"هآرتس"بوتين يتطلّع إلى تغيير اتجاه التاريخ.. بالقوة

26 فبراير 2022 - 12:41
صوت فتح الإخباري:

بقلم: الون بنكاس
لا يحارب فلاديمير بوتين أوكرانيا فقط، ولا يحارب فقط حلف الناتو والأعضاء فيه، الذي كما يبدو هو ذريعته وتبريره لغزو أوكرانيا. يحارب بوتين من أجل تغيير اتجاه التاريخ. احتلال كييف هو فقط مرحلة، وليس التطلع التاريخي أو الهدف السياسي العسكري. إسقاط الحكومة في أوكرانيا مرحلة وليس هدفاً بحد ذاته.
الرئيس الأميركي، جو بايدن، كان مطلوباً منه إصدار تصريح دراماتيكي للمرة الثانية خلال يومين. وحسب خطابه، الثلاثاء الماضي، كان بايدن يعرف جيداً أنه يوم الخميس سيضطر الى الوقوف مرة أخرى للتحدث أمام أميركا والعالم. وقد أعلن أن الثمن الذي سيجبيه من روسيا سيكون باهظاً، وأعلن إضافة عقوبات الى العقوبات التي فرضت، الثلاثاء الماضي، وستدخل حيز التنفيذ خلال أيام. تجنب في هذه المرحلة فصل روسيا عن السويفت (جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك)، لكنه أعلن عن منع وصول البنوك والشركات الروسية الى الأسواق المالية، الأمر الذي يعتبر تقييدا مهما للوصول الى الدولار، وعقوبات على تصدير التكنولوجيا لروسيا. العقوبات الفعالة دائماً أمر له وجهان. التوصل الى قائمة متفق عليها قابلة للتطبيق، وتلبية المتطلبات الزمنية هي خطوة دبلوماسية معقدة. كل من يستخف بالعقوبات التي فرضت لا يعرف بصورة كاملة التداعيات المدمرة على اقتصاد روسيا، الضعيف والهش أصلاً.
يشبّه بوتين نفسه ببطل في الرواية الوطنية الروسية، لذلك هو يدير حرباً ضروساً ضد الديمقراطية الغربية. هو لا يحاول تأسيس الاتحاد السوفييتي من جديد، بل إعادة روسيا الحالية، التي حسب رأيه تم إذلالها وتصغيرها وإساءة وضعها من قبل الولايات المتحدة والغرب، الى أمجاد روسيا القيصرية الكبرى. واستناداً الى مقال طويل نشره في تموز والى خطاباته الاخيرة فإن هذا هو هدفه التاريخي. ربما سيكون هذا طويلاً ودموياً، ويحتمل أن تكون له انتصارات تكتيكية مؤقتة. وربما يسير بوتين على خطى تشايكوفسكي، ولا يسمع العالم. وربما ستحدد هذه المعركة بداية نهايته.
غزو أوكرانيا ليس هدفاً بحد ذاته، بل جزء من خطة كبيرة. لكن على خلفية سلوك بوتين ورؤيته التاريخية فان السؤال الكبير والرئيسي في هذه الأثناء: ما هو هدفه النهائي وهل سيوسع الغزو الى مولدوفا ودول البلطيق؟
من اعتقد أن هدف بوتين هو خلق تهديد ضد أوكرانيا وإدارة ازمة والذهاب الى الحافة من أجل التوصل الى مفاوضات دبلوماسية حول الهندسة الأمنية لأوروبا مخطئ. ومن اعتقد أنه بعد أن أخطأ بوتين في تقدير تصميم الولايات المتحدة و"الناتو" وتم إجباره على الاختيار بين بدائل سيئة، سيكتفي بضم جمهورية لوهانسك وجمهورية دونيتسك في شرق أوكرانيا، مخطئ. ومن اعتقد أن بوتين سيرتدع جراء هجوم شامل على أوكرانيا بسبب تهديد العقوبات، مخطئ. شنت روسيا هجوما متزامنا في خمس جبهات؛ هدف العقوبات الأميركية من البداية لم يكن الردع، بل العقاب، والعقوبات الثقيلة ما زالت لم تفرض في الوقت الذي لا يزال فيه الغزو في بدايته.
كانت المخابرات الأميركية على حق ودقيقة طوال الوقت، وكانت التقديرات الأميركية، التي استندت اليها، عقلانية. قرار الادارة الأميركية تسريب مواد استخبارية ضئيلة عن نية روسيا وطرق عملها المحتملة تبين أنه صحيح. يوم الاربعاء نشر البنتاغون تقديرا محدثا بحسبه تشير بنية القوة الروسية وانتشارها على طول حدود أوكرانيا الى نظام هجومي مدعوم بقاذفات صواريخ وذخيرة ووقود، وأنه استنادا لهذه المعطيات فان عملية عسكرية واسعة تبدو مرجحة خلال فترة قصيرة جداً. على أساس هذا التقدير قال بايدن، الثلاثاء الماضي، إن الهدف العسكري والأهداف السياسية لروسيا تمتد أكثر بكثير من ضم لوهانسك ودونيتسك. لم يقدم بايدن كل التفاصيل عن تقدير واشنطن: ينوي بوتين الغزو بقوة كبيرة وإحداث فوضى في أوكرانيا وعدم يقين بالنسبة لهدفه النهائي، وإسقاط الحكومة وخلق مشكلة سياسية. وحول سؤال هل المرحلة التالية ستكون احتلال مالدوفا والى أي درجة بوتين مستعد للمراهنة وأن يقتحم جزئيا دول البلطيق، لم يقدم التقدير اجابة قاطعة، لكن الافتراض الاساسي في واشنطن هو أن بوتين لن يرتدع عن مس مباشر بدول اعضاء في "الناتو".
طلبت بولندا ودول البلطيق، ليطا ولاتفيا واستونيا، أول من أمس، عقد مجلس "الناتو"، فوراً، حسب البند الرابع في ميثاقه، الذي يبرر إجراء نقاش واتخاذ قرارات "عندما تشعر أي دولة عضو فيه بأن سلامتها الجغرافية واستقلالها السياسي والأمني مهددة". من ناحية المخابرات ومخططي السياسة في واشنطن فإن توسيع الحرب الى دول البلطيق سيناريو يفحصه بوتين أو سيفحصه اذا كان ينوي حقاً القيام بعملية استراتيجية واسعة تستهدف خلق مجال نفوذ جيوسياسي بالقوة. خلافاً لأوكرانيا فإن دول البلطيق وبولندا ايضا أعضاء في "الناتو"، ومهاجمتها ستفعل بشكل اوتوماتيكي البند الخامس الذي يتطرق الى "الدفاع الجماعي"، ومهاجمة أي عضو من اعضاء الحلف يعني مهاجمة الحلف كله. المعنى هو أن دخول روسيا، مهما كان صغيراً ومحدوداً، يعتبر هجوماً على الولايات المتحدة.
الأدميرال جيمس ستفاريدس، الذي كان في السابق قائد "الناتو"، اقتبس عن ايان فليمنغ، مؤلف روايات جيمس بوند، الذي قال بأنه عندما يطلق عليك شخص النار للمرة الاولى فهذا يكون أمراً صدفياً. في المرة الثانية هذا تلاقي صدف، وفي المرة الثالثة يعتبر هذا عدواً.
أوكرانيا 2022 هي المرة الثالثة لبوتين، بعد غزو جورجيا وضم جنوب اوستيا وابخازيا في 2008 وغزو أوكرانيا وضم القرم في 2014. الرد، يقول سافريدس في مقال نشره في صحيفة "التايم" كتب قبل الغزو الكبير، يجب أن يكون شديداً جداً، بما في ذلك الانفصال عن السويفت. مساء أول من أمس، حتى قبل أن يرد بايدن رسمياً، دعا رئيس حكومة بريطانيا، بوريس جونسون، الى فصل فوري لروسيا عن هذا النظام رغم أن المستشار الالماني، اولاف شولتس، طلب انتظار مناقشة قرار المجلس الأوروبي.
أقنع تحفظ المستشار الالماني الرئيس بايدن بالانتظار قبل اتخاذ هذه الخطوة التي تعتبر السلاح الأخير للعقوبات. يدور الحديث عن تأثير ليس فقط على شركات روسية أو أصحاب رؤوس أموال يحتاجون الى عمليات تحويل الأموال وإدارة أعمال دولية، بل عن قدرة روسيا على تصدير الغاز والنفط. مساء أول من أمس، كمقدمة لتصريح بايدن وفي أعقاب محادثة بمشاركته، أعلن منتدى "جي 7" عن "عقوبات ستقلق روسيا".
من المرجح أن تسيطر روسيا على أوكرانيا خلال ايام، ومن المرجح أيضاً أن حرباً خاطفة وناجحة لن تمنع معركة طويلة، ستجبي ثمناً باهظاً من روسيا. السؤال هو هل سينتهي ذلك هناك؟ سيتضح الجواب في الاسابيع القريبة القادمة. وفي حالة لم ينته هناك فإن ما كان "أزمة أوكرانيا" وتحول الى "حرب أوكرانيا" سيتحول الى حرب أوروبية.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق