«هآرتس»الجيش الإسرائيلي.. يتجول في "المناطق" ويفكّر في "الجبهة الشمالية"

24 إبريل 2022 - 12:03
صوت فتح الإخباري:

بقلم: عاموس هرئيل

في الأيام التي يركز فيها جهاز الامن على موجة «الارهاب» الفلسطينية الجديدة فان حدود لبنان تبدو تقريبا هادئة. هذا بالتأكيد هو الوقت المناسب الموصى به للقيام بنزهات في شمال البلاد، لكن يجب عدم الخطأ في سلم الاولويات العسكرية الحقيقي. فتحويل القوات الى المناطق هو لضرورة محددة، وهي فقدان الشعور بالامان في اوساط الجمهور في اعقاب العمليات، المزاج العام في الجيش بقي على حاله منذ عقد تقريبا، يتحدثون عن ايران ويستعدون لحرب في لبنان، وفي النهاية مرة كل بضع سنوات يحاربون في قطاع غزة.
سيتغير الضابط المسؤول عن القطاع الحدودي في الاسبوع القادم . هذا هو قائد فرقة 91، «فرقة الجليل»، العميد شلومي بندر، الذي شغل هذا المنصب مدة سنتين وثمانية اشهر. هذه كانت فترة متوترة في الساحة العسكرية الاكثر حساسية. ولكن باستثناء احداث متفرقة، التي نتج عنها فترات استعداد مطولة، ايضا بندر يأمل أن ينهي فترته مثل اسلافه بدون انعطافة حادة بصورة واضحة. بالتحديد حرب لبنان الثانية في صيف 2006، التي كان فيها اداء الجيش الاسرائيلي والمستوى السياسي مخيبا للآمال ومقلقا، جلبت في اعقابها فترة هدوء غير مسبوقة في طولها. يبدو أن الحروق المتبادلة التي تلقتها اسرائيل وحزب الله شكلت في اعقابها ميزان ردع، ما زال صامدا بشكل معين. الجميع يهددون، لكن على الاغلب يسيرون على اطراف الاصابع. في هذه الايام وحتى اشعار آخر (الذي كالعادة يمكن أن يأتي في أي لحظة) فان الجليل يظهر كأكثر الاماكن امان في البلاد.
بندر (47 سنة) ولد في حيفا وهو يعيش الآن في «رمات هجولان». وقد بدأ خدمته في الجيش كجندي في دورية هيئة الاركان، بعد ذلك كان قائد الدورية وقائد وحدة ايغوز وقائد للواء غولاني. بعد بضعة اشهر سيصل للمرة الاولى في حياته الى منصب في مقر وزارة الدفاع. فهو سيعين لادارة مركز الاعصاب العسكري، قسم العمليات في قيادة الاركان. اذا لم يحدث أي شيء استثنائي جدا فانه سيواصل من هناك الطريق الى عضوية هيئة الاركان برتبة جنرال بعد سنتين أو ثلاث سنوات. المحادثة معه تتعلق بالواقع الذي هو تقريبا لا تنتج عنه عناوين في نشرات الاخبار التي تتناول امورا اخرى، مثل الانهيار الاقتصادي والسياسي الطويل للجارة على الحدود الشمالية، وصعوبات حزب الله واستعداد الطرفين لحرب محتملة ثالثة في لبنان.
حتى قبل دخول بندر الى منصبه في كانون الاول 2018 حدثت الحادثة الدراماتيكية الرئيسية في الشمال وهي عملية «درع الشمال»، التي في اطارها كشف الجيش الاسرائيلي واحبط ستة انفاق قام حزب الله بحفرها تحت الحدود الى داخل اراضي اسرائيل استعدادا لهجوم مفاجئ في المستقبل. بعد ذلك، في كل صيف في الثلاث سنوات الاخيرة كانت فترات توتر طويلة، واحيانا اقتضت ابقاء جميع القوات التي توجد تحت قيادته في حالة تأهب قصوى لبضعة اسابيع. نبع التوتر من محاولات حزب الله الانتقام لموت مقاتليه في هجمات نسبت لاسرائيل في سورية (في احد المرات الرد على هجوم جوي في بيروت). وُجهت الهجمات الاسرائيلية  بالاساس ضد جهود تهريب السلاح والتمركز العسكري لايران في سورية. حاول سكرتير عام حزب الله، حسن نصر الله، ترسيخ قواعد لعب جديدة. في اخطر الاحداث في ايلول 2019 اطلق حزب الله صواريخ مضادة للدبابات على سيارة اسعاف عسكرية على الحدود مع لبنان. وحقيقة أنها اخطأت السيارة ببضعة امتار كما يبدو وفرت على الطرفين اشتعالا كبيرا.
كل ذلك حدث في الوقت الذي غرق فيه لبنان في ازمة اقتصادية قاسية، حيث اعلن عنه كدولة غير قادرة على سداد الديون ووجدت صعوبة في أن توفر لمواطنيها الاحتياجات الاساسية مثل الكهرباء والدواء وحتى الغذاء. بندر على قناعة بأن تصميم حزب الله على التصادم مع اسرائيل في هذه الاوقات مس بالتعاطف معه من جانب المواطنين اللبنانيين. «أنا اعتقد أن معظم الشعب اللبناني لم يعد يتأثر من محاولاته لطرح نفسه كحام للبنان. هذه الرواية تلقت ضربة»، قال. «حزب الله لم يعد محل اجماع، حتى ليس في اوساط الشيعة. لقد تشكلت معارضة داخلية له. هناك الكثير من الاشخاص هناك يريدون الحرية ويتحفظون من الاصولية. الدليل على ذلك هو أن حزب الله يقوم بقتل معارضين من ابناء الطائفة عندما يهاجمونه.
«قبل سنة تقريبا قتل في جنوب لبنان لقمان سليم، وهو صحافي شيعي وجه انتقادا للحزب. لا تنسَ الانفجار في ميناء بيروت، هناك حزب الله كان يمتلك مواد متفجرة، والانفجارات في مخازن السلاح في ارجاء لبنان، وغضب الدروز في الجنوب عندما اطلق حزب الله الصواريخ على اسرائيل من مناطق قراهم في آب الماضي. يوجد للبنانيين الكثير مما يخسرونه. الوضع الاقتصادي يمثل تهديداً فظيعاً. التضخم والبطالة مرتفعة وهناك هجرة سلبية واضحة الى اوروبا واميركا الجنوبية. سنة ومسيحيون كثيرون يغادرون لبنان. التقدير هو أنه قد غادر لبنان 120 ألف شخص تقريباً في غضون سنتين». وحسب قوله «اثناء الازمة يوسع حزب الله موطيء قدم ايران في الوقت الذي لا يوجد فيه للمواطنين العاديين الغذاء والوقود، شبكات الغذاء ومحطات الوقود بتمويل من ايران تساعد الطائفة الشيعية. سيطرة ايران تؤثر على لبنان مثل ضفدع يطبخ رويداً رويداً في وعاء. ايضا عندما ايران تعيش تحت عقوبات دولية فإن مساعدتها لحزب الله تضررت، لكنها لم تتوقف. الجندي في الجيش اللبناني يكسب اقل من مقاتل حزب الله. جنرال لبناني يكسب 500 دولار في الشهر مثل مقاتل عادي في حزب الله. تأثير ايران خطير حتى لأنهم اليوم مستعدون اكثر للتجرؤ واللعب بالنار امامنا. «هل الدولة تؤدي عملها؟ تقديراتهم مختلفة عن تقديراتنا. نسبة الاداء متدنية: توفير الكهرباء يرتفع ويهبط. هناك الكثير من السوق السوداء». في الشهر القادم سيتم اجراء الانتخابات البرلمانية في لبنان. «أنا اقدر أنه لن يتغير الكثير. حزب الله يسيطر جيدا على ما يحدث من وراء الكواليس. هو صاحب الحل والربط في الساحة السياسية، وفي النهاية سينجح في التوصل الى التوازن الذي يسعى اليه. في الوقت الذي يطالب فيه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي باصلاحات فإن هذه الاصلاحات تجري «وكأنها تجري». حزب الله غارق في النظام الفاسد ولن يسمح له بأن يتغير. هو جسم سياسي لا يقل عن كونه جسما عسكريا، وتوجد له مصالح اقتصادية داخل الدولة. نصر الله سيفعل كل ما في استطاعته لوقف تدخل غربي مخفف في لبنان».

عبر من اوكرانيا
في كل زيارة في تشكيلة الجليل تتذكر المشاهد من ذاك الصيف الحزين في 2006. قائد الفرقة في حينه، العميد غال هيرش، طالب عبثا باجراء تغييرات في سياسة رد اسرائيل على طول الحدود، ومعلومات استخبارية شاملة اكثر وتخصيص قوات اكبر وافضل نوعية. هذا انتهى كما نتذكر باختطاف جنديين من الاحتياط، وحرب وانتهاء المسيرة العسكرية لهيرش.
يقول بندر إنه ليس لديه تبجح للدخول الى رأس نصر الله، ويذكر أنه فقط مؤخرا تبدد جزء من تقديرات الاستخبارات في الغرب بخصوص نوايا الروس في اوكرانيا. «مع ذلك، أنا كنت اقول إنهم خائفون. سواء القيادة أو حزب الله. ولكن كقائد الفرقة الذي يعيش هنا ما يحدث في الجبهة يوميا فإنني طوال الوقت افترض أنه يمكن أن تحدث مفاجآت، وأنه يمكن اتخاذ خطوة غير متوقعة. يوجد شيء ما تقريبا وراثي في جينات الفرقة. أنت طوال الوقت تكون متوتراً جداً وقلقاً. هذا جيد، هذا يحافظ علينا يقظين. نحن نعرف أن الواقع يمكن أن يقفز من صفر الى مئة بصورة سريعة جدا».
هل هو على قناعة بأنه سيكون لديه معلومات مسبقة عن عملية لحزب الله على الحدود؟. «أنا انشغل بهذا كثيرا. توجد لنا معلومات جيدة عن حزب الله. ولكن على مستواي يجب علي أن أفكر بقدرات الطرف الآخر وليس نواياه. أنا أرى ما يطوره ويحاول أن يسبقنا في تطوير برامجه. على أي حال، أنا لا استطيع أن اسمح لنفسي بادارة مخاطر على افتراض أن يكون لي انذار استخباري».
يتعلق التغيير الاساسي الذي جرى على الحدود في السنوات الاخيرة بوصول رجال الرضوان، وهي قوة النخبة في حزب الله، ونشرهم في لبنان بعد سنوات راكموا فيها تجربة في الحرب الاهلية في سورية. «يوجد لهم ادوات لم تكن لديهم في 2006، على رأسها برنامج وقدرة هجومية في اراضينا. لقد زادوا منظومة النيران الموجهة لجبهتنا الداخلية وحسنوا قدرتهم الدفاعية أمام عملية برية اسرائيلية. رئيس الاركان يعتبرهم جيش ارهاب. احد الدلائل الواضحة على الانتقال من عصابات الى جيش هو تطوير تشكيلات هجومية واسعة، وليس فقط هجوما محددا أو دفاعيا. هذا ليس بالضرورة سيئة بالنسبة لنا. كلما تحولوا اكثر الى جيش وشكلوا نماذج ثابتة فانهم يخلقون بهذا اهدافا لهجوم بالنسبة لنا. الجيش يجب أن يتحرك ويجمع قواته. هذا يترك آثارا».
بعد انتهاء الحرب الاخيرة ظهر ميل في الجيش الاسرائيلي لتعظيم القدرات القتالية لحزب الله، وبالاساس الروح القتالية لمقاتليه. بندر يقترح عدم المبالغة. «بالنسبة لي هم يقتربون من القدرات التي توجد لدينا. هم يعرفون العمل مع غطاء استخباري ومع النيران والوسائل القتالية الاخرى، مثلما فعلوا الى جانب الروس والايرانيين في القتال في سورية. ولكن هذه منظومة اقل تعقيدا وتزييتا من منظومتنا. التهديد الاساسي لنا منذ سنوات هو حزب الله. نحن نخطط ونتدرب ونفكر بذلك. يوجد لدينا ربط اقوى بين الاستخبارات والنيران وعملية برية».
حتى الآن الجيش الاسرائيلي يجد صعوبة في أن يحدد لنفسه ماهية الانتصار في المواجهة مع عدو الذي هو ليس جيشا بالضبط. في حرب لبنان الاولى في 1982 وصلت قواتنا الى بيروت، لكنها انسحبت في اجواء من الكآبة رغم مغادرة ياسر عرفات ورجال م.ت.ف. في العام 2006 ضد حزب الله تقدمت القوات فقط 10 – 15 كم وخرجت من لبنان بشعور تعادل مخيب للآمال. هذه مشكلة ما زالت القيادة العليا تفكر فيها، لكن من الواضح أنها تميل الآن للمس بممتلكات العدو اكثر من الاحتلال والاحتفاظ باراض لفترة طويلة. بندر يقول إن الهدف سيكون «انهاء الحرب» حيث يكون حزب الله قد تلقى ضربة قاسية وسنحاول التقليل بدرجة كبيرة من ترسانة سلاحه من جميع الانواع والمس بالقادة والجنود. الامل هو أن يقود هذا الى ردع طويل المدى».
الحرب في اوكرانيا، التي يتابعها الجيش الاسرائيلي لاستخلاص العبر المهنية منها، تجسد مرة اخرى الى أي درجة يصعب على جيش احتلال مناطق حضرية مكتظة. منذ شهر تقريبا والروس يجدون صعوبة في احتلال مدينة ماريوبيل في جنوب شرق الدولة، رغم التفوق الكبير في الجنود والوسائل القتالية. بصورة متناقضة بالتحديد الدمار الشديد في المدينة يساعد بدرجة ما القوات المدافعة، التي تجد فيها حماية بسهولة. حسب اقوال بندر «يوجد الكثير مما نتعلمه مما يواجهه الروس. هذا يثبت بصورة ممتازة ما هو الصحيح وما غير الصحيح الذي علينا فعله. كيف يجب أن تكون قافلة لوجستية وكم هو مهم معالجة الدبابات والاستثمار في الوحدات المختارة والدفاع عن المدرعات من هجمات جوية».
يوجد فرق واضح بين اسرائيل وروسيا يتعلق بقدرة روسيا على مواصلة المعركة التي مر عليها شهر ونصف تقريبا، رغم الاحتجاج الدولي الكاسح والادانات والعقوبات. في حروب اسرائيل، الساعة الدولية على الاغلب تدق بصورة اسرع وضغط اكثر. بندر يعتقد أنه في حالة حرب في الشمال فان الدمار الذي ستسببه صواريخ وقذائف حزب الله سيعطينا، بصورة متناقضة، المزيد من الوقت وهامش العمل للجيش الاسرائيلي. وأن يحصل على شرعية داخلية قوية لنشاطاته. حسب قوله «يوجد لحزب الله الكثير من السلاح المتطور. لن يكون بالامكان عرضه كجيش حفاة الذي فقط يتلقى الضربات منا». ولكن عملية هجومية واسعة لحزب الله «ستلحق كارثة ايضا بحزب الله وبدولة لبنان ايضا». رغم أن نصر الله يتعامل  منذ سنوات بحذر نسبي في حربه الثنائية الطويلة امام اسرائيل، فان بندر يدعي أن هذا الزعيم الشيعي يعاني من قلة تقدير بشأن القدرات الهجومية الحالية للجيش الاسرائيلي وبخصوص استعداد اسرائيل للقيام بخطوات بعيدة المدى اذا هاجمها. «هذا سيخرج منا شيئا ما اعتقد أنه لا يفهمه حتى النهاية».
ارتكبت اسرائيل طوال سنوات خطأ عندما وصفت اعداءها ليس فقط بالمتطرفين المليئين بالكراهية الايديولوجية والدينية تجاهها، بل باعتبارهم غير منطقيين. هذه المقاربة تنطبق على ايران وعلى حزب الله، وتبدو في السنتين الاخيرتين بدرجة غير قليلة، حتى بالنسبة للقرارات التي اتخذها زعيم حماس في غزة، يحيى السنوار. بندر يقول إن نصر الله «منطقي، لكن هذا ليس بالضرورة منطقيتنا. هل هو عاقل ومتزن في اتخاذ قراراته؟. حسب رأيي نعم. السؤال هو هل هذا يقود الى قرارات متوقعة من ناحيتنا؟ الجواب هو ليس دائما. توجد لدي صعوبة معرفية معينة عندما احاول فهمه. أنا اسرائيلي، ولست شيعي – لبناني».

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق