"هآرتس"الـصـراع الـفـلـسـطـيـنـي - الإسـرائـيـلـي: «خـيـار الـدولـتـيـن» الـحـل الـوحـيـد الـمـمـكـن

27 نوفمبر 2021 - 08:14
صوت فتح الإخباري:

بقلم: شاؤول اريئيلي

في قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة رقم 181 بتاريخ 29 تشرين الثاني 1947 كتب: "يوجد، الآن، في فلسطين 650 ألف يهودي و1.2 مليون عربي، يختلفون عن بعضهم من حيث نمط الحياة والمصالح السياسية". وبسبب أن "المطالبة بفلسطين تأتي من العرب وأيضا من اليهود، والتي هي صحيحة ولا يمكن التوفيق بينها" فإن النتيجة هي أنه "من بين جميع الاقتراحات التي تم طرحها فإن التقسيم هو الأكثر عملية من بينها". ما الذي قاد الأمم المتحدة الى هذا الاستنتاج؟ وهل الواقع في 2021 يقود الى الاستنتاج ذاته، وهو أن هنا حاجة الى التقسيم، أم أن الأقرب الى تسوية النزاع حلول اخرى، ليس بالضرورة جديدة، مثل الكونفيدرالية أو الدولة الواحدة؟
من المهم التذكر بأن التقسيم لم يكن الخيار الأول للطرفين. فقد بدؤوا النضال من أجل البلاد من خلال رؤية لعبة المحصلة الصفرية. بني موريس في كتابه الذي يحمل عنوان "دولة واحدة، دولتان: إسرائيل وفلسطين" أشار إلى أن العرب عبروا عن انفسهم بصيغة "نحن سنقوم برمي اليهود في البحر، أو أنهم سيقومون بإعادتنا الى الصحراء". أو مثلما قال دافيد بن غوريون في 1919: "نريد أن تكون أرض إسرائيل لنا كأمة. والعرب يريدون أن تكون البلاد لهم كأمة" (كتابه الذي يحمل عنوان "أرض إسرائيل").
من أجل تحقيق هدفها، وهو إقامة دولة ديمقراطية مع هوية يهودية في كل "أرض إسرائيل"، سعت القيادة الصهيونية الى تحقيق أغلبية يهودية في البلاد، مثلما قال زئيف جابوتنسكي في خطابه في المؤتمر الصهيوني في العام 1931: "ستصبح البلاد بلاد اليهود في الوقت الذي ستكون فيها أكثرية يهودية". في المقابل، كانت القيادة تدرك الواقع الديمغرافي في البلاد، التي كان فيها العرب يشكلون 90 في المئة من السكان، وسرعان ما طرحت حلول وسط، مؤقتة أو دائمة.
يهودا ماغنيس من حركة "حلف السلام" طالب في العام 1925 بـ"شق طريق تفاهم بين العبريين والعرب لطبيعة حياة مشتركة في أرض إسرائيل على أساس المساواة الكاملة في الحقوق السياسية للقوميتين". جابوتنسكي في العام 1926 كتب: "المستقبل يجب أن يبنى، من ناحية العلاقات المشتركة، كدولة (ثنائية القومية)". وبن غوريون قال في خطاب له في العام 1924 في عين حارود: "بالتأكيد يوجد للسكان العرب في أرض إسرائيل الحق في تقرير المصير والحق بحكم ذاتي... فقط تحالف العمال العبريين والعرب هو الذي سينشئ ويؤسس حلف الشعب العبري والعربي في البلاد".
طُرح بديل التقسيم رسميا من قبل البريطانيين في العام 1937. اللجنة الملكية برئاسة اللورد بيل قدمت في 7 كانون الثاني 1937 شرحاً لذلك: "نزاع لا يمكن قمعه اندلع بين طائفتين قوميتين... لا يوجد أي شيء مشترك بينهما. هما مختلفتان عن بعضهما من حيث الدين واللغة، وفي حياتهما الثقافية والاجتماعية. وطرق تفكيرهما ونمط حياتهما بعيدان عن بعضهما بدرجة لا تقل عن طموحاتهما القومية". بناء على ذلك أوصت اللجنة بتقسيم البلاد الى دولة يهودية صغيرة ومنطقة عربية سيتم ضمها لشرق الأردن.
بعد مرور عشر سنوات، في شباط 1947، عرض بن غوريون، الذي كان يؤيد فكرة التقسيم، على آرنست بيفن، وزير الخارجية البريطانية، موقفه حول طريقة تسوية النزاع: "التسوية الفورية المحتملة الوحيدة... هي إقامة دولتين. الاولى يهودية والثانية عربية". لم تجد لجنة التقسيم "اونسكو" من الصحيح في العام 1947 تغيير تقدير لجنة بيل حول عدم امكانية وجود سياسي مشترك، وفقط اقلية من بين اعضاء اللجنة اقترحوا دولة فيدرالية ثنائية القومية. معظم اعضاء اللجنة تمسكوا بالتقسيم على اعتبار أنه الطريق الأكثر عملية.
التحدي الأكبر لترجمة التقسيم السياسي الى حدود ملموسة وقف امام باول موهان، نائب المندوب السويدي في "اونسكو". فقد أراد "توحيد فكرتين لا يمكن التوفيق بينهما". الفكرة الاولى هي خوفه من "العداء بين اليهود والعرب"، الذي أدى الى الفصل بين المجموعتين السكانيتين. ولكن غياب التواصل في انتشار التجمع السكاني العبري أدى الى التقسيم الاشكالي لكل دولة من الدول الى ثلاث مناطق ترتبط ببعضها في نقطتين. هذا التقسيم، الذي أبقى في الدولة اليهودية أقلية عربية كبيرة، 45 في المئة، وعدم القدرة على الفصل بين البنى التحتية للبلاد ومواردها، أدى الى الفكرة الثانية وهي "التعاون بين اليهود والعرب"، الذي أدى الى صك مفهوم "اتحاد اقتصادي" في القرار. معناه كان استخدام وإدارة وتطوير مشتركة للدولتين في مجالات اقتصادية مختلفة مثل الجمارك والعملة والبنى التحتية والموانئ الجوية والبحرية والتطوير الاقتصادي والمياه وما شابه. ايضا يتم اعطاء امكانية حمل جنسية الدولة الثانية لكل شخص من الاقلية في دولته. التاريخ معروف: العداء هزم الأمل بالتعاون.
ما هو الواقع، الآن؟ أولا، التوزيع السكاني والميزان الديمغرافي، الآن، يختلفان كليا عما كان في العام 1947. منذ العام 1949 تتمتع إسرائيل بتواصل جغرافي من المطلة وحتى ايلات، وبأغلبية يهودية حاسمة ومستقرة تبلغ 80 في المئة. ايضا في اراضي الدولة العربية، فلسطين، الوضع، الآن، مختلف. ففي قطاع غزة لا يوجد يهود منذ العام 2005، وفي الضفة الغربية (بما في ذلك شرقي القدس) يوجد في الواقع 670 ألف يهودي، لكن 80 في المئة منهم يعيشون قرب الخط الاخضر، وفي تبادل للأراضي، 4 في المئة، يكون بالامكان ضمهم لإسرائيل. في المقابل، حل الكونفيدرالية، الذي يمكن من الاقامة والسكن والحركة في ارجاء جميع البلاد، سيغير توزيع السكان، ويدخل الاحتكاك العنيف مثلما حدث في أيار 2021، الى روتين الحياة الكونفيدرالية.
إضافة الى ذلك، سيتغير الميزان الديمغرافي. الآن، يعيش في فلسطين – "أرض إسرائيل" الانتدابية 48 في المئة من اليهود، ممن حسب تنبؤ الديمغرافي سيرجيو دي لا برغولا، فإن نسبتهم ستقل بالتدريج، وستصل إلى الثلث في العام 2050. مع عودة اللاجئين التي يقتضيها حل الكونفيدرالية فإن نسبة اليهود ستنخفض بشكل دراماتيكي. في هذا الوضع سيحدث في فترة قصيرة انتقال من الكونفيدرالية الى دولة واحدة، عبرية مع اقلية يهودية ضئيلة فيها.
ثانيا، الفجوة الاقتصادية بين الطرفين كبيرة، خلافا للمساواة التي كانت توجد في العام 1947. حسب المؤشر الاقتصادي – الاجتماعي لمكتب الاحصاء المركزي فإنه، الآن، يعيش في "الدولة اليهودية"، في الثلث الادنى، 16 في المئة من اليهود و89 في المئة من العرب. في المقابل، السكان العرب في الضفة وفي غزة، في "الدولة العربية" التي ستقام، سينتمون لاسفل العنقود. إسرائيل توجد في نادي الاثرياء الذي يشمل العشرين دولة الرائدة اقتصاديا في العالم مع ناتج محلي للفرد يبلغ 43.7 ألف دولار. الناتج المحلي الاجمالي الخام للفرد في السلطة الفلسطينية هو 4.928 دولار (في العام 2020). توجد الفجوات في جميع المجالات، استهلاك الفرد، ونسبة البطالة والتصدير والأجر المتوسط وغيرها. وفي النهاية، في "الدولة اليهودية" توجد كل الموانئ الجوية والبحرية ومحطات توليد الكهرباء ومنشآت التحلية والناقل القطري وخطوط سكة الحديد والشوارع السريعة والمفاعلات النووية والمناطق الصناعية الكبيرة والمراكز التجارية العالمية.
هل يعتقد أتباع فكرة الكونفيدرالية حقاً بأن المجتمع العربي، الذي يعد ملايين الفقراء الذين يحظون بحرية الحركة والسكن في كل البلاد، يمكنهم العيش بسلام دون الاحتكاك مع المجتمع اليهودي الاكثر ثراء منهم بعشرة اضعاف؟ هل هؤلاء لا يعرفون أن سكان "الدولة العربية" سيرفضون العمل كـ"حطابين وسقائين" لصالح "الدولة اليهودية"، ما سيؤدي الى حرب اهلية مستمرة؟ بكلمات أخرى، الواقع، الآن، الذي يتمثل بالتقاطب الاقتصادي حسب الانتماء القومي لا يسمح بالكونفيدرالية.
ثالثا، الروايات القومية المتعارضة التي كل واحدة منها تقول إن البلاد "جميعها لي" لن تتغير. "م.ت.ف"، حتى بقبولها التنازل والاكتفاء بـ 22 في المئة من البلاد (الضفة الغربية وقطاع غزة) حسب قرارات الامم المتحدة، أكدت على أنه لا يوجد في هذا أي تغيير في روايتها القومية. في مقدمة الإعلان عن إقامة دولة فلسطين في العام 1988 أعلن المجلس الوطني الفلسطيني التابع لـ"م.ت.ف" عن موافقته على تقسيم البلاد الى دولتين "رغم الظلم التاريخي الذي فرض على الشعب العربي الفلسطيني". في اوساط "حماس"، رغم انه يمكن رؤية إشارات التنازل والاستعداد للتقسيم، إلا أن موضوع اللاجئين لم يتم حسمه.
في المقابل، في أوساط الإسرائيليين لم يتبدل التطلع لـ"أرض إسرائيل الكاملة". في ايلول 2016 اعلن نفتالي بينيت: "الحلم هو أن يهودا والسامرة ستكون جزءا من أرض إسرائيل السيادية". وفي نيسان 2019 اعلن رئيس الحكومة السابق، بنيامين نتنياهو: "سنفرض بالتدريج سيادة إسرائيل على اجزاء في يهودا والسامرة". وطالما أنه يوجد في الطرفين من يواصلون رعاية الاحلام القومية فيبدو أن حل الكونفيدرالية الذي لا يضمن فصل وسيطرة حصرية على الحدود وعلى الهجرة والاستيطان هو حل غير قابل للتطبيق، ويهدد الحلم الصهيوني بدولة ديمقراطية مع هوية يهودية.
التحدي الاكبر ليس في البعد المكاني – المادي، لأن حل الدولتين على اساس المعايير التي وجهت المفاوضات في انابوليس في العام 2007 ما زال محتملا، بل في البعد السياسي. شروط تحققه هي استعداد الحكومة في إسرائيل لاعادة تبني حل الدولتين وقدرة الفلسطينيين على طرح عنوان واحد له سلطة وشرعية لإدارة المفاوضات والتوقيع على اتفاق دائم.
رؤساء الحكومات السابقون في إسرائيل فهموا الحاجة الى التقسيم والانفصال. هكذا أعلن اسحق رابين في العام 1995: "أرى أن موضوع الفصل هو موضوع رئيسي". ايهود باراك قال في 2000 إنه "يرى في الفصل ضرورة قومية عليا للديمغرافيا والهوية والديمقراطية الإسرائيلية". وقال شارون في 2003: "كنت أعتقد وأملت بأن نستطيع الاحتفاظ الى الأبد (بالمناطق)، لكن الواقع المتغير في البلاد وفي المنطقة وفي العالم أجبرني بتقدير آخر وتغيير المواقف". ايهود اولمرت قال في 2007: "إما دولتان أو ستنتهي إسرائيل".
يبدو أن الادراك المتجسد في قرار التقسيم حول الحاجة الى أن يبقى كل طرف من الطرفين مع "نصف ما يرغب فيه في يده"، ما يزال صحيحاً حتى بعد مرور 74 سنة. وحسب قرار التقسيم: "فقط بوساطة التقسيم يمكن لهذين الطموحين القوميين المتعارضين أن يجدا تعبيرهما الحقيقي، وتمكين الشعبين من احتلال مكانهما كأمتين مستقلتين".

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق