افتقدناك.. يا أبا عبد الله

08 يوليو 2022 - 12:05
د. أحمد يوسف
صوت فتح الإخباري:

 قبل عقد من الزمن، كان لقائي الأخير بالأخ والصديق الحبيب د. رمضان شلَّح (رحمه الله) في بيته بحي المزة الدمشقي، والذي سبقه الكثير من اللقاءات والجلسات الحوارية في بيروت وواشنطن والقاهرة وطهران، حيث كانت تجمعنا هموم القضية الوطن السليب على مائدة المؤتمرات الإسلامية؛ باعتبارها قضية الأمة المركزية، وكانت تتضافر الجهود في معسكرنا نحن الفلسطينيين لوضعها دائماً على صدارة أجندات تلك المؤتمرات وندوات الحوار.
لقد سمعت أول مرة عن د. رمضان شَّلح (أبو عبد الله) في أوائل الثمانينات، كأحد الشخصيات الوازنة في التيار الجهادي، الذي كان د. فتحي الشقاقي (رحمه الله) يعمل على تأسيسها، بعد خلافه مع حركة الإخوان المسلمين الفلسطينية، الذي مثَّل –آنذاك- أحد أبرز قياداتها الشبابية.
كان الشهيد د. فتحي الشقاقي خلال سنوات دراسته بجامعة الزقازيق في السبعينيات بمثابة المرشد الروحي والمُلهم والمفكر الذي تأثر به د. رمضان، وتشكلت في ظل حواراته معه الكثير من قناعاته على مستوى الرؤية لمشروع الجهاد والمقاومة.
في الزقازيق كان البذار، وفي غزة نبت الغرس وتفتحت الأزهار، حيث آثر د. الشقاقي الابتعاد قليلاً عن نهج الإخوان، إذ تعارضت رؤيته النضالية التي تدفع بالتعجيل نحو العمل العسكري المقاوم للاحتلال الإسرائيلي، ونظرة شيخه الأستاذ أحمد ياسين (رحمه الله)، الذي كان يؤثر الانتظار لحين توفر الظروف والإمكانيات البشرية والمالية والعسكرية لانطلاق العمل الجهادي المقاوم.
كان د. رمضان من أشد الداعمين لمرشده د. فتحي الشقاقي، حيث كانت تجمعهما الكثير من القناعات الفكرية والقدرات الموسوعية وحبهما لقراءة الشعر والأدب، والتي أوجدت بينهما أكثر من مساحة للقواسم المشتركة، التي أسهمت في تحقيق التناغم الكبير بينهما.    
كان د. رمضان شلَّح خلال سنوات عمله بالجامعة الإسلامية صوتاً هادراً ارتكزت على قوته حركة الجهاد في بداية تأسيسها، وحظيت بالكثير من الكسب بين طلاب الجامعة الإسلامية. لم تخل تلك السنوات من صراعات بين الإسلاميين، حيث كان التنافس لإثبات الذات والحضور في المشهد الوطني يخلق احتكاكاً كان أحياناً ينحرف عن مساره بشكل سلبي، واستمر هذا المناخ حتى خلال انتفاضة الحجارة عام 1987، وإلى سنوات لاحقة بعدها.
من المعروف عن د. رمضان شلَّح (رحمه الله) أنه كان يمتلك حنجرة وقدرات أدبية وحسن بيان، وقد اشتهر بخطبه الجهادية التي أثارت غضب سلطات الاحتلال الإسرائيلي، فقامت بفرض الإقامة الجبرية عليه، ثم منعته من العمل في الجامعة. في عام 1986. غادر الشاب الثائر فلسطين إلى لندن لإكمال دراساته العليا، وحصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة درم عام 1990، وبعدها سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث عمل أستاذاً في العلوم السياسية في جامعة تامبا، إحدى جامعات ولاية فلوريدا بين 1993 – 1995م. كما كان أحد المؤسسين لـ"مركز دراسات الإسلام والعالم" مع الأساتذة: د. سامي العريان، د. سميح حمودة، د. مازن النجار، وعمل محرراً للمجلة الفصلية (قراءات سياسية). 
كانت سنوات عمله في أمريكا فرصة كبيرة لتطوير قدراته الحركية والفكرية، وقد أسهمت في زيادة مستوى المرونة ومساحة الانفتاح على الآخر، دونما فقدان لبوصلته النضالية ووعيه بتعقيدات القضية الفلسطينية ومتطلبات حشد الدعم لكسب التأييد والنصرة لها في الفضاءات الغربية. 
شهادة للتاريخ..
في عام 1994، التقينا كمجموعة من قيادات العمل الإسلامي في أمريكا، وحاولنا العمل على جمع الشمل بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي؛ باعتبار أن ما تفرقنا بسببه كإسلاميين في مطلع الثمانينيات لم يعد له وجود، حيث التحم الجميع في معركة المناجزة العسكرية مع الاحتلال، وقد توافقنا على أنه قد آن الأوان لأن يلتئم الشمل خلف قيادة واحدة، وأن نضرب الذكر على سنوات كان التنائي فيها بديلاً عن تلاقينا!!
في الحقيقة، كان د. رمضان شلَّح وكذلك د. موسى أبو مرزوق، ومن شاركنا اللقاء - آنذاك - من الشخصيات الإسلامية الفلسطينية على قلب رجل واحد حول ضرورة التسريع بتوحيد الصف والبندقية معاً. وبناء على مخرجات ذلك اللقاء، تمَّ التواصل مع قيادة كل من الجهاد الإسلامي وحركة حماس، إلا أن اغتيال د. فتحي الشقاقي في مالطا بتاريخ 26 أكتوبر 1995، واعتقال د. موسى أبو مرزوق في 25 يوليو 1995 ودخوله السجن لعامين قادمين، وضع هذه التفاهمات على الرفِّ، لحين ظهور متغيرات جديدة تستدعي تحريكها من جديد.
فوز حماس بالانتخابات...
بعد أن فازت حركة حماس في الانتخابات التشريعية يناير 2006، وتصدرت مشهد الحكم والسياسة، تعالت لغة الدعوة لاجتماع الشمل الإسلامي في إطاراته الجهادية، حيث شكَّل هذا الفوز دعماً لنهج الجهاد والفعل المقاوم. في سوريا وخلال أكثر من لقاء مع د. رمضان وإخوانه في المكتب السياسي أعدنا طرح الفكرة التي تداولناها سابقاً ثم توقفت..

وقلنا: "إن تواجد قيادة الحركتين الآن في دمشق، سيجعل من السهل معاود الحوار، حيث نضجت الظروف ولم يعد هناك ما يبرر استمرار وجود تنظيمين خرجا من مشكاة إسلامية واحدة، وأن ما بينهما من توافق الرؤية ووضوح الأهداف ما يعزز سرعة اللقاء وتحقيق الوحدة". 
للأمانة لم أشهد من د. رمضان إلا مواقف إيجابية، شجعتني لنقلها لأخي د. موسى أبو مرزوق، والذي ذكر لي أنه يعمل مع د. رمضان لإنجاز ذلك.
لقد سمعت من د. موسى الكثير من الثناء على د. رمضان، وأنه متعاون معنا في معالجة كل نقاط الخلاف لتمهيد الطريق لإنجاز ذلك.. وفعلاً؛ انعكست تلك اللقاءات والتفاهمات والعلاقات الإيجابية التي طوَّرها د. رمضان مع إخوانه في حركة حماس، وأثمرت فيما بعد على مستويات عالية من التنسيق العسكري فيما يسمي بـ"غرفة العمليات المشتركة"، إضافة إلى التعاون في باقي المجالات السياسية والإعلامية والفعاليات الوطنية والدينية.
التزام سياسة الحياد الإيجابي!!
برغم الانطباع السائد حول علاقة حركة الجهاد الإسلامي وارتباطها الوطيد بإيران، إلا أن د. رمضان حاول بذكاء الحفاظ على خط التوازن مع الجميع، حيث إن فلسطين هي قضية الأمة المركزية وتتطلب جُهد "الكل الإسلامي"، وتوخي الحذر بالابتعاد عن مربعات الصراع القائمة في المنطقة، وتجنب التورط بأيِّ شكل من أشكال التحالفات والنزاعات المشتعلة فيها. لذلك، حافظ د. رمضان (رحمه الله) على أكثر من "شعرة معاوية" مع الكل العربي.. ففي ملف الأزمة السورية، لم تختل توازنات البوصلة لديه، حيث التزم الصمت؛ لا مع ولا ضد، وإن كان يُحذر من مغبة ما يحدث، وأثره الكارثي على القضية الفلسطينية ومستقبل الأمة الإسلامية.. ولذلك، لم يخسر بموقفه هذا علاقته بالنظام أو الشارع السوري الذي تحرَّك في مواجهته وضد سياساته.
ومن الأشياء التي تحسب له كذلك، كان عدم التسامح أو السماح لأحد بالتشيع داخل الحركة، مؤكداً: إنَّ إيران دولة إسلامية نكن لها كل التقدير والاحترام، ونثمن كلَّ ما يقدمونه لشعبنا وقضيتنا من دعم مالي وعسكري ودبلوماسي، لكننا نحن في النهاية ضمن "الفضاء السُنِّي"، وما يجمعنا مع إيران هو الموقف من الاحتلال؛ باعتباره "غُدَّة سرطانية" يتطلب التعامل معه بما يحفظ مكانة فلسطين ومقدَّساتها، كأحد أهم موجودات الأمة الإسلامية بتاريخها الحضاري والإنساني. ومن هنا، كان تعامله مع حركة "الصابرين" ومؤسسها الأستاذ هشام سالم درءاً للفتنة، والتي انتهت بوقف عملها في قطاع غزة، وفصل قياداتها أو توقيف المتعاطفين معها في حركة الجهاد الإسلامي.
عزاء ورثاء...
لم يبقَ أحدٌ في ساحتنا الفلسطينية والإسلامية على المستويين الرسمي والشعبي إلا وعبَّر عن حزنه وأساه لفقدان قائدٍ كالدكتور رمضان (أبو عبد الله)؛ ملكَ بمواقفه قلوب كل من اتفقوا أو اختلفوا معه.. ولعلي أُجمل هنا بعض تلك السجايا التي اجتمعت في سيرة د. رمضان وعبرت عن مساره النضالي، ومنها كلمات القيادي في حركة حماس وعضو مكتبها السياسي د. موسى أبو مرزوق، حيث أشار إليه في كلمة العزاء بـ"القائد الوطني الكبير"، وأنه كان خطيباً مفوَّهاً ومثقفاً، وكان صادق القلب ونقي السريرة، وقد تمكن (رحمه الله) من وضع حركة الجهاد الإسلامي على الطريق الصحيح بعد استشهاد المؤسس د. فتحي الشقاقي.
أما السفير عدلي صادق؛ الكاتب والمحلل السياسي، فقد رثاه قائلاً: على درب حرية فلسطين، أسلم أبو عبد الله الروح، في ضاحية بيروت الغربية، بعد سقام طويل، ظلت خلاله هذه الروح الناصعة العطرة، ترفرف في سماء القدس التي أحب، والوطن الذي نذر نفسه له، منذ أن تسلم الراية من أخيه الشهيد د. فتحي الشقاقي. لقد أبى أبو عبد الله، إلا أن يكون وداعه ممتداً على مر سنين، ظلت خلالها القلوب تهفو اليه، ليس كرجل اختار طريقه في بحرٍ عالي الموج، يُغالب الأنواء، ولكي تستمر الحركة التي سهر على استمرارها واشتداد ساعدها، فلا تخبو جذوتها، بعد أن نالت الأيدي الغادرة من مؤسسها وأمينها العام الأول.. فأي فتى كان رمضان، غير ذاك الذي كان العزم من صنيعته، وكان الود الجميل والعقل المستنير. لكنَّ هذه الدار لا تُبقي على أحد، فهنيئاً لك ارتقاؤك وأنت في ذروة نُبلك، وطوبى لك في غيابك وأنت في ذرى حضورك. 
ولعل من باب التعبير عن قدرات د. رمضان شلح الأدبية ووعيه الثقافي، تلك اللفتة الكريمة التي أوردها الكاتب المصري رفعت سيد أحمد، ومفادها أن د. رمضان كان من بين أهم الدارسين والمتذوّقين للأدب والشعر الفلسطيني، فحينما طلبت صحيفة الاستقلال؛ الناطقة باسم حركة الجهاد الإسلامي، من الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش أن تحاوره، قال: لها: إذا أردتم الحوار معي فلي شرط واحد, وهو أن يكون المحاور ذلك الكاتب الذي يوقّع إسمه في عموده اليومي بـ"محمّد الفاتح"؛ لأنه الأكثر عمقاً وعلماً وفهماً لشعري وللأدب والسياسة في فلسطين، وكان "محمّد الفاتح" هو الإسم الذي يوقّع به د. رمضان شلح مقالاته في صحيفة الاستقلال!

أما الأستاذ جميل عبد النبي، المفكر وصاحب القلم، فقد لخص مواقف د. رمضان (رحمه الله) في سطور توزن بماء الذهب، قائلاً: إنَّ أخي أبا عبد الله كان رجلاً فلسطينياً قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وحدوياً، يبحث بين فرقاء الصف الفلسطيني عن أي فرصة لأن نكون معاً.. ففي ذات يوم، سجَّل شهادته التاريخية، والتي كانت آخر إرثه، مشيراً إلى أن الاحتلال يبحث عن مشترٍ لغزة، وتمنى على رفاق الخندق ألا يكونوا هم المشتري الذي يبحث عنه الاحتلال. وأضاف في سياق هذا الإرث: إن فكرة محور المقاومة أضيق من أن تتسع لكل العاملين من أجل فلسطين، ولا بدَّ من توسيع الدائرة ليصبح اسمها مشروع المقاومة، وليس فقط مجرد محور تنتمي له أطراف بعينها، إنما مشروع كبير يشمل كل العاملين من أجل فلسطين، بالسلاح، والمال، وتثبيت الصمود، والنضال السياسي، فالمقاومة ليست حكراً على أطراف بعينها، إنما وصف لكل من يعمل لفلسطين بأي طريقة مشروعة.
وأضاف كذلك: إن على الفلسطينيين ألا يكونوا جزءاً من أيِّ صراع عربي عربي، وظل كذلك حتى غاب وعيه، وطوال سنوات ما كان يسمى بالربيع العربي ظل ينقل خطواته في حقل ألغام، وكان دائماً لا يستجيب لمحاولات حرفه لأن يتنازل عن فكرة أن الطريق إلى فلسطين لا تمر عبر نزاعات العواصم العربية الأخرى، ففلسطين طريقها أوضح من أن يوضح.
وفي جنة الله التلاقي.. يا أبا عبد الله
لقد أحزننا فراقك يا أبا عبد الله.. لقد ترجلت كفارس عرفناه بموقفه وكلماته، وبنبضه المقاوم للاحتلال، وكانت شغاف قلبه تدعو للوحدة وتعمل لاجتماع الصف.. رحمك الله وأسكنك فسيح جناته، وعزاؤنا أن خلفك من الرجال من تطمئن بذكرهم ومواقفهم وجهادهم القلوب

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق