"هآرتس"شهادتي بعد 38 عاماً من العمل: قضاة إسرائيل يعملون لصالح المؤسسة الأمنية

04 يناير 2022 - 08:22
صوت فتح الإخباري:

بقلم: يوسي ميلمان
قبل نحو أربع سنوات ونصف السنة كشفت عن شكوك بسلوك غير قانوني لشركة "ايروناوتكس"، وهي شركة طائرات بدون طيار في يفنه وعدد من الشخصيات الرئيسة فيها. حسب المعلومات فإن عاملين في الشركة أُمروا بالقيام بعملية معينة رغم أنهم عرفوا أنهم بذلك يتجاوزون قانون التصدير الأمني.
كل ذلك من أجل تلبية رغبة دولة أجنبية. نفت الشركة ذلك. وفي أعقاب النشر اضطر نير بن موشه، المسؤول عن الأمن في جهاز الأمن، وشرطة إسرائيل إلى فتح تحقيق. وقد فعلوا ذلك بعدم رغبة وكأن الشيطان تملكهم.
الشركة منذ تأسيسها قبل نحو ربع قرن من قبل آفي ليئومي، تغيرت ملكيتها عدة مرات، والآن هي بملكية "رفائيل".
ورغم أن اسمها ارتبط بصفقات سلاح إشكالية بمئات ملايين الدولارات في نيجيريا والهند والتي وصل صداها إلى المحاكم، إلا أنها بقيت دائما حبيبة جهاز الأمن ومن تخرجوا من هذا الجهاز.
من بين العاملين السابقين فيها مثل عمري شارون وايتي اشكنازي (ابن غابي اشكنازي) ورئيس "الشاباك" السابق، يعقوب بيري، كان مستشار خارجي لها، ومن بين الرؤساء فيها كان قائد سلاح الجو السابق، ايتان بن الياهو، وقائد سلاح البحرية السابق، يديديا يعاري.
على الفور بعد ما نشرته في "معاريف" عن الشكوك ضد "ايروناوتكس" سارعت شرطة إسرائيل والمسؤول عن الأمن في جهاز الأمن إلى الطلب من محكمة الصلح في ريشون لتسيون منع النشر حول الموضوع.
القاضيان عميت مخلس ودان افنون استجابا بإرادتهما للطلب، وأمرا بإصدار أمر منع النشر.
بعد ذلك رفضا الالتماس الذي قدمته لإلغاء الأمر الذي قدمه المحامي العاد مين، المستشار القانوني في جمعية هتسلحا.
كان أمر المنع شاملاً جداً، حتى أنه منع نشر ما نشرته في السابق، رغم أنه حتى الآن يمكن إيجاد المعلومات، بما في ذلك اسم الدولة التي وقعت الحادثة فيها، في متناول كل من يضغط على لوحة المفاتيح في مواقع وسائل الإعلام الأجنبية وفي ويكيبيديا وفي الشبكات الاجتماعية.
ورغم ذلك، كان القضاة مستعدين للعمل كإضافات في هذا المسرح اللامعقول الذي يوجهه جهاز الأمن والشرطة، وذلك ليس للمرة الأولى. ناهيك عن القول إن جميع الجلسات عقدت في غرف مغلقة، وبعضها بحضور طرف واحد، بعد إخراجنا أنا ومين من قاعة المحكمة.
وقد ساهمت في تخويف القضاة أيضا حقيقة أن "الموساد" تدخل في القضية وقدم رأيه، وهذا الرأي حذّر من أن أي نشر سيضر بالمصالح الأمنية الإسرائيلية.
وإذا لم يكن هذا كافيا، فإن وزير الدفاع في تلك الدولة، التي تعتبر الذخر الاستراتيجي الأكثر أهمية بالنسبة لإسرائيل، زار في حينه البلاد، وحذر من أن التعاون الاستخباري – العسكري والأمني معها سيتضرر إذا استمر النشر.
وسائل الإعلام في تلك الدولة، التي يترأسها ديكتاتور فاسد، قامت بشتمي ووصفتني بأنني عميل لدولة أخرى توجد في مواجهة عسكرية معها.
قبل بضعة أيام قدمت نيابة الدولة لوائح اتهام ضد "ايروناوكس" وثلاث شخصيات رفيعة فيها، وبهذا صادقت على صحة التقرير الأصلي لي منذ آب 2017. ولكن مع كل الرضا لدي بأنني ساعدت في مكافحة الاشتباه بالفساد وأنني ساهمت أيضا في الديمقراطية في إسرائيل، فإن خيبة أملي من سلوك جهاز الأمن وجهاز القضاء فقط تزايدت عند تغطية هذه القضية.
أنا صحافي منذ 47 سنة، منها 38 سنة كنت مختصاً في تغطية شؤون الاستخبارات والأمن.
وفي جزء كبير من هذه الفترة عملت إلى جانب الكتابة في المجال القانوني في عشرات محاولات رفع أوامر منع النشر عن قضايا أمنية.
في أواخر سنوات حياتي، أدرك بأن الوضع فقط آخذ في التدهور. جهاز المناعة القضائي وقدرته على مواجهة جهاز الأمن آخذة في الضعف.
راكمتُ تجربة من الالتماسات التي قدمتها لجميع الهيئات القضائية في إسرائيل مثل محكمة الصلح والمحكمة المركزية والمحكمة العليا.
وقد مثلت أمام قضاة "ليبراليين"، من بينهم أهارون براك وإيلا روكتسيا ومني مزوز ويورام دنتسغر وعدنا أربيل وأوري شاهم واستر حيوت، وأمام قضاة محافظين من بينهم دافيد مينتس ونوعام سولبرغ وأليكس شتاين.
في كل ما يتعلق بشؤون الأمن لا يوجد بينهم أي فروقات. جميعهم يقفون بصمت عند سماع كلمة "أمن".
وجميعهم قضاة لجهاز الأمن. هم مستعدون لأن يطهروا تقريبا أي ظلم يرتكبه جهاز الأمن وأن يبعدوا بسرعة، دون نقاش معمق ومن خلال إظهار مزاج قضائي مستخف ومتغطرس، أي استئناف أو طلب لوسائل إعلام أو محامين أو نشطاء حقوق إنسان أو أي شخص يحب العدالة.
في السنوات الأخيرة وافق القضاة وبرروا قرارات وزارة الدفاع و"الموساد" تسليح زعماء يخرقون حقوق الإنسان وديكتاتورات في دول مثل أذربيجان والفلبين وبورما وجنوب السودان والسعودية، ومنع نشر وثائق من أرشيف الدولة عن مذابح واغتصاب وطرد في "حرب التحرير"، وعن قتل أسرى في الحروب أو عن عمليات استخبارية شارك فيها تجار مخدرات. بالطبع كل ذلك تم باسم الأمن الوطني، ولكن في الحقيقة هذا الاسم يتم حمله عبثاً من أجل التغطية على إخفاقات أو من أجل إخفاء أفعال غير قانونية، يخجل منها جهاز الأمن.
الـ"ديب ستيت" أو الدولة العميقة، أي الدولة المخبأة تحت الأرض، هو مفهوم من مجال العلوم السياسية.
هذا المفهوم يصف وضعا تتكون فيه مجموعة سرية من شبكات خفية للقوى، تعمل بصورة مستقلة خارج القيادة السياسية المنتخبة في الدولة وتحاول الدفع قدما بأجندتها أو أهدافها.
برز هذا المفهوم وحصل على الشرعية في عهد ولاية دونالد ترامب في أميركا.
أوساط اليمين المتطرف هناك وأيضا في إسرائيل بدؤوا في استخدامه، وعن طريقه ينشرون نظريات تآمرية مدحوضة من أجل ضرب دوائر اليسار والليبرالية وإضعاف القضاء والإعلام والمس بالديمقراطية.
ولكن في إسرائيل هذا المفهوم المشكوك فيه يناسب جهاز الأمن الذي يعمل مثل دولة داخل دولة، ويعمل تقريبا كل ما يخطر بباله دون رقابة برلمانية ناجعة، وبتعاون وثيق ودعم من جهاز القضاء.
حركة الكماشة المندمجة هذه تنهك القلائل الذين ما زالوا مستعدين للنضال من أجل العدالة وحقوق الإنسان والأخلاق وضد المظالم.
أيضا أشعر بأن قوتي أنهكت وأنني أحارب مثل دون كيشوت ضد طواحين الهواء.
نفدت شهيتي للعودة وتقديم التماسات في المحاكم. ربما سأحاول مرة أخرى.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق