"هآرتس"«فـرصـة الـقـرن» الـتـي أضـاعـتـهـا إسـرائـيـل

26 مارس 2022 - 08:45
صوت فتح الإخباري:

بقلم: عكيفا الدار
قرر وزير الدفاع موشيه ديان قبل اكثر من 25 سنة بأن "شرم الشيخ بدون سلام أفضل من سلام بدون شرم الشيخ". تبنى معظم الجمهور الإسرائيلي موقف بطل الحروب وسار بجموعه نحو بلدة الاستجمام التي تم تحويل اسمها الى "اوفيرا". تقريباً بعد مرور 25 سنة على حرب فظيعة وزائدة كلفت إسرائيل آلاف القتلى والمصابين فان الجمهور الإسرائيلي يعود الى الانقضاض على العروض في "الشاطئ الذهبي" الذي اعيد لمصر في اطار الاتفاق. في هذا الاسبوع هبطت طائرة رئيس الحكومة نفتالي بينيت في المطار في شرم الشيخ، الذي يرفرف فيه علم مصر بشكل استعراضي.
اتفاق السلام كان هو المرة الاولى والاخيرة حتى الآن التي تغلب فيها نموذج "الاراضي مقابل السلام" على صيغة "ولا أي شبر". في السنوات الاخيرة تسيطر في إسرائيل حكومات تفضل بصورة واضحة اريئيل ومخيم شعفاط للاجئين بدون سلام على سلام بدون اريئيل وبدون مخيم شعفاط للاجئين. في يوم الاثنين الماضي تصادف الذكرى العشرين على مبادرة السلام العربية التي اتخذت في قمة الجامعة العربية في بيروت، استمراراً لنشر "المبادرة السعودية". المبادرة تقترح تحسين علاقات السلام مع مصر الى تطبيع. في المقابل، إسرائيل مطلوب منها الانسحاب من جميع المناطق التي احتلتها في 1967 (بعد ذلك تبنت الجامعة خيار تبادل الأراضي في الضفة الغربية وتنازلت عن المطالبة بالانسحاب من هضبة الجولان)، والسماح بإقامة دولة فلسطينية مستقلة مع سيادة وعاصمتها في شرقي القدس. إضافة الى ذلك اقترحت المبادرة حل عادل لمشكلة اللاجئين يكون متفق عليه مع إسرائيل.
عشرون سنة وهذا الاقتراح ينتظر شريكاً، لكن إسرائيل لا ترد. في هذه الأثناء خيار الدولتين آخذ في الانغلاق ومن يعارضونه آخذون في الازدياد. في كتاب "نظرة على المقاومة من الداخل"، الذي نشر في 2010، قال "المخرب" محمد عرمان، من كتائب عزم الدين القسام، إنه قبل بضعة اسابيع من مؤتمر القمة في بيروت تلقت كل خلايا المنظمة تعليمات من المستوى الأعلى في المنظمة لإحباط هذه المبادرة. وهكذا قبل بضع ساعات من مؤتمر القمة حدثت العملية الانتحارية الأكثر صعوبة في تاريخ إسرائيل، قتل 30 شخصاً وأصيب 160 شخصاً في الوقت الذي كانوا يجلسون فيه على طاولة عيد الفصح في فندق "بارك" في نتانيا، صور دبابات الجيش الإسرائيلي التي تشق الطريق بسرعة نحو مدن الضفة دفعت الى الزاوية التقارير عن المبادرة الاختراقية. حماس حققت هدفها.
يشير استعراض نشره البروفيسور المستشرق شمعون شمير في كراسة لمقالات حول المبادرة صادر من قبل مركز شتاينميتس لأبحاث السلام في 2010 الى الأهمية الكبيرة للخطوة العربية. شمير، الذي كان سفير إسرائيل في مصر وسفيرها الأول في الأردن، أكد على أن قبول المبادرة بالإجماع من قبل جميع الدول العربية هو انعطافة، من الاتفاقات الثنائية التي تم التوقيع عليها حتى تلك الفترة الى اقتراح لعملية سلمية متعددة الأطراف بين الدول العربية وإسرائيل. إضافة الى ذلك، شمير اشار الى أن المبادرة تقترح أن يكون اتفاق السلام هو نهاية للنزاع العربي – الإسرائيلي وليس فقط محو آثار عدوان 1967. هذه كانت المرة الاولى التي استخدم فيها العالم العربي مصطلح "علاقات طبيعية" مع إسرائيل.
اختتم شمير مقاله بكلمات "لقد حدث شيء ما في العالم العربي. الزعماء العرب توجهوا لإسرائيل في عرض سلام محترم: الكرة توجد الآن في ملعب إسرائيل". من الجدير أن يهمس هذا الآن في أذن رئيس الحكومة عندما يقوم شمير بمصافحته في الحفل الذي سيمنح فيه شمير جائزة إسرائيل لهذه السنة في مجال ابحاث علوم الشرق الادنى.
الشعور بتفويت الفرصة الذي يشعر به شمير يشاركه فيه المستشرقون الكبار في إسرائيل. مثل الدكتور ماتي شتاينبرغ، الذي كان المستشار الخاص لرؤساء الشاباك للشؤون الفلسطينية يشبه رفض المبادرة من قبل إسرائيل برفض خطة التقسيم من قبل الدول العربية، ليس أقل من ذلك. هو يعتقد أن رفض خطة السلام من العام 2002 التي حصلت على دعم منظمة الدول الإسلامية، فان إسرائيل تتنازل عن الفرصة لتقيم معها تحالفاً ثابتاً في النضال ضد الجهات المتطرفة في العالم العربي والإسلامي.
يبدو أن اتفاقيات أبراهام هي دليل على أن الدهر أكل وشرب على المبادرة العربية، ويمكن أيضا عقد سلام مع العرب، وايضا اكل ثماره الحلوة. وفي الوقت نفسه مواصلة سرقة الاراضي وهدم البيوت لعرب آخرين. هذا ليس بالضبط. فبسبب تجاهل إسرائيل المستمر للمبادرة العربية فإن اتفاقات ابراهام تحولت فعلياً الى مصيدة عسل إسرائيل عالقة فيها وتتجاهل ثمن الجمود السياسي. عشية التوقيع على اتفاقات ابراهام في البيت الابيض في ايلول 2020 اعلن السكرتير العام للجامعة العربية، احمد أبو الغيط، أنه في النقاشات مع الدول الأعضاء في الجامعة تم التأكيد على أن المبادرة العربية هي مصدر السلطة الحصرية لحل النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين، لكونها ترتكز على صيغة "الأرض مقابل السلام".
وزير خارجية الأردن والسعودية أعلنوا هم أيضا بأن المبادرة العربية والقرارات الدولية (مثل القرار 242) هي الطريقة الحصرية لحل النزاع. السعودية أوضحت بأنها لن تذهب في اعقاب اتحاد الامارات بدون اتفاق سلام مع الفلسطينيين. البروفيسور ايلي فوده اشار الى ذلك في كتابه الجديد بعنوان "من زانية الى معروفة لدى الجمهور" (اصدار عام عوفيد)، والذي تناول فيه علاقات إسرائيل السرية مع الدول العربية منذ اقامة الدولة وحتى اتفاقات ابراهام. العلاقات مع دول الخليج والمغرب والسودان تحولت من سرية الى علنية في التسعينيات في اعقاب اتفاقات اوسلو. وتدهور العملية السلمية في اعقاب انتفاضة الاقصى أدى الى اغلاق ممثليات إسرائيل في هذه الدول.
يعتبر فوده موقف إسرائيل من المبادرة العربية تفويتاً آخر للفرص من تفويتات كثيرة، تشمل احباط عمليات تلمس السلام السرية من قبل مصر في عهد عبد الناصر في الستينيات، التي كان يمكنها منع حرب الأيام الستة التي ألقت علينا كارثة الاحتلال والمستوطنات. وبعد بضع سنوات، في عهد الرئيس أنور السادات، مرة أخرى إسرائيل أفشلت الاتصالات مع الجارة الكبيرة في الجنوب، التي كان يمكنها منع كارثة 1973. حرب يوم الغفران حولت وزير الخارجية في حينه موشيه ديان الى مؤيد متحمس للموقف الذي يقول بأن سلاماً بدون شرم الشيخ هو افضل من شرم الشيخ بدون سلام. هل نحن بحاجة الى حرب أخرى من اجل أن تتخذ القيادة الإسرائيلية الحالية قرار؟
اتفاقات أبراهام في الحقيقة فتحت أمام إسرائيل أبواب الخليج، لكن في الوقت نفسه هي قطعت الطريق على إمكانية ضم المناطق. حل المسألة الفلسطينية على حساب الدول العربية (مثل هذيان "الأردن هو فلسطين")، تمت إزالته من جدول الأعمال. وقد بقي أمامنا احتمالان: إنهاء الاحتلال وتقسيم البلاد على أساس المبادرة العربية، القانون والإجماع الدولي، أو التمركز في فضاء واحد من الأبرتهايد، مع الاعتماد على الحقوق التاريخية ورفض حق تقرير المصير لملايين الإشخاص. المقارنة بين الخيار الثاني وغزو روسيا لأوكرانيا بقيادة فلادمير بوتين ملقاة على مسؤولية القراء.
 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق