بالفيديو والصور|| 30 عاما على استشهاد عاطف بسيسو.. اغتيال تحت الأضواء الكاشفة

08 يوليو 2022 - 12:19
صوت فتح الإخباري:

ما ان وضعت حرب الخليج اوزارها ، حتى انطلقت مبادرة للرئيس الامريكي جورج بوش الاب لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الاوسط ووافقت جميع اطراف الصراع على عقد المؤتمر في مدريد في 30 تشرين الاول 1991 . وبعد ان انتهت ترتيبات الوفود المشاركة في مؤتمر مدريد غادرالوفد الفلسطيني برئاسة د. حيدر عبد الشافي من عمان الى مدريد ، وكان توجيه واختيارمنظمة التحرير الفلسطينية للوفد المشارك سريا .. وقبل وصول الوفد ، كان " عاطف بسيسو " يشارك رسميا في مدريد باجتماعات الوفود الامنية لكافة الدول المشاركة في مؤتمر مدريد ، كما عقد اجتماعات تنسيق مع اجهزة الامن الاسبانية التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع جهازالامن الموحد .

وكان المطلوب ايضا ، تأمين اتصالات اعضاء الوفد مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في تونس اثناء انعقاد المؤتمر واجتماعات خاصة في مدريد بصورة سرية ، وقد استطاع القيام بمهمتة بنجاح كبير حتى طريقة خروج ودخول بعض اغضاء الوفد من ابواب خلفية لاجتماعات مع مسؤولين في منظمة التحريرالفلسطينية والعودة لقاعة الاجتماعات بعيداً عن الاعين ، بتنسيق مع اجهزة الامن الاسبانية.

استغرقت مهمة " عاطف بسيسو " في مدريد عشرة ايام ، قبل واثناء انعقاد المؤتمر ، ولعب دوراً بارزاً في هذا المؤتمر انطلاقا من ايمانه بأهمية هذا المؤتمر لتحقيق آمال وطموحات الشعب الفلسطيني .

على هامش انعقاد المؤتمر ، شارك بالاجتماعات الامنية لوفود الدول المشاركة ، واجتمع رسمياً مع وفد امني من وكالة المخابرات المركزية الامريكية وفتحت البوابة الكبرى ، وكان ذلك الاجتماع الرسمي تتويجاً لاتصالات سابقة ولكن "الموساد" الاسرائيلي بدأ بالعد التنازلي منذ انعقاد المؤتمر والنجاح الذي حققه " عاطف بسيسو " .

في قصر الصنوبر

أثناء انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط ، تواجد وفد فلسطيني سراً مثل عاطف بسيسو ود. نبيل شعت وأكرم هنية ، وغيرهم ، وكانت للوفد مهمات مختلفة امنية مثل عاطف بسيسو وسياسية مثل د. نبيل شعت ، وعمل عاطف بسيسو من خلف الكواليس بالتنسيق مع اجهزة الأمن الاسبانية ، وبالتنسيق مع الوفد السري ايضاً ، دون محاولة الاحتكاك بأعضاء الوفد الفلسطيني المعلن والمشارك بصفة علنية .

واثناء انعقاد المؤتمر وصلت تعليمات من الرئيس "ابو عمار " برغبته بالاجتماع سراً وخارج اسبانيا مع الوفد المشلرك في المؤتمر ، وقام عاطف بسيسو باجراءات العملية ، وارسل مع د. نبيل شعت رسالة الى اعضاء الوفد ذات مضمون غامض ، شخصية هامة ترغب بلقاء الوفد سراً .

وتجمع اعضاء الوفد الفلسطيني ، دون معرفتهم بالشخصية التي ترغب بالاجتماع معهم او مكان اللقاء ، وكان عاطف بسيسو حريصاً على سرية الموضوع بدرجة قصوى .

وليلاً توجه الوفد مع د. نبيل شعت واكرم هنية خارج منطقة المؤتمر الى مطار صغير في مدريد ، ووجدوا بانتظارهم طائرة خاصة ، وابلغوا آنذاك انهم بالطريق الى الاجتماع مع الرئيس ابو عمار .

وغادرت الطائرة الخاصة الساعة العاشرة ليلاً الى الجزائر ، وهناك توجهوا فوراً الى مقر الصنوبر ، حيث اجتمع الرئيس ابوعمار مع الوفد لمدة ثلاث ساعات بحضور بعض اعضاء قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ، وجرى نقاش طويل حول سير اعمال المؤتمر ، وقبل الفجر كانت الطائرة تهبط في المطار الصغير في مدريد ، ليعود اعضاء الوفد الى الاجتماعات بهدوء دون ان يشعر احد بهه الرحلة الليلية السرية ، التي قام بترتيبها عاطف بسيسو، وبعد انتهاء اعمال المؤتمر عاد الوفد الى الاردن .

ويصف د. زكريا الاغا ، العضو المشارك بالمؤتمر ( عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية واللجنة المركزية لحركة فتح حالياً اجراءات الرحلة بأنها كانت بغاية الدقة ومثالية بالسرية .

خطة اغتيال عاطف بسيسو

خلال شهري نيسان وآيار 1992 ، كانت اجهزة الامن الفلسطينية قد حصلت على معلومات من مصادر امنية مختلفة ومنها دول اوروبا الغربية ، بموجب التنسيق الامني وتبادل المعلومات ، بان الموسساد الاسرائيلي اعد قائمة سوداء لعدد من مسؤولي منظمة التحرير الفلسطينية للاغتيال قبل الانتخابات الاسرائيلية ، وشعر " ابو عمار" ان اسرائيل تدبر عملية خطيرة في شهر نيسان وتذكر شهداء اللجنة المركزية . فقد نفذت الموساد اغتيال القادة في عملية الفردان وابو جهاد في نيسان . وحاول ابو عمار ان لا يستقر في مكان فقام بزيارات لدول عديدة بهدف تفويت الفرصة على المخابرات الاسرائيلية ، وطلب من مساعديه اخذ الحيطة والحذر خاصة في اوروبا .. ومنهم كان " عاطف بسيسو " .

الاحساس الداخلي لابو عمار دفعه للابتعاد فترة عن تونس ، حتى سقطت الطائرة في الصحراء الليبية " طائرة النجاة " في نيسان 1992 .

كانت طائرة ابو عمار قد رصدت تحركاتها المخابرات الاسرائيلية حتى سقوطها ، لانها كانت هدفاً أساسياً للموساد . وقد تأكد ذلك بالدليل القاطع بعد الحادث ، عندما قامت اذاعة اسرائيل ببث تسجيل صوتي لنداءات الاستغاثة التي وجهها قائد الطائرة في الصحراء الليبية قبل سقوطها . وقالت اذاعة اسرائيل ان احد الهواة الاسرائيليين قام بتسجيل النداءات !!

طبعاً المسألة واضحة ان يتابع احد " الهواة " نداءات طائرة ابو عمار على بعد الاف الاميال باجهزة متطورة لغاية !! والحقيقة ان المخابرات الاسرائيلية تابعت " الهدف " حتى سقوط الطائرة .

خلال تلك الفترة كان الاحساس بالموت يسيطر على " عاطف بسيسو " فهناك جهتان تتسابقان للوصول اليه ، تنظيم ابو نضال والموساد الاسرائيلي . وكان لديه معلومات حول خطر يتهدد حياته من احدى الجهتين .

وفي منزله بتونس سيطرت اجواء القلق على المنزل ، ولاول مرة ، فاخذ احتياطات امنية مشددة في المنزل فمنع اطفاله من اللعب بحديقة المنزل ، وكان متوتراً على غير عادته . اوصى زوجته باخذ الحيطة والحذر وخاصة اثناء خروجها من المنزل مع الاطفال . استغربت زوجته كل تلك الاجراءات والحذر والتوتر ، فقالت له : لقد كنت في السابق تتعرض لمحاولات اغتيال وتنجو منها .. ما الذي تغير الان ؟

لقد تعرضت في لبنان لمحاولة اغتيال من تدبير الموساد وبواسطة الجاسوسة " امينة المفتي " وغير ذلك ، لماذا هذا القلق ؟!

في بيروت كانت الجاسوسة امينة المفتي اختارت السكن في بناية مجاورة لمنزله ، واكتشفها الامن الفلسطيني واعترفت انها كانت ترصد تحركات " عاطف بسيسو " لاغتياله على يد الموساد ، وجرى لاحقاً تسليم الجاسوسة لاسرائيل وتمت المبادلة باسرى من منظمة التحرير الفلسطينية وهما : مهدي بسيسو " ابو علي " ووليام نصار . تعرض أيضاً لكمين نصبه تنظيم ابو نضال لاغتيال " عاطف بسيسو " في عام 1990 في دولة اوروبية ، ونجا عاطف من تلك المحاولة ، بعد انشقاق عاطف ابو بكر وعبد الرحمن عيسى .

قال " عاطف بسيسو " لزوجته : " المرحلة الان خطيرة للغاية .. من يسلم فقد سلم "! تغير سلوكه قبل ان يغادر تونس بفترة وجيزة ، فقد تزايد الاحساس الداخلي بالموت ، فاصبح ياخذ اطفاله معه الى الجبل في تونس ويجلس منفرداً لساعات يفكر .. لاحظ زملائه في الجهاز انه تحول الى اللامبالاة في الاحتياطات الامنية والحذر الذي تعود عليه طوال حياته ، فاصبح يردد : " لا يمنع حذر من قدر " .

من الواضح ان مخاوف " عاطف بسيسو " لم تكن بسبب التحذيرات التي تلقاها من مصادر مختلفة ، وانما نابعة من احساس داخلي .. لكنه سرعان ما تجاوز ذلك الاحساس وواصل نشاطه في منتصف ايار 1992 ، فقد حدد خط رحلة عمل لعدة دول في العالم ، وكان خط السير : " تونس – مدريد – هافانا – برلين – باريس - مارسيليا – تونس " .

اتصل " عاطف بسيسو " بعدنان ياسين ، بسفارة فلسطين بتونس ، والذي اكتشف لاحقاً تعاونه مع المخابرات الاسرائيلية ، وكان عادة ما يتولى ضمن نطاق عمله في سفارة فلسطين متابعة الشئون والقضايا الجمركية والتسهيلات التي منحتها الخارجية التونسية لسفارة فلسطين ، وطلب من عدنان ياسين القيام بالاجراءات الجمركية لادخال سيارة الى تونس قادمة بالباخرة من ميناء مرسيليا .

وكان اخ زوجته ديما السبع المقيم في الولايات المتحدة الامريكية قد اتصل بعاطف بسيسو وابلغه بانه سيرسل له سيارة لاندروفر للصيد ، نظراً لمعرفته بهواية " عاطف بسيسو " ، فاتفقا على ان يرسل السيارة بالباخرة الى ميناء مرسيليا ، حيث سيقوم " عاطف بسيسو " بشحن السيارة الى ميناء تونس .

في فترة سابقة كان عدنان ياسين قد التقى بـ " عاطف بسيسو " في باريس في فندق الميريديان اثناء احدى زياراته لفرنسا ، وبعد ذلك كان عدنان ياسين يحاول اسداء أي خدمة لعاطف بسيسو .. ولكن هذه المرة كانت " خدمة قاتلة " .. كما ادى خدمة ملغومة لابو مازن " محمود عباس " بشحن اثاث مكتبه بعد ان زرعت به الموساد اجهزة تنصت وفي تونس أيضاً قبل ان يكتشف عدنان ياسين وقد زرعت الاجهزة الدقيقة في ظهر المقعد الذي كان يجلس عليه ابو مازن وفي مصباح المكتب الخاص بالقراءة والكتابة .

وبهذا تحدد خط سير " عاطف بسيسو " على الاقل في بعض المحطات من خلال خط سير سيارة اللاندروفر من الولايات المتحدة الامريكية حتى وصولها لتونس . وهذا الامر ابقى ، ربما ، " عاطف بسيسو " على اتصال مع عدنان ياسين خاصة في المرحلة الثانية والحاسمة من رحلته ، وبعد ان وصلت سيارة اللاندروفر الى المانيا بدلاً من ميناء مرسيليا نظراً لان اخ زوجته لم يجد باخرة آنذاك تصل الى مرسيليا ، فقام بشحن السيارة الى المانيا .

في منتصف ايار 1992 غادر " عاطف بسيسو " تونس الى مدريد ، حيث قام بمهمة سريعة ، وواصل رحلته الى كوبا في زيارة رسمية ، بهدف اجراء مباحثات مع اجهزة المخابرات الكوبية ، حول الجالية الفلسطينية في كوبا واستكمال التنسيق بين جهاز الامن الموحد والمخابرات الكوبية بشان مكافحة النشاط الاستخباري الاسرائيلي في امريكيا اللاتينية . كما قام اثناء زيارته التي استغرقت عشرة ايام بمهمات خاصة تتعلق بتواجد ونشاط جهاز الامن الموحد في كوبا وبعض مناطق امريكيا اللاتينية ومتابعة دورات امنية لعدد من الضباط في كوبا .

خلال اقامته في كوبا اتصل " عاطف بسيسو " بزوجته مرات قليلة ، نظراً لصعوبة الاتصال من كوبا .

معلومات في يوغسلافيا

كان جهاز الامن والمعلومات " الامن المركزي " والذي كان يترأسه الشهيد هايل عبد الحميد " ابو الهول " ، ومنذ اغتياله في 14 كانون الثاني 1991 ، تولى الاشراف على الجهاز طارق ابو رجب ، والذي تربطه بعاطف بسيسو علاقة نضالية ومودة معروفة على مستوى جهازي الامن الموحد للامن المركزي ، لعبت دوراً هاماً في تحقيق خطوة استراتيجية بدأ بها قادة الجهازين الشهداء ، وتحولت المسئولية الكبيرة الى قيادات امنية ذات كفاءة عالية " امين الهندي ، طارق ابو رجب ، عاطف بسيسو " ، شكلوا بعد 14 يناير 1991 وحدة قيادية واحدة .

كان جهاز الامن والمعلومات قد ركز جهوده في اوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية ، على متابعة نشاط الموساد الاسرائيلي ، وفي يوغسلافيا كان ضابط الامن والمعلومات تميز بالذكاء الحاد والشجاعة وحظيت قدراته بتقدير المسئولين في منظمة التحرير الفلسطينية ، وبعد مطاردة الولايات المتحدة الامريكية لابو العباس بعد عملية اكيلي لاورو ، استطاع ان يقوم بتهريب ابو العباس من يوغسلافيا رغم الرقابة التي تكثفت حول مقر اقامته في براغ عندما استخدم " بدائل " وماكياج واشخاص اعدهم بشبه كبير مع ابو العباس وغادروا المقر المشتبه به بموكب يستخدمه ابو العباس عادة لصرف الرقابة ، ثم اكتشفت الرقابة انهم اشخاص عاديون .

اما ابو العباس الحقيقي فقد غادر برفقة ضابط الامن الفلسطيني فقط وبسيارة اجرة عادية … الى المطار .

قبل 25 يوماً من اغتيال " عاطف بسيسو " حصل الضابط على معلومات محددة بان الموساد الاسرائيلي قرر اغتيال " عاطف بسيسو " في باريس او تونس والشخصية الثانية كانت امين الهندي الذي خضع لمراقبة الموساد كهدف ثاني .

وقام الضابط بابلاغ قيادة جهاز الامن والمعلومات في تونس ليلاً باتصال هاتفي عند الساعة الثالثة فجراً مع طارق ابو رجب .

كان " عاطف بسيسو " قد غادر الى كوبا ، رغم ان المعلومات لم تكن جديدة ، على المعلومات التي توفرت لجهاز الامن الموحد قبل سفر " عاطف بسيسو " ولكنها كانت تحمل تفاصيل دقيقة ، وطلبت استفسارات من ضابط الامن وقدم اجابات عليها حول المصدر .. او المصادر !

عصابات المافيا

بعد ان قام الموساد بمحاولة اغتيال ابو حسن سلامة قائد القوة " 17 " في النرويج ، وقتل عن طريق الخطأ عامل مغربي يدعى احمد بوشيكي ، حيث القت قوات الامن النرويجية القبض على مجموعة من ضباط الموساد الاسرائيلي وتسببت ذلك العملية الفاشلة في منتصف عقد السبعينيات بازمة دبلوماسية بين النرويج واسرائيل . تحاول الموساد بعد ذلك استخدام عناصرها وضباطها في عمليات الاغتيالات بطريقة مباشرة ، في اوروبا ، واعتمدت لتنفيذ اهدافها على عصابات المافيا والقتلة المحترفين في اوروبا . اما ضابط الموساد الذي كان يكلف هؤلاء القتلة بالتنفيذ مقابل مبالغ مالية كبيرة ، كان عادة يعمل في العصابات المعروفة لابعاد أي خيوط تصل الى الجهة الحقيقية .. وهي الموساد ..

وفي عام 1979 قامت المخابرات الاسرائيلية " الموساد " باغتيال زهير محسن الامين العام لمنظمة الصاعقة الفلسطينية في فرنسا ، ونفذ عملية الاغتيال قاتل الماني محترف معروف لدى البوليس الفرنسي .

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية ، اندلعت الحرب الاهلية في يوغسلافيا ، ولجأ عدد كبير من العرب اليوغسلافيين الى فرنسا ودول اوروبية اخرى .

وفي باريس ومنذ سنوات طويلة ، كان للصرب اليوغسلافيين تواجد هام في فرنسا ، قبل الحرب الاهلية أيضاً ، واحترف عدد كبير منهم مهمنة المرافقة BODY GARDE واسسوا شركة عريقة في باريس للمرافقة باشراف فرنسي .

كما عمل جزء آخر في شركات " البوليس السري الخاص " . واعتمدت هذه الشركات الفرنسية على اليوغسلافيين المقيمين في فرنسا ، وتدربوا على الامن لدرجة الاحتراف . عدد اخر منهم شاركوا في عصابات المافيا للقتل والجرائم المختلفة ، وهنالك اصبح في باريس عصابات يوغسلافية من العرب معروفة تحترف الاجرام والقتل مدفوع الاجر ، ولكل عصابة يوجد زعيم يعمل معهم بصورة خفية او علنية لدى افراد العصابة .

بعد اندلاع الحرب الاهلية اتجهت مجموعات من الصرب الى فرنسا من اجل شراء الاسلحة من السوق السوداء لاستخدامها في الحرب الاهلية في يوغسلافيا ، وكان لهذه المجموعات اتصالات وتنسيق مع الموساد الاسرائيلي الذي ساعدهم في شراء اسلحة احتاجوها في الحرب .

اهتم الموساد بتقديم خدمات للصرب خلال الحرب الاهلية ، ضمن الاهتمامات الاسرائيلية باوروبا الشرقية وسعى الموساد من خلال العصابات اليوغسلافية الى شراء الزئبق الاحمر ودفع مبالغ ضخمة لشراء بضعة كيلو غرامات ، لاستخدامها في الصناعة النووية الاسرائيلية وحتى لا يذهب " الزئبق الاحمر " لبعض الدول العربية خاصة العراق .

اقام الموساد الاسرائيلي محطات سرية في اوروبا الشرقية ، خاصة محطة اساسية في " هنجاريا " باشراف يهودي يدعى " موريس " .

كانت المخابرات اليوغسلافية بعد الحرب الاهلية ، ضعيفة ولم يكن لديها اهتماماتها الخارجية ونشاطاتها السابقة قبل الحرب الاهلية ، ولكنها كان لديها نشاطها الواسع على مستوى اليوغسلافيين داخل يوغسلافيا وخارجها ، ولا سيما في باريس .

ورغم حالة الانهيار فقد رفضت المخابرات اليوغسلافية " امن الدولة اليوغسلافي D.B. التنسيق مع الموساد الاسرائيلي ، باعتبار ان قيادات الجهاز ابناء الثورة ورفضوا اقامة علاقات تنسيق مع الموساد ، ولبعض القضايا المحددة اقيم اتصال غير مباشر عن طريق النمسا فقط .

بالمقابل كانت اجهزة الامن الفلسطينية تتابع نشاطات الموساد عن قرب ، وهذه النشاطات على مستوى يوغسلافيا كانت جزءاً من نشاطات الموساد السرية في اماكن مختلفة في العالم والتي كان " جهاز الامن الموحد " يعمل على مكافحتها من خلال نشاط " عاطف بسيسو " وهي نشاطات سرية اسرائيلية تستحق التوقف عندها طويلاً .. وقد استطاع جهاز الامن والمعلومات تحديد نوايا الموساد الاسرائيلي بدقة قبل خمسة وعشرون يوماً من اغتيال " عاطف بسيسو " ، وكان الموساد خلال الاشهر السابقة قد بدأ يرسم سيناريو الاغتيال ، وبعد عرض صورة " عاطف بسيسو " على القتلة والاتفاق معهم على التفاصيل مالياً وخطة التنفيذ ، لم يعرف القتلة اسم الشخص المطلوب اغتياله ، ولكن هنالك من تعرف على صورته قبل تنفيذ العملية .. وبعد ان اشيع لاحقاً في اوساط امنية ، وتمت عملية ربط المعلومات حول مصدر تسريب المعلومات بخصوص اغتيال " عاطف بسيسو " حاول الموساد اختطاف ضابط الامن الفلسطيني في يوغسلافيا بنصب كمين له وافلت منهم وكان ذلك بعد اغتيال عاطف بسيسو " .

خلال الاشهر التي سبقت اغتياله ، كانت المخابرات الاسرائيلية الموساد قد احكمت الطوق حول " عاطف بسيسو " ووضعت خطط الاغتيال في باريس او في تونس في حالة تعذر التنفيذ في باريس لعدم زيارته لها مثلاً .. رغم حذره الدائم وحرصه ، ولكن بالمقابل كان جهاز الموساد بامكاناته الضخمة يحاصر " عاطف بسيسو " .

تقول صحيفة معاريف بتاريخ 9/6/1992 : "وعلى عكس رؤساء التنظيم ابتعد "عاطف بسيسو " .

ذكر اسمه في جميع وسائل الاعلام ولم يكثر من حب الظهور ، حيث كان مكلفاً بامن الدبلوماسيين التابعين لمظمة التحرير الفلسطينية .. نفذ ذلك بصفة دائمة مرسلون من طرفه الا في عمليات خاصة حيث سافر بنفسه للتنسيق ، وكان ذلك دائماً بشكل سري للغاية ،ودائماً باسماء مستعارة كما هو الحال في سفرته الاخيرة لباريس .

بعد اغتيال خليل الوزير " ابو جهاد " كان عاطف بسيسو وراء جميع المطالبات لتشديد الحراسة على رجال منظمة التحرير الفلسطينية البارزين في كل مكان في العالم ، وحتى في الدول العربية ، وقد امر جميع البارزين في منظمة التحرير الفلسطينية القادمين الى تونس بعدم النزول في الفنادق حتى لا يكونوا مكشوفين حتى لدوائر الاستقبال .وفي السنتين الاخيرتين اعلن " عاطف بسيسو " لرؤساء التنظيم ان عليهم تمليك بعض البيوت الفاخرة في ضواحي تونس لاستقبال واستضافة القياديين القادمين من اماكن مختلفة في العالم ، واصبح يتم استقبال الشخصيات الفلسطينية البارزة واستضافتهم من سلم الطائرة الى هذه البيوت والمسؤولين عن حراستهم هم رجال القوة "17" الذين تحولوا لوحدة كبيرة قائمة بحد ذاتها .

الاجراءات التي كان يقوم بها " عاطف بسيسو " تعتبر اجراءات امنية مثالية ، ولكن زيارة برلين كانت محطته الاخيرة قبل رحلة الموت الى باريس .. ففي نهاية ايار 1992 وصل " عاطف بسيسو " الى برلين ونظراً لكثرة زياراته الى برلين والتي اصبحت في مرحلة الثمانينات محطة رئيسية وامنة لجهاز الامن الموحد ، وحتى يضمن سرية زيارته ، فقد كان لديه منزل سري في برلين الشرقية قريب من الكسندر بلادز في مركز العاصمة ، وقد استأجر جهاز الامن الموحد هذا المنزل لاستخدامه لاغراض زيارات كبار المسؤولين في الجهاز .

وكانت برلين المركز الرئيسي الذي ينطلق منه " عاطف بسيسو " لكل اوروبا الشرقية " .

موعد مع الموت في باريس

خضعت المعلومات التي وصلت لجهازي الأمن والمعلومات والأمن الموحد للبحث والدراسة في تونس وجرت اتصالات مكثفة على مستوى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية،أثناء وجود "عاطف بسيسو" في كوبا وتابع "حكم بلعاوي"عضو اللجنة المركزية لحركة فتح والسفير الفلسطيني في تونس،عملية البحث أيضا في مدى دقة المعلومات،ووصلت القيادة السياسية والأمنية لقناعة بجدية الخطر الذي يتهدد "عاطف بسيسو".فالمجموعات اليوغسلافية في باريس كانت مخترقة أيضا من قبل المخابرات اليوغسلافية،ولكن مصادر"جهاز الأمن والمعلومات"كانت موثوقة بدرجة عالية جدا،وتحددت مناطق الخطر الأولى"باريس أو تونس"لعاطف بسيسو أولا ثم أمين الهندي ثانيا.وبعد عدة أيام من وصوله إلى ألمانيا،قام"أمين الهندي"بزيارة سرية إلى ألمانيا،واجتمع مع"عاطف بسيسو"سرا في إحدى المدن الألمانية،وأبلغه بالتفاصيل وطلب منه العودة فورا إلى تونس أو السفر إلى السودان والاختفاء لفترة ما حتى تهدأ الأمور،رفض"عاطف بسيسو"أن يرافقه في رحلة العودة،وأبلغه أن سيبقى في ألمانيا لبضعة أيام يكمل مهمته وأن رحلته إلى باريس ليست مؤكدة نظرا لأن الموعد لم يتحدد بعد من مسؤول المخابرات الفرنسية"فقد تأجل هذا الموعد سابقا عدة مرات ..كانت سيارة"اللاندروفر"ـ شيفروليه 4x4 ـ قد وصلت إلى ألمانيا من الولايات المتحدة الأمريكية وتسلمها"عاطف بسيسو"وأبلغه أنه سيسافر بالسيارة برا من برلين إلى مرسيليا لشحن السيارة إلى ميناء تونس.خلال وجوده في برلين كان ينطلق في رحلات بالسيارة،وكان شجاعا يفضل السفر بالبر،مثابر لديه قدرة غير عادية على تحمل قيادة السيارة لرحلات طويلة،وفي إحدى المرات خرج من برلين العاشرة صباحا بالسيارة وعاد إلى الرابعة فجر اليوم التالي،وكان يسافر إلى تشيكو سلوفاكيا وبولونيا لمتابعة نشاط وأعمال جهاز الأمن الموحد ..باقي الأيام قضاها في المنزل،يمارس أعماله مع ضباط الأمن الموحد في ألمانيا،وفي 3 حزيران 1992 اتصل به هاتفيا من تونس"طارق أبو رجب"مسئول جهاز الأمن والمعلومات.وأكد له مجددا أنه مستهدف من"الموساد"وعليه أن يعود لتونس فورا ويقطع زيارته لألمانيا وأن لا يصل إلى باريس..في مساء ذلك اليوم اتصل به"عبد الله الإفرنجي"ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في ألمانيا وأبلغه أن د.حيدر عبد الشافي سيصل مطار برلين قادما من هامبورغ.

طلب"عاطف بسيسو"في مساعديه الذهاب إلى مطار برلين لاستقبال د.حيدر عبد الشافي رئيس الوفد الفلسطيني لمؤتمر مدريد،وبقي في المنزل ولم يتوجه إلى المطار،بسبب التحذيرات التي تلقاها من"أمين الهندي"و"طارق أبو رجب"..وكان د.حيدر عبد الشافي قد وصل إلى ألمانيا بزيارة تلبية لدعوة من"الحزب الاشتراكي الألماني"،واستغرقت الزيارة مدة أربعة أيام في بون ثم أكمل رحلته إلى هامبورغ وبرلين قبل أن يعود إلى قطاع غزة. في مساء ذلك اليوم قام"عبد الله الإفرنجي"ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في ألمانيا بدعوة د.حيدر عبد الشافي لطعام العشاء في مطعم ياسمين في برلين،بحضور بعض مسئولي مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في ألمانيا،وعاطف بسيسو والعقيد محمد حجازي ضابط الأمن الموحد في ألمانيا،وكان هنالك المرافقين الألمان من الحزب الاشتراكي الذين جاءوا مع د.حيدر عبد الشافي،وجلسوا جميعا في صالة مفتوحة للمطعم في الهواء الطلق حتى منتصف الليل..ودار حديث طويل حول سير المفاوضات ونتائج مؤتمر مدريد للسلام وبعد انتهاء عشاء العمل،وانصراف الحضور،طلب"عاطف بسيسو"من العقيد محمد حجازي الانتظار،كان قلقا متوترا،لكن أحدا من الحضور تلك الليلة لم يشعر ولم يلاحظ أي منهم حجم الخطر الذي يتهدد"عاطف بسيسو"وكعادته كان يتجنب الحديث عن نفسه،مما أكسبه محبة الجميع واحترامهم ،من أيده في الرأي ومن خالفه ،فلم يجعل من تلك المسألة والخطر الجسيم الذي يتهدد حياته وكل التحذيرات التي تلقاها،لم يجعل منها قضية يتغنى بها،وعند الحاجة العملية للحديث عنها كان يتردد لدرجة الخجل،بتواضع مشهود،رغم إدراكه الواعي بجدية الخطر والمعلومات،فسأل "محمد حجازي"بقوله: ما رأيك"هل تعتقد بوجود خطر حقيقي؟

قال محمد حجازي :أري أن تقطع زيارتك وتعود لتونس فورا..الخطر قائم وجدي..

وبعد سنوات سألت د.حيد عبد الشافي حل لاحظ في تلك الجلسة أي مظاهر قلق أو خوف على"عاطف بسيسو"،فنفى بشكل قاطع وأكد أنه كان خلال الجلسة طبيعيا ولم يشعر أحدا من الحضور مطلقا أي قلق ظاهر عليه..وذهل د.حيدر عبد الشافي عندما علم سبب عدم استقبال"عاطف بسيسو" له في المطار وما دار آنذاك من تحذيرات وقال:لم أتصور أن يحافظ "عاطف بسيسو"على هدوئه واتزانه رغم كل هذا..فقد عرفته طفلا في غزة عندما كنت طبيب العائلة،ثم إلتقيته بعد ذلك في ألمانيا..في صباح اليوم التالي،قام"عاطف بسيسو"بإيصال د.حيدر عبد الشافي بسيارته إلى مطار برلين وكان في وداعه وهو يغادر ألمانيا..،في نفس اليوم،اجتمع"عاطف بسيسو"مع جهاز المخابرات الألماني،وقبل الاجتماع طلب من محمد حجازي"إثارة موضوع المعلومات حول نوايا الموساد باغتياله ..وفعلا تحدث حجازي عن ذلك في الاجتماع،فافزع مسئولي المخابرات الألمانية لسماع هذه المعلومات،وأكدوا أنه لا معلومات لديهم حول هذا الموضوع،وكان خوفهم أن تحصل مثل هذه العملية على أراضيهم،وربما قامت المخابرات الألمانية بالاستفسار من المخابرات الإسرائيلية،وقد تكون ألمانيا حذرت إسرائيل من قيامها بعملية كهذه على الأراضي الألمانية،وهذا الإجراء طبيعي أن تقوم به ألمانيا في حالات كهذه .بعد يومين بدأت مخاوف"عاطف بسيسو"تقل بوضوح،وربما أبلغته المخابرات الألمانية رسالة تطمينية.،اصطحب معه أحد ضباط الأمن المقيمين في ألمانيا،وأخذ يتمشى معه في الشارع المركزي في برلين،قال"عاطف بسيسو":لماذا أشعر بالراحة في ألمانيا،وعادة بعد أن أكمل عملي أمكث عدة أيام إضافية،بينما لا أشعر بالراحة في باريس وأسافر عادة فورا بعد انتهاء عملي.،قال الضابط الشاب:ربما لوجود عدد من ضباط الجهاز في ألمانيا أكثر من باريس .. حتى أثناء تمشيه في الشارع كان حذرا ، فقد كان يحب السرية التامة في أي مهمة مهما كانت صغيرة،الحذر كان يخف قليلا خلال التسوق،أما خلال المهمات الأمنية كان حذرا جدا..طوال حياته العملية اتبع أسلوبا حذرا للغاية،وبقي يحافظ على تلك العادات الأمنية،فقد كان يلغي موعدا و يتعمد عدم الذهاب إليه لو لاحظ مسألة تافهة،وأغضبت أحيانا بعض أصدقائه بهذا السلوك،منذ خروجه من المنزل كان يلاحظ كل شئ،أي شخص يسير في الشارع،أي سيارة،حتى يصل للمكان المطلوب وقبل أن يتوجه حتى لمنزل أحد أصدقائه كان يلاحظ كل شئ أمام المنزل،ولو سأله أحدهم لأعاد عليه كل شئ صادفه في الطريق،بدقة ملاحظة قوية تعود عليها،وبرر ذلك قائلا ذات مرة لأحد أصدقائه:"لو لم أفعل هذا منذ سنوات طويلة لقتلت منذ زمن طويل"لم يستخف"عاطف بسيسو"بالتحذيرات التي وصلته من أجهزة الأمن الفلسطينية،ولكن الخطأ القاتل الذي أنجح مهمة"الموساد"،كانت تطمينات أجهزة الأمن الأوروبية وخاصة ألمانيا وفرنسا،فالموساد لا يحتاج لضوء أخضر لينفذ عملية اغتياله من أجهزة أمن أوروبا،كانت ألمانيا حازمة في عدم حصول عملية كهذه على أراضيها،لكن خارج الأراضي الألمانية تصبح المسألة من اختصاص وسياسة أمنية لدولة أوروبية أخرى.لذلك كان تركيز"عاطف بسيسو"على الموقف الرسمي لأجهزة الأمن الأوروبية تجاه عملية الاغتيال سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بقنوات عديدة،لأن المخابرات الأوروبية لا تعطي ضوءا أخضر للموساد بتنفيذ مثل هذه العمليات،بشكل رسمي ولكن يبقى هنالك عوامل أساسية أخرى منها:الحسابات الإسرائيلية الخاصة بها،وتواطؤ من داخل المؤسسات الأمنية الأوروبية بتعاون معلوماتي القيام بدور " تستر" لاحقا لاحتواء آثار العملية،وهذا ضمنته الموساد سلفا في باريس"ولم تستطع مطلقا تنفيذ عملية الاغتيال والتخطيط لها قبل أشهر،لتنفيذها في باريس تحديدا لو لم تضمن العوامل المذكورة.و كان أمام"الموساد"الخيار الثاني في تونس والأقل إحراجا لإسرائيل نظرا لعدم وجود علاقات دبلوماسية بين تونس وإسرائيل.،لكن اختيار باريس كان له أسباب خاصة أيضا،فضلتها على تونس ..

في باريس الموعد القاتل

في نهاية زيارته لبرلين،كان عاطف بسيسو على اتصال مع المخابرات الفرنسية بانتظار تحديد موعد مع جنرال فرنسي من أجهزة المخابرات الفرنسية،وبقي في برلين مترددا بالسفر إلى باريس،أو الانطلاق بالسيارة مباشرة من الحدود"الألمانية ـ الفرنسية إلى مرسيليا"،وفي يوم الجمعة 5 حزيران 1992 ،تحدد الموعد أخيرا،مع الجنرال"فيليب روندو" مستشار وزير الدفاع الفرنسي"بيار جوكس"وكان الموعد يوم الاثنين 8 حزيران 1992 الساعة العاشرة صباحا في باريس،وكان هذا الموعد القاتل"قد تأجل لثلاث مرات منذ آذار 1992،قبل أن يتحدد أخيرا..،في مساء ذلك اليوم اتصل هاتفيا بزوجته"ديما"من برلين وأكد لها أنه متوجه إلى باريس،وأن زيارته للعاصمة الفرنسية قد تأكدت أخيرا،حيث سيغادرها الاثنين بعد الاجتماع مباشرة.. بعد المكالمة الهاتفية غادر سرا إلى وارسو وعاد فجر يوم السبت وفي صباح يوم السبت 6 حزيران،تلقى مكالمة هاتفية من باريس،من الصحفي اللبناني"سهيل راشد"،صديقه والذي كان يلتقي به باستمرار أثناء زياراته لباريس،منذ أن تعرف عليه في عام1987 ..و كان"سهيل راشد "سبق أن زار ألمانيا برفقة"عاطف بسيسو"في عام 1991 ،عندما كان"بسيسو"لديه موعد لاجتماع في برلين مع مسؤولين من المخابرات المركزية الأمريكية.بعد أن تقررت زيارة"عاطف بسيسو"لباريس،أجرى اتصالات أخرى مع سفارة موريتانيا في باريس،حيث قامت بحجز غرفة له في فندق"ميريديان"باسم دبلوماسي عيني"عاطف أحمد سالم"،حيث كان يحمل جواز سفر عيني دبلوماسي باسم مختلف عن اسمه الحقيقي.،في صباح ذلك اليوم السبت،غادر برلين بسيارته"لاندروفر شيفروليه"التي أرسلها له أخ زوجته من الولايات المتحدة الأمريكية،متجها إلى الحدود الفرنسية وصل ليلا إلى الحدود الألمانية ـ الفرنسية،حيث قضى الليل في فندق قريب من الحدود الألمانية ـ الفرنسية..وقبل أن يكمل رحلته صباحا بالسيارة باتجاه باريس،اتصل هاتفيا بتونس مساء ،ليتحدث مع زوجته وأطفاله فلم يجدهم في المنزل،وكان قلقا على أطفاله من تعرضهم لأي خطر،فاتصل هاتفيا مع منزل"معين بسيسو"في تونس وسأل أقاربه عن زوجته وأطفاله،فأكدوا أنهم بخير،وأن زوجته"ديما"خرجت مع أطفالها لقضاء بعض الوقت لدى أصدقاء لهم في تونس..وفي وقت متأخر من الليلة ذاتها،اتصل من نفس الفندق المقيم به على الحدود،وتحدث مع زوجته.

حركة غير عادية

في صباح يوم الأحد 7 حزيران انطلق بسيارته من الحدود الألمانية ـ الفرنسية،باتجاه باريس،ووصل إلى فندق"ميريديان"في حي"مونبارناس"على الضفاف اليسرى لنهر السين،عند الساعة السادسة مساء.،بعد وصوله للفندق،أجرى اتصاله الهاتفي الأخير مع زوجته"ديما"في تونس،وقال لها:"وجدتهم قد استأجروا لي غرفة في الفندق،مثل القبر..صغيرة في نهاية الممر ولا يوجد منفذ..على كل حال سأسافر غدا.. كلها ليلة واحدة "وطلب من زوجته أن تحجز في فندق بمدينة "سوسة بتونس خلال عطلة عيد الأضحى,وكان العيد بعد أيام من تلك المكالمة..،اتصل هاتفيا بالصحفي اللبناني"سهيل راشد"الذي جاءه إلى الغرفة في الفندق ومكثا قليلا ثم نزلا بالمصعد،وبعد أن فتح المصعد في قاعة الصالون بالفندق،كان رجل يجلس وأخذ يحدق في"عاطف بسيسو"بشكل غير عادي،فلفت انتباه عاطف فقال سهيل: دعنا نتصل بالفرنسيين لإبلاغهم..،نزلا إلى جراج السيارات تحت الأرض في الفندق،لجلب بعض الحقائب والأشياء مثل لوازم الصيد،رصاص صيد،وسيجار،لأن السيارة لم تكن آمنة نوافذها بلاستيك مفتوحة.،لاحظ "عاطف بسيسو"أيضا وجود سيارة في الجراج بها ثلاثة أشخاص بوضع مريب،ثم لاحظ سيارة أجرة "تاكسي تلف في المكان "،كما لم يلاحظ أحد وجود عدنان ياسين في نفس الفندق..،كانت حركة مريبة وأجواء غير عادية في الفندق،فرجعا إلى الغرفة ومعهما الحقائب ،ثم اتصل"عاطف بسيسو"بفاطمة بيضون,وانتظرا في الغرفة حتى وصلت " فاطمة بيضون"،ثم انطلقوا جميعا لتناول طعام العشاء في مطعم مكسيكي في حارة شبه مظلمة في باريس،حيث وجدوا بالصدفة رضوان أبو عياش في المطعم،وجلسوا ولكن رضوان أبو عياش لم يشعر مطلقا بما يدور حوله..،أثناء وجودهم في المطعم،أصر"سهيل راشد"على الاتصال بالمخابرات الفرنسية لإبلاغهم بوجود خطر يتهدد حياة "عاطف بسيسو"وطلب حماية منهم"،وفعلا قام،اتصل هاتفيا،وجاء الرد غريبا جدا.. بأن اليوم عطلة نهاية الأسبوع ومن الصعب تأمين الحماية،لكن غدا صباحا عند الساعة السابعة سيكلف فريق من الأمن الفرنسي بحماية "عاطف بسيسو"،في الفندق..،وطلبوا من سهيل أن يأخذ "عاطف بسيسو"معه إلى منزله لينام معه،وأن لا ينام في الفندق حتى تصل الحماية"،عاد"سهيل راشد"وأبلغ "عاطف بسيسو"برد الأجهزة الأمنية الفرنسية،وطلب منه أن يذهب معه إلى منزله،فرفض"عاطف بسيسو" ذلك ، وربما اعتقد أن تلك المكالمة كافية للفت انتباه أجهزة الأمن الفرنسية لهذا الموضوع..،عادة كان"عاطف بسيسو"يصل إلى باريس جوا بالطائرة وتقوم أجهزة الأمن الفرنسية بوضع حراسة خاصة عند استقباله في المطار،هذه المرات كانت مختلفة،حيث كانت في استقباله على الحدود الفرنسية ـ الألمانية فريق مراقبة من الموساد يتكون من خمس أشخاص تولى متابعة إلى الفندق ..،وحتى عندما تم إبلاغ أجهزة الأمن الفرنسية بوجود خطر يتهدد حياة "عاطف بسيسو"رفضوا وضع حماية أو القيام بإجراءات جدية،وفي دولة كفرنسا،يتم القيام بمثل هذه الحماية خلال دقائق فقط.،اتضحت ملامح التواطؤ من داخل أجهزة الأمن الفرنسية،وبدأ العد التنازلي لاغتيال "عاطف بسيسو"..

اغتيال تحت الأضواء الكاشفة

بعد منتصف الليل بقليل عاد " عاطف بسيسو" إلى الفندق ، و كان جالسا بجانب " سهيل راشد" الذي كان يقود السيارة و في المقعد الخلفي كانت تجلس " فاطمة بيضون" ، توقفت السيارة أمام بوابة الفندق الرئيسية ، و نزل " عاطف بسيسو" من السيارة ، و انحنى محاولا ثني المقعد حتى تنزل " فاطمة بيضون " لتركب في المقعد الأمامي بجانب " سهيل راشد"..

في تلك الأثناء كان رجلين بملامح أوروبية ، شعرهما قصير ، يرتديان ملابس رياضية ، جالسين على درج مؤدي إلى " نايت كلوب"..

كان " عاطف بسيسو" منحنيا فتقدم الرجلان ، و أحدهما يحمل حقيبة على ظهره ، و لم يشاهدا وجه عاطف بسيسو فتقدم أحدهما من الخلف ، و أمسك بشعره و دفعه بقوة إلى مقدمة السيارة ، ووقف الآخر يشهر مسدسا على فاطمة وسهيل ، عندما حاولت فاطمة بيضون الصراخ..

وفورا أخرج القاتل مسدسا مزود بكاتم صوت، و كان المسدس مربوط بكيس بلاستيكي ، و أطلق ثلاث رصاصات على رأس " عاطف بسيسو" و من مسافة قريبة جدا ، ووقعت الرصاصات الفارغة في الكيس..

و بعد أن أنهى القاتل مهمته ألصق على سترة " عاطف بسيسو" جهاز إرسال لا سلكي و تصادف مرور سيدة فرنسية عجوز فصرخت ، فانسحب الرجلان و هما يوجهان مسدساتهما إلى المارة لإسكاتهم..

هرب القاتلان خلف الفندق إلى شبه جسر كممر يؤدي إلى الشارع حيث كان في انتظارهما سيارة حملتهما بعيدا..

أسرعت فاطمة بيضون إلى داخل الفندق و اتصلت بممثل منظمة التحرير الفلسطينية في باريس إبراهيم الصوص، كما اتصلت بمسؤول فلسطيني آخر و أبلغتها بالحادث ، و أرسل الخبر فورا إلى "أبو عمار" حيث كان في الأردن يتلقى العلاج بسبب حادث سقوط الطائرة ، و كان رده فورا: المخابرات الإسرائيلية قتلت عاطف".. و كان تعليق " أبو عمار" نتيجة للمعلومات و التحذيرات التي وصلت لمنظمة التحرير الفلسطينية و تداولتها أجهزة الأمن الفلسطينية ، فكانت الجهة التي تقف خلف الحادث معروفة..

لم يكن " إبراهيم الصوص" على علم بزيارة " عاطف بسيسو" لباريس و لم يقم بإبلاغ الصوص أيضا عن موعده مع المسؤولين في المخابرات الفرنسية أو بشأن الزيارة ، بينما كان " أبو إياد" يحرص باستمرار على التنسيق مع " إبراهيم الصوص" بشأن أي زيارة كان يقوم بها لفرنسا ، وكان اغتيال " عاطف بسيسو" الضربة القوية الثانية التي تلقاها جهاز الأمن الموحد بعد اغتيال " أبو إياد"..

أبو نضال

صدر أول بيان حول اغتيال " عاطف بسيسو" أذاعته فورا إذاعة إسرائيل و تناقلته بعض الإذاعات العربية مثل " مونت كار لو" ادعت فيه إذاعة إسرائيل أنه صادر عن جماعة " أبو نضال" و لكن قراءة البيان تؤكد أنه بيان موسوس مزور يختلف كليا عن البيانات التي يصدرها تنظيم أبو نضال.

و بعد صدور هذا البيان ، عقد " وليد خالد" الناطق الرسمي لتنظيم " أبو نضال " مؤتمرا صحفيا ، نفى فيه تماما أي علاقة لتنظيم " فتح" المجلس الثوري " بعملية اغتيال " عاطف بسيسو".

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق