روايات التهجير الفلسطيني: علي جوهر الجمالي

24 مايو 2023 - 12:38
فيحاء عبد الهادي
صوت فتح الإخباري:

روى «علي جوهر الجمالي»- المولود عام 1934، والمهجّر من بئر السبع، عام 1948، والذي أقام في القاهرة حتى رحيله يوم  3 أيار 2023- ذكرياته عن بئر السبع، ومسيرة حياته الكفاحية، عبر المدن التي هُجِّر إليها؛ الخليل، وأريحا، وبيروت، ثم القاهرة، والمدينة التي درس وعمل وأقام فيها مدة 23 سنة، وهي جدة.
ويتبيَّن من روايته قدرته الثاقبة على تلمس أسباب هزيمة الجيوش العربية التي دخلت فلسطين لمقاومة القوات الصهيونية، وأهم هذه الأسباب عدم وجود استراتيجية لدى القيادات العربية، أو إدراك لطبيعة وخطورة المخطط الصهيوني، وأن الجيوش العربية كان لكل منها خطة منفصلة، في حين أن القوات الصهيونية كانت منظمة، ومستعدة استعداداً عالياً، وتملك خطة واضحة، وتسير وفقها.
كما تحدَّث عن عدم الاستعداد الكافي للحرب، وكان هذا جلياً في نتائج الحرب التي خاضتها الجيوش العربية، حين حصدوا الهزيمة المرّة:
«الجيوش العربية كانت ممزَّقة، ما كَنش فيه استراتيجية عمل بينهم، ما كَنش كل جيش عارف التاني إيش بِدُّه يعمل؟ أحياناً كانوا يخبُطوا عَلى بعض. من هون أجت الكارثة، إنُّه استطاعت إسرائيل أن تسيطر على المنطقة بسهولة».
وتحدَّث عن سبب تهجيره وتهجير عائلته وأهالي بئر السبع، وهو العدوان الهمجي على المدينة، كما تحدّث عن ضعف وسائل المقاومة لدى الأهالي، رغم تصدي من يملك سلاحاً منهم؛ للقوات الصهيونية.
وروى عن والده الذي كان يملك رشاشاً، يتدرَّب عليه، ويعتني به، كي يستطيع استخدامه دفاعاً عن بلده:
«والدي كان عنده رشاش إسمُه برِنّ، والبرِنّ طلقاته سريعة، لمّا كانت الطيارة تيجي كنت أطلع وأنا زغير، والناس يصرخوا عليّ، إوعى ما تضُرُبش، أقعد في الملعب ت ت ت (صوت الرصاص) على الطيارة، في الآخر اجوا الجيران اللي جنب الملعب، قالوا: «إزا بتقدِّم بنضربك، لأنه الطيارة لمّا بنُضرُب عليها من مكان، بِدها تظلّ ترشّ»، فلذلك الناس ما عندهم إمكانية ردّ، ولا فيه جيش يقاوم، هادا ساعد اليهود على إنهم يقتحموا البلد، ويهجّروا الناس».
*****
تسبب قذف الطائرات الإسرائيلية المتواصل والعنيف لمدينة بئر السبع بالقنابل، وعدم وجود دفاع عسكري؛ بترحيل أهالي بئر السبع من مدينتهم، في محاولة لاتقاء ضرب وقصف الطائرات، وهم يعتقدون أن رحيلهم سوف يكون مؤقتاً، وأنهم سوف يعودون، حال انتهاء الاعتداء.
خطّطت القوات الصهيونية للاستيلاء على مدينة بئر السبع، لأنها مدينة ذات موقع استراتيجي، فدخلت إلى المدينة، يوم 21 تشرين الأول 1948. وحين حاول بعض أبناء المدينة أن يعودوا إليها بعد احتلالها؛ أطلق الجيش الإسرائيلي النار عليهم؛ حتى تصل رسالة واضحة إلى أهالي بير السبع ومدن وقرى فلسطين كلها: إن من يحاول العودة إلى بلده مصيره القتل.
*****
كانت الخليل هي المحطة الأولى للصبي علي جوهر الجمالي، ذي الأربعة عشر عاماً، وستة من أفراد عائلته، ومنها إلى أريحا، التي بقيوا في معسكر للاجئين فيها مدة أربعة شهور، ومنها إلى الإقامة في السلط، مدة سنة ونصف، حيث وجدوا ترحيباً كبيراً من أهلها، حتى أن صاحب البيت الذي استأجروا منه بيتهم، رفض أن يأخذ إيجاراً من العائلة مدة ثلاثة أشهر:  
«والدي عنده سيارة نقل، فأخدنا معانا جيرانّا ومفتاح البيت، ودفتر الدّين، عشان لو ما رجعناش على البلد نطالب بالدّين لأبوي على الناس، على أساس راجعين 3، 4 تيام. في السلط بِعنا السيارة، وصار معنا مبلغ يكفي للصرف علينا فترة، الناس هناك استقبلونا بِقلب رَحِب جداً، وكانت معاملتهم إلنا في منتهى العظمة، رغم إنَّ إحنا دخلنا السلط تهريب، ولا معنا إشي. أنا الوحيد من أخواتي اللي دخلت مدرسة السلط. أهل السلط ودودين، ولكن حسَّاسين. لمّا تكون فيه (مصائب) جماعية بتلاقي فيه تكافل بين الناس، وبعدين كثّر الله خيرهم اللي في الأردن، أعطونا جوازات سفر أردنية».
*****
وفي عام 1950، من السلط إلى سورية إلى بيروت، ركب الشاب الباخرة، واتجه إلى مصر، حيث أقام فيها مع عائلته، رغم محاولة السلطات المصرية إرجاعهم إلى غزة:
«قلنا لهم: يا عمي إحنا بِدنا نروح على غزة، بس عن طريق القاهرة، قالوا: أوكي، ركبنا السيارة من السويس، ومعانا شاويش عشان يوصِّلنا على معبر رفح، قلنا لُه: بِدنا نقعد عند قريبنا يومين، قال: ماشي، أخد الجوازات وراح، وإحنا تمِّينا قاعدين في مصر لليوم، يوميها رُحنا سَجّلنا اسمنا في سجل اللاجئين الفلسطينيين، وأعطونا كرت أحمر، هذا قبل ثورة 23 يوليو. الملك كان موجود، وحضرنا الملك لَمّا مِشي، و»محمد نجيب» و»عبد الناصر»، وظلّينا قاعدين لَليوم».
حصل الشاب على الثانوية العامة، وبعدها مباشرة سافر إلى السعودية، وبقي فيها ثلاث وعشرين سنة.
درس في النهار، وعمل في الليل. درس في معهد صيدلة في مدينة جدة، وحصل على دبلوم الصيدلة منها، مما ساعده أن يفتح صيدليات بعد ذلك باسمه. وعدا الصيدلة عمل مع شركات سعودية في شركات الطرق، وفي شركات المقاولات والمباني في مكة.
*****
عاد رجل الأعمال الفلسطيني الطموح إلى مصر، أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، ليعمل في صناعة النسيج، وليفتتح مصنعاً للملابس في القاهرة. انتخب رئيساً للجمعية الخيرية الفلسطينية في مصر عام 1990، بعد رحيل رئيسها مجدي أبو رمضان، ثم أصبح رئيساً للجالية الفلسطينية في مصر، كما كان عضواً في مجلس إدارة مستشفى فلسطين بالقاهرة، وقام بالتعاون مع زملائه رجال الأعمال الفلسطينيين بالسعودية بتجديد بعض الأجهزة الطبية عام 2009، ودأب على تقديم مساعدات للطلاب الفلسطينيين الذين يحتاجون دعماً كي يستطيعوا استكمال دراستهم.
*****
 علي جوهر الجمالي؛ المكافح والمنتج والإنسان، رحلتَ وبقيت مسيرتك الكفاحية الممتدة.
«أبو الفلسطينيين في مصر»، سوف يذكرك أبناؤك بحب واحترام كبيرين؛ سوف يذكرون شهامتك، وكرمك، ودماثتك، وإنسانيتك، كما سوف لن ينساك الطلاب الذين مددت يد العون لهم؛ كي يتخرّجوا وينتجوا ويبدعوا، وسوف تذكرك مدينتك بئر السبع، وبلدك فلسطين.
[email protected]
www.faihaab.com

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق