"تايمز أوف إسرائيل"التشجير.. وسيلة لـ "الترحيل الناعم" في النقب

15 يناير 2022 - 09:24
صوت فتح الإخباري:

بقلم: آرون بوكسرمان
تبدو الشتلات الرفيعة، التي تم زرعها وقامت جرارات بجرفها، غير ضارة بالمرة، حيث لا تتوقع أن تؤدي إلى إثارة أزمة ائتلافية. لكن اتضح أنه لمكان وكيفية زرعها أهمية على المستوى الوطني.
بدأ الصندوق القومي اليهودي (كاكال)، وهو هيئة شبه حكومية تشرف على 13 في المائة من أراضي إسرائيل، أعمال غرس أشجار استمرت عدة أيام في أرض متنازع عليها في النقب، الأحد الماضي. كان الرد فورياً: تصاعدت احتجاجات السكان البدو وتطورت إلى اشتباكات.
يعيش العديد من بدو النقب في بلدات غير معترف بها منتشرة عبر الصحراء الجنوبية لإسرائيل. سعت الحكومة إلى نقلهم إلى مدن مخططة ومعترف بها، لكن معظم البدو يرفضون ذلك، ويصرون على الحق في البقاء حيث هم.
ووصف زعماء البدو أعمال التشجير بأنها بداية لمحاولة ترحيل بعض أولئك الذين يعيشون في القرى غير المعترف بها والاستيلاء على الأراضي المتنازع عليها. على الرغم من اقتصار غرس الأشجار، هذا الأسبوع، على مساحة صغيرة من الأراضي الزراعية، إلا أنهم يرون في ذلك جزءاً من خطة أكبر لإخلاء المنطقة من السكان البدو.
"كاكال"، التي تُُعرف أيضا باسم “كيرين كاييمت ليسرائيل”، تقول إنها تزرع الأشجار في أراضي الدولة. ويرى دعاة حماية البيئة أن تشجير الأراضي العامة الإسرائيلية هو هدف بيئي مهم.
البرلماني من حزب “أزرق أبيض”، ألون طال، وهو ناشط بيئي مخضرم وأشرف في السابق على مجال الحراجة في "كاكال"، يقول: “لا يوجد هناك ترحيل. هذه أراض وطنية؛ لدينا الحق في حمايتها لجميع المواطنين، وإحدى الطرق للقيام بذلك هي غرس الأشجار”.
بحلول ليلة الثلاثاء، خرج الوضع عن السيطرة. تم اعتقال 18 بدوياً على الأقل، بينهم سبعة قاصرين. قام فتية بدو بإضرام النار في مركبة أحد المراسلين ورشقوا قطارا مارا بالحجارة.
وأعلن رئيس حزب “القائمة العربية الموحدة”، منصور عباس، أن حزبه سيتوقف عن التصويت مع الائتلاف الحاكم. يرى الحزب الإسلامي في البلدات المحافظة والمتدينة بغالبيتها الساحقة معقلا انتخابيا رئيسيا.
يوم الأربعاء، بعد دبلوماسية مكوكية بين جميع الأطراف، بدا أن الأمور في طريقها إلى حل، مع توقف غرس الأشجار والتوصل إلى اتفاق سياسي مؤقت بشأن إجراء محادثات لإضفاء الشرعية على المزيد من منازل البدو غير المعترف بها. لكن كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟
يعيش عشرات الآلاف من بدو النقب في قرى غير قانونية بموجب القانون الإسرائيلي. بينما نادرا ما تقوم إسرائيل بعمليات ترحيل جماعي، إلا أن الحكومة تهدم بانتظام المنازل ومباني أخرى في هذه القرى.
سعى البدو في القرى غير المعترف بها في بعض الأحيان لإثبات ملكيتهم للأرض التي يعيشون عليها. تم تقديم العديد من الادعاءات في السبعينات، لكن بعد أربعة عقود لم يتمكنوا من إحراز تقدم يذكر. فقد البدو الغالبية العظمى من القضايا التي تم حسمها.
تقول حايا نواح، التي تشارك في إدارة “منتدى التعايش السلمي في النقب” اليساري: “اليوم، هناك نحو 500 ألف دونم من الأراضي المتنازع عليها. يتم استدعاء البدو إلى المحكمة ويُطلب منهم إثبات ملكيتهم، لكن بخلاف التقاليد الشفوية، ليس لديهما غالبا ما يظهرونه”.
عندما وصل عمال "كاكال"، الأحد الماضي، إلى النقب لغرس الأشجار، فعلوا ذلك في أرض يقول سليمان الأطرش، وهو بدوى محلي، إنها ملكه. قدم الأطرش دعوى في العام 1973 وما زالت معلقة، والمنطقة مصنفة حاليا على أنها أراضي دولة.
وقال مسؤول حكومي إسرائيلي في الجنوب، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن اسمه، إن “غرس الأشجار هو أداة فعالة للحفاظ على الأراضي العامة لاستخدامها في المستقبل لأي حاجة. في المستقبل، يمكن تحويل المنطقة إلى أرض صناعية أو سكنية”.
لكن خبراء يقولون إن مشاريع التشجير يتم تنفيذها أيضا لأسباب سياسية: لإبعاد البدو عن الأراضي المتنازع عليها، ومعهم مطالباتهم بالمنطقة. تنظر الحكومة الإسرائيلية إلى هذه الخطوة على أنها حماية لأراضي الدولة من قاطنين غير شرعيين.
وقال ثابت أبو راس، المدير المشارك لمنظمة “مبادرات إبراهيم” غير الربحية: “هذا نوع من الترحيل الناعم. هناك وسيلتان رئيسيتان [للقيام بذلك] في الجنوب: التشجير والمناطق البيئية من ناحية، والإعلان عن مناطق استخدام ذخيرة حية للتدريب العسكري”.
يجادل البدو بأن غرس الأشجار في الأراضي المتنازع عليها يهدف إلى خلق حقائق على الأرض لصالح الدولة. ومشروع الزراعة، هذا الأسبوع، هو مجرد قطعة واحدة من خطة واسعة النطاق تبلغ كلفتها 150 مليون شيكل (48 مليون دولار) من قبل سلطة الأراضي الإسرائيلية والتي ستشهد تشجير مساحات كبيرة من الأراضي المملوكة ملكية عامة، بما في ذلك المناطق السكنية لست قرى غير معترف بها.
وقال طال إن هذه الأرض ليست جزءا من خطة التشجير الرئيسية للسلطات الإسرائيلية.
أحالت "كاكال" الأسئلة المتعلقة بالموضوع إلى سلطة الأراضي الإسرائيلية، التي لم ترد على طلبات للحصول على تعليق.
وقال طال: “سلطة الأراضي الإسرائيلية تريد حيازة الأرض، وهذا هو عملهم. البدو هم مجرد قاطنين، وإحدى طرق منعهم من فعل ذلك هي زراعة الأشجار. إنهم (سلطة أراضي إسرائيل) يتعاقدون من الباطن مع الصندوق القومي اليهودي للقيام بهذا العمل”.
الخوف من الترحيل والهدم، هذه قضايا مشحونة للغاية بالنسبة للعديد من بدو النقب. بمجرد أن بدأت الاشتباكات بين البدو والشرطة – بما في ذلك مشاهد ليلة الاثنين لرجال شرطة مسلحين يحملون أطفالا يبلغون من العمر 10 سنوات – سرعان ما تصاعد الموقف.
كما أن مشاريع التشجير تضرب على وتر تاريخي حساس وأكثر عمقا. بعد “حرب الاستقلال” الإسرائيلية، قامت "كاكال" بغرس أشجار على أنقاض القرى الفلسطينية المهجرة في محاولة لطمس ذكراها، بحسب طال.
وأضاف: “هذا يعيدنا إلى الخمسينيات، ويستحضر ذكريات سيئة للجميع، وهذا ليس المكان الذي يجب أن تكون فيه كاكال في الوقت الحالي”.

المعركة من الداخل
كانت النتيجة بالنسبة للحكومة الائتلافية الإسرائيلية هي الفوضى، ما وضع الأحزاب اليمينية وحزب القائمة الموحدة الإسلامي العربي في صراع. مع وجود أغلبية بفارق صوت واحد فقط تبقيها في السلطة، فإن الحكومة لديها مساحة ضئيلة للمناورة.
يؤيد اليمين الإسرائيلي الرد السريع والقاسي على ما يسميه تزايد الفوضى في جنوب إسرائيل. ويشجب برلمانيون من اليمين الافتقار المتزايد للأمن الشخصي، مع إلقاء الكثير من اللوم على البدو.
بالنسبة للساسة الإسرائيليين من اليمين، ومن بينهم حزب رئيس الوزراء نفتالي بينيت “يمينا”، فإن استعادة القانون والنظام إلى مناطق الهامش المهملة في إسرائيل كانت بمثابة وعد كبير خلال الحملات الانتخابية. يُعتبر تضييق الخناق على الأنشطة البدوية غير القانونية وحماية الأراضي العامة أمرا مهما لناخبيهم.
في الوقت نفسه، فإن حزب القائمة الموحدة بحاجة ماسة إلى المزيد من الإنجازات الملموسة لتقديمها لقاعدة ناخبيه الأساسية، وخاصة في النقب. بالنظر إلى المعارضة الشديدة من قبل الجناح اليميني في الائتلاف الحكومي للتحركات التي من شأنها أن تفي بوعود حملة الحزب الانتخابية للبدو، فإن الحزب الإسلامي قد حقق تقدماً ضئيلاً.
كان منصور عباس وعد بأنه مع وجود حزب عربي في الائتلاف، سيتم الاعتراف بالمزيد من البلدات البدوية غير القانونية. لكن حتى الآن، بينما تمكن عباس من جلب مليارات الشواقل من التمويل إلى الوسط العربي، فقد تراجعت قضايا “الصورة الكبيرة” المتعلقة بالأرض والاعتراف بالقرى في سلم الأولويات.
منذ بدء عمل الائتلاف الحكومي في حزيران تم الاعتراف بثلاث قرى بدوية جديدة واستمرت عمليات هدم منازل البدو المبنية بشكل غير قانوني على قدم وساق. وتجاوز قانون طرحته القائمة الموحدة الذي يهدف إلى توفير الكهرباء لمواطني إسرائيل العرب الذين يعيشون في منازل مبنية بشكل غير قانوني البدو بالكامل تقريبا.

معركة سياسية داخلية
معركة القائمة الموحدة مع خصومها في “القائمة المشتركة” ذات الأغلبية العربية لا تقل عن معركتها مع شركائها اليمينيين في الائتلاف. وجد الإسلاميون أنفسهم حديثا ضعفاء في النقب، ما يجعل من الصعب عليهم السيطرة على الأمور.
في انتخابات آذار، صوت بدو النقب بأغلبية ساحقة لصالح القائمة الموحدة. ولكن في حين أن البرنامج الاجتماعي المحافظ للقائمة الموحدة استقطب بلا شك البلدات العربية في جنوب البلاد، فإن التصويت كان لشخصية سعيد الخرومي.
كان للخرومي، وهو من مواليد النقب، تاريخ طويل في الحركة الإسلامية. كان يدير بنفسه شبكة من النشطاء وصلت إلى كل بلدة وقرية غير معترف بها. كثير من بدو النقب رأوا به صوتهم على مستوى البلاد.
في أعقاب انتخابات العام الماضي، قال نجيب أبو بني، من سكان قرية وادي النعام، لـ "تايمز أوف إسرائيل" خلال محادثة مطولة: “تلتقي هنا بالعديد من الناس الذين سيقولون لك، أنا لم أصوت للقائمة الموحدة، لقد صوتت للخرومي – هو من يمثلني”.
توفي الخرومي في آب الماضي متأثرا بنوبة قلبية مفاجئة أثناء قيادته لسيارته في بئر السبع بينما كان متوجها إلى منزله في شقيب السلام. بلغ عند وفاته 49 عاما. شارك في جنازته أكثر من 10 آلاف شخص.
عندما هدأت الأمور، عاد النشطاء بسرعة إلى السياسات الحزبية، بإدراك جديد: لقد ترك موت الخرومي المأساوي فراغا كبيرا في القوة الانتخابية لحزب القائمة الموحدة.
قبل أسبوعين، شغل جمعة زبارقة (التجمع الوطني) المنصب الذي شغله الراحل الخرومي كرئيس للجنة السياسية الرئيسية في النقب. أثارت المناورة غضب القائمة الموحدة، لكن لم يكن بإمكانها فعل الكثير.
يقول أبو راس: "يُعتبر النقب نقطة ضعف في السياسة العربية. وهو أيضا نقطة ضعف بالنسبة للقائمة الموحدة. لقد وعدوا البدو بالكثير، والتوقعات كانت كبيرة، لكنهم لم يتمكنوا من الوفاء بهذه العهود".
 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق