حماية البيئة

18 أكتوبر 2021 - 07:36
عاطف أبو سيف
صوت فتح الإخباري:

الحفاظ على البيئة وحماية المعالم البيئية والطبيعية في أيّ دولة أساس وجزء من الحفاظ على هوية البلاد. فإلى جانب حماية الطيور والحيوانات البرية وطبوغرافيا المكان، فإن ثمة ارتباطاً بين المعالم البيئية وبين تراث الناس وموروثهم المعرفي والثقافي. ويشكل الحفاظ على موجودات البلاد البيئية جزءاً من النضال من أجل الحفاظ على التاريخ واستمرار الذاكرة. وينعكس هذا بشكل جلي في الحفاظ على مفردات وإحالات عميقة في القصص والحكايات الشعبية، وفي المنقول من السرديات الوطنية حول المكان وتفاصيله وارتباط المواطنين به. وفي حالات كثيرة فإن هذا "التراث البيئي" يشكل أساساً في تميّز بعض البلدان، خاصة إذ تميز بالتنوع والتعدد وارتبط بثقافة البلاد ومروياتها.
وفي الحالة الفلسطينية تعرضت البيئة، مثل كل شيء في البلاد، إلى الكثير من الدمار والتخريب وطالها الكثير من التغيّر بفعل مقصود، أو نتيجة حتمية لما مس البلاد من تدمير وتهجير وتغيير متعمد في طبيعة المكان. تم تدمير القرى وتفتيت شكل المناطق المختلفة كما تم تمزيق الطبيعة السلسة للسهول والمسطحات، وتم تجفيف منابع المياه وتحويل مجاريها؛ بغية خدمة أهداف استعمارية غريبة عن الشكل الطبيعي لجريان المياه في البلاد، أو كجزء من سياسات الإقصاء والتفريغ التي مارستها مؤسسة الاحتلال في سعيها للهيمنة على البلاد. لقد كانت الحرب على البيئة دوماً جزءاً من الحرب على الوجود وعلى المكان والمواطنين الذين يشغلون هذا المكان. ومثل كل شيء فإن الحرب كانت شاملة ولم ترحم أحداً ولم توفر شيئاً. كان يجب العمل على تغيير كل شيء.. من الجبل إلى السهل ومن الغابة إلى الشواطئ والوديان، ومن ينابيع المياه إلى برك التجميع الطبيعية. كان على كل شيء أن يبدو جزءاً من مشروع أكبر يحاول أن يسلخ المنطقة عن ماضيها، كما عن محيطها. لذا فإن زراعة الأشجار في مناطق من البلاد، أو اقتلاع الأشجار في مناطق أخرى، كان يتم وفق مخطط جاهز لتغيير معالم المكان؛ حتى يتلاءم مع الشكل الجديد المبحوث عنه، وحتى يوافق أهواء الغزاة الوافدين من نواحٍ بعيدة. وبنفس القدر الذي كان يتم فيه تدمير المكان أو إعادة تهيئته وسرقة التراث المادي وغير المادي، كان يتم أيضاً وبذات الجشع الاعتداء على البيئة والطبيعة ومحاولة تغيير معالمها بشكل لافت.
الأمر لم يكن مجرد ردة فعل على واقع أو رغبة في تغيير واقع، بل جزء من مشروع أكبر يتم فيه محو الرواية والسرديات التي تم تناقلها عن هذه البيئة لآلاف السنين، وربما الانتساب ولو عبر خط ضعيف من الأكاذيب لتلك السرديات. هذا الانتساب يتطلب تحويراً جوهرياً في طبيعة وبيئة المكان وموجوداته وسرقة طيوره وحيواناته حتى. ولم يكن الصراع على منابع المياه ومحاولة حرف الوديان عن مجراها مجرد سرقة للمياه - على أهيمه ذلك - بل كان أيضاً إعادة تشكيل المكان بما يخدم المشروع الصهيوني الاستعماري الإحلالي.
كثيراً ما أفكر في كل ذلك وأنا أنظر إلى "ما تبقى" لنا من هذا الواقع البيئي والطبيعي. كنت قبل أيام أتمشى فوق الجسر الواقع أعلى وادي غزة والرابط بين النصيرات ومدينة الزهراء، حين أدركت كيف لا نبالي كثيراً بثرواتنا البيئية. رائحة الوادي القاتلة والمياه الراكدة الآسنة في قاعه، لا تقترح أننا أمام محمية بيئية تشكل ثروة وطنية. بعض طيور أبو قردان تقف بِحيرة بين أعواد القصب القليلة المتبقية على حواف الوادي ربما مهاجرة من مكان لآخر. الوادي يشكل معلماً من معالم الطبيعة في الجنوب الفلسطيني بات يتهدده الخطر بشكل حقيقي. ترتبط الكثير من الذكريات عند الناس بالوادي وفيضانه في أوقات الشتاء، وانقطاع الطريق الرابط بين مدينة غزة والمناطق الجنوبية في القطاع. وبالطبع يرتبط بالكثير من الحكايات الشعبية والموروثات والمسرودات المحلية، الأمر الذي يجعل الحفاظ على المكان جزءاً من الحفاظ على الطبيعة بجانب كونه عملاً مهماً للحفاظ على ذاكرة الناس ومروياتهم الشعبية.
أمر شبيه بما تتعرض له الحيوانات البرية في جبال الضفة الغربية من تدمير يقود إلى اختفائها التدريجي من حياة الناس، وبالتالي من مروياتهم وذكرياتهم. تصاب بالغثيان وأنت ترى جثة أحد تلك الحيوانات مثل الثعلب مدهوساً في الشارع. وبين فترة وأخرى يتكرر ذات المشهد في إشارة واضحة إلى أن أحداً لا يحمي تلك الحيوانات من خطر الإنسان الداهم. نفس الشيء ينطبق على الصيد الجائر للطيور المهاجرة، الأمر الذي يجعل مرورها بعد ذلك فوق سماء البلاد صعباً، ناهيك عن انقراضها إذ لا تسكن الجبال والتلال. أحد تلك الأمثلة ربما كان طائر الفر الذي بات اصطياده على طول شاطئ البحر أمراً مألوفاً، وربما التوجه لمنع ذلك يشكل إشارة جيدة إلى حمايته وحماية التعدد والتنوع البيئي في البلاد.
للأسف مدننا تبدو مثل كتلة من الأسمنت. الهم الأساس للبلدية هو ترخيص البناء وقصّ البيّارات في غزة، وقصّ الجبال في الضفة من أجل بناء عمارات تشوه شكل المدينة، دون رؤية حقيقية حول ماهية المكان الذي نريد أن نعيش فيه. لا توجد إجابات؛ لأن الأسئلة غائبة من الأساس، ودون وجود قلق لا توجد طمأنينة ولا يقين. وإذا كنا سنعيش في عالم من الإسمنت دون أن نحيط أنفسنا قليلاً ببعض الجمال الإلهي الذي صاغه الكون، فإننا نجازف بأن نضيف لحياتنا المزيد من القيود.
كان أرسطو يشكو من أنهم يقصون الأشجار حول أثينا. الصرخة والشكوى ما زالت قائمة؛ إذ إن غياب رؤية حقيقية لحماية البيئة من شأنه أن يساهم في تعزيز توجهات الاحتلال في سرقة بيئة البلاد وتشويهها قبل ذلك، وإعادة توظيفها بما يخدم رؤيته.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق