"إسرائيل اليوم"أفول الهيمنة الأميركية

04 مارس 2022 - 08:10
صوت فتح الإخباري:

بقلم: البروفيسور أبراهام بن تسفي

أحد الدروس الأساس، التي تنشأ عن ميادين المعركة في أوكرانيا، هو واجب الامتناع عن التعميمات التاريخية الجارفة وفي الوقت ذاته الانصات لروح العصر والمزاج العام السائد فيه.
في الأسابيع الأخيرة، تحكم في الخطاب الجماهيري المقارنة بين التصالح المنبطح لبريطانيا وفرنسا أمام التحدي الوحشي الذي اقترحه هتلر على النظام العالمي في الثلاثينيات، وبين مواقف أوروبا حيال التحدي الذي أطلقه فلاديمير بوتين حول استقلال أوكرانيا ووحدة أراضيها.
وها هو، بخلاف مؤتمر ميونخ سيئ الصيت والسمعة في أيلول 1938، تبلورت في الأسبوع الماضي جبهة أوروبية واسعة ومرصوصة، تعمل دون كلل – في المجالات الحكومية والخاصة على حد سواء – لتحديد شارة ثمن، ترتفع كل يوم، لعدوان موسكو.
على هذه الخلفية من صعود أوروبا إلى مركز الساحة، يبرز الضعف المتواصل للمهيمن الأميركي.
بخلاف الدور السائد الذي أدته الولايات المتحدة في القسم الأكبر من الأزمات والنزاعات التي نشبت في الخلفية الدولية منذ أصبحت قوة عظمى، مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وجدت نفسها في الحرب التي أمامنا تنجر، بخطى مترددة ومتدرجة في أعقاب شركائها الأوروبيين، الذين يظهرون بقيادة بوريس جونسون وأولف شولتس زعامة حازمة وقاطعة، تغطي بقدر كبير على الصقر الأميركي منتوف الريش.
وبالفعل، إدارة بايدن، التي صممت منذ البداية، ردت ببطء على الأزمة الأوكرانية المتصاعدة، إذ أجبرها الأمر على أن تتخلى عن معتقدها المسبق في أنه سيكون ممكناً مواصلة عملية فك الارتباط عن بؤر الاحتكاك والحرب، والانطواء داخل المجال الأميركي. هكذا حصل حين اجتذب البيت الأبيض رويداً رويداً، وبخلاف إرادته، إلى تبني استراتيجية عقاب اقتصادي متصاعد، في ضوء التهديد الروسي المحتدم ليس فقط على مجرد وجود أوكرانيا بل أيضاً على التوجه المؤيد للغرب لمعظم دول وسط أوروبا وشرقها، باستثناء دولة بلاروسيا التي تسير في فلك روسيا، والتي حاول الكرملين فرض الرعب عليها بوساطة تصفية كيان سياسي، سيادي وشرعي.
في نهاية المطاف سارت واشنطن في الخط مع لندن، برلين وباريس، ولكن بشكل حذر ومنضبط.
تعبير بارز عن مكانة الولايات المتحدة المهتزة يمكن أن نجده في الخطاب السنوي للرئيس بايدن عن حال الأمة أمام مجلس الكونغرس، والذي ألقاه فجر أول من أمس.
إلى جانب الإعلان عن إغلاق المجال الجوي الأميركي أمام الطيران الروسي (وهنا أيضا سار بايدن وراء كندا ودول أوروبا)، صرح الرئيس بأن حاكم روسيا اصطدم بسور منيع لكنه اعترف بأن مركز هذا التصميم الباعث على الإلهام كان الشعب الأوكراني، وضمنا ليس إدارته هو.
وبالفعل، إلى جانب الشجب الحاد الذي أطلقه ضد كل جرائم موسكو وإلى جانب التأييد الذي منحه لرزمة العقوبات الاقتصادية بعيدة الأثر التي فرضت على روسيا بمبادرة أوروبا، فإن العصا الحقيقية التي حملها معه نزيل المكتب البيضوي كانت عليلة.
إذ إنه عاد ورفض صراحة استخدام خيار القوة الشديدة (أو حتى خطوات استراتيجية لا تتضمن تدخلاً عسكرياً مباشراً).
باختصار كان هذا خطابا شاحبا، امتنع عن رد محدد مناسب على التصعيد الروسي على الأرض، والهستيريا المتزايدة لموسكو، التي لا تتردد في نفض الغبار عن سلاح يوم الدين كوسيلة يائسة لزرع الخوف والفزع في أوساط الائتلاف الذي يقف مقابلها.
وبالفعل، فإن الاستخدام المتكرر لسيناريو الآخرة للمواجهة النووية لا يدفع الرئيس الـ46 لمحاولة بث صورة قوة عظمى مهيمنة، مستعدة لتعود لتقود محور الصد، الإنفاذ، والعقاب ضد موسكو.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق