف سارة على أن قمع أسرة عدنان من قبل النظام، (كأن الكاتبة هنا تجيب عن سؤال لماذا) جعله لقمة سائغة في يد السيدة الشقراء، الذي تلقى منحة للدراسة في بلادها، ليصبح مخبراً. يستميل عدنان الأحزاب، ويعمل كل الموبقات، للسيطرة على الحكم، ولكنه لن يهنأ بذلك، حين تتكشف حقيقته، وحين تباغته زوجته بفعل لم يكن ليتوقعه يوماً.
تجارة الأعضاء هنا بين فادي وعدنان، تنسجم مع التجارة بالشعب ككل. وربما لم يكن هناك من ضرورة لذلك، لأنهما واقعياً، كجزء من فساد نظام، يتاجران بالشعب.
أوس أحد نشطاء الثورة، يمثل النقاء الثوري، غير المتكسب، ينخدع بعدنان، كآخرين، لكنه يظل منحازاً للناس، لم يغير من حياته شيئاً، يحاول لملمة الجراح، فهو حين ينوي الزواج من ليلى، التي اغتصبها النظام، إنما كان يحاول سترها وستر الوطن.
انتصار، سيدة الخبز، تحتضن طفل سارة الناجي، بعدما دبر أبوه عدنان حادثة قتل أخته التوأم (لربما هنا فيه شيء من المبالغة)، ويكون احتضان انتصار للطفل، كبداية تحرر، أي البدء من الطفولة في التوعية. ولربما للإشارة إلى الفصل ما بين الضحية والجلاد. والبدء دون تذكر الماضي للثأر من الحاضر.
في ظل تحولات ما بعد سقوط النظام، يستنسخ النظام الجديد المصطنع والمأجور موبقات النظام السابق، فيقتل ويثأر دون ضوابط.
فنياً:
استطاعت الكاتبة، من خلال الإتيان بعدد معقول من الشخصيات، السيطرة عليها، وعدم التشتت، في ظل الأسلوب البوليسي التشويقي المتسارع، الذي يتطلب هذه الإدارة الماهرة للشخصيات.
وقد ساعدت اللغة المستخدمة بإتقان، في مواكبة وعرض أحداث الرواية بتفاصيلها، بعيداً عن المحسنات والمجازات المثقلة. وقد وفقت الكاتبة نور السبوع هنا، في الصفحات الأولى، حين عبرت عن التداعيات الذهنية في الفضاء المحدود للزنزانة.
كذلك، من حيوية الأسلوب، هو تفاعل السرد بالمونولوجات، خاصة عند سارة، كونها تعرضت لأكثر من سجن. كما لاءمت اللغة أسلوب العصر، الذي تمثل بالسوشيال ميديا، التي تبعد عن اللغة الكلاسيكية وتقترب من اللغة الواقعية.
لربما عانت الشخصيات من النمطية، حيث نظن أنه تمت برمجتها، لإيصال رأي الكاتبة، خاصة في شخوص الحكم، وبدرجة أقل في شخوص النظام البديل من خارج المعارضة الكلاسيكية، حيث لم يكن بناؤها عميقاً بما يكفي؛ فها هي سارة ابنة أحد شخوص النظام، يتم إلباسها ثوباً غير ملائم لها. بمعنى أننا لم نجد في بناء شخصيتها ما يبرر هذا التصرف. كذلك تقديم عدد من الشخوص بشكل مطلق أضعف من مصداقيتها، رغم ذلك فإننا نظن أنها نجحت في عرض شخصيات كل من خالد وأوس وليلى، وأم أوس، وانتصار سيدة الخبز.
سيدة الخبز، ما أن تظهر حتى تختفي، لكن ردود الفعل المتتابعة، خلقت فضيلة لهذه السيدة، وكان أحرى بالكاتبة أن تفسح مجالاً أكبر لها، في ظل أنها سمت عملها الروائي بها.
عانت السردية هنا من الأحادية، أو تم الاصطلاح عليه بمرجعية السارد العارف بالشخصيات ومصيرها، على الرغم من بعض التنويعات في الضمير، إلا أنها أخذت هذا المنحى. وكان يمكن أن تكون السردية أكثر إبداعاً لو زادت بوح الشخصيات.
مرة أخرى، نحن إزاء روائية جادة، قادرة على الإمساك بسرديتها، وبحبكتها ورسالتها، ولغتها المميزة، عبر نفس روائي طويل، 335 صفحة، لم نشعر فيها بالملل. وهي الرواية الأولى لها.
لقد كانت اللغة، والنفس الروائي المميز، وفكرة الرواية، في كشف النظام الرسمي، والبديل المرتبط بالأجنبي وليس المرتبط حقيقة بمصلحة الجماهير، عناصر تلفت النظر إلى ولادة روائية فلسطينية جادة. بل روائية عربية الروح حين جعلت موضوعها هو الموضوع الشاغل لبلادنا.
وأخيراً، لعل تعويم الكاتبة للمكان، يجعلنا هنا نقيس فعلاً، مدى انطباق جوهر الرواية وأحداثها، على البلاد العربية، تلك التي اختبرت «الربيع العربي»، حيث إن هناك تفاوتاً بين بلد وآخر، فقد تشابها واختلفا، وليس من الموضوعية وضع كل التجارب في بوتقة واحدة تقود إلى التنميط. لذلك لربما لو لم تذكر «أرض العرب» كمكان لكان أفضل، بحيث يمكن أن تكون قريبة من ربيع عربي أكثر من ربيع آخر، بعيد عما حدث في سيدة الخبز.

* صدرت الرواية عن دار الفارابي 2021، ووقعت في 335 صفحة. قامت بتصميم الغلاف سالي يعيش، التي اختارت لوحة تضم حجرَي نرد وناراً ودخاناً.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق